الرئيسية / أدب الكتاب / هي والغياب…قصة قصيرة بقلم نادية فهمي

هي والغياب…قصة قصيرة بقلم نادية فهمي

Spread the love

قصة قصيرة

قصة قصيرة لكنها طويلة لبعض القرّاء ، أتمنى قراءتها كاملة لمن يتذوّق القراءة وإبداء الرأي والنقد البنّاء ان كانت بحاجة الى أي تعديل ، متمنية أن تنال إعجابكم .

هي والغياب

انتظرته طويلاً ، وباتت تحلمُ بأجملِ لحظاتِ عمرِها ، سرحتْ بخيالها إلى ما قبلَ الغياب ، لحظات العيشِ الرّغيدِ والحياةِ الهنيّةِ مع الحبيب ،وقت حبّ توهّمت وإيّاه أنه سيدوم عمراً لا يفرّقه إلا الموت الأكيد ، لم تعرف وقتها أنه ولسبب ما سيغادر العشّ السعيد ، كيف يكون وكل الحبّ ملأ المكان ، تكلّل بولادة ربيع عمرهما أمير وهناء ، تربّيا أجمل تربية من حسنِ عيشٍ وأخلاق حتى أكملا التعليم وتمّ لهما الزواج وبناء أسرتين لكلّ منهما حياة ، أنسي كلّ هذا أم كان على سرعةٍ منه ليغادر بعد ان يتمّ لأبنائه المراد ، كل هذا وهي جالسةٌ في شرفة بيتهما الهاديء في إحدى ثنايا جبل بلدتهما التي لا تبعد كثيراً عن ضجيج المدنِ برغم هدوء المكان الذي هي فيه ، تتساءل في نفسها : تُرى ما السبب في رحيله وكأنّ ريحاً انتزعتْ قلبه وساقته الى حيث لا يدري ولا هي تدري ؟ خرج الى ما وراء أفق المكان الذي عاش عمره فيه دون أن يبدي سبباً أو يقدّم لأهل بيته عذراً ، تقف مشدوهة من فِعلته بين لحظاتِ التّيه وبين الحلمِ لذي عاشتْه وإيّاه طيلةَ أعوامٍ تزيدُ عن الثلاثين ، ترقب المساءاتِ والليالي تحلم بوعدٍ ما زال بعيداً كيف لا وهي لا تعرف كُنه ذاك الغياب.

وبين يوم وعامٍ وأعوامٍ متتالية وهي تُشغلُ نفسَها بين أعمالِ المنزلِ وبين ولديْها اللذيْن لم يفارقاها بين نهارٍ أو مساء وإن اضطّرّ الأمرُ إلى مبيتٍ حتى يُنسياها بعضَ الألمِ الذي كان بسببِ والديْهما واللذيْن لم يعرفاه هما كما أمّهما ، ظلّت على الحالِ تُعاوِدُها أقرانُها بينَ الحينِ والحينِ تتسلّى وإيّاهنّ بأحاديثَ طويلةٍ عن الدنيا وما فيها من مشاكلها وما يعانيه الناسُ من قسوةِ الأيّامِ والظروفِ المهولةِ التي يواجهونها أثناءَ العملِ من ضنكِ العيشِ وصعوبةِ الحياة . تشارك الأصدقاءَ والجيرانَ أفراحَهم وأحزانَهم فالجميع يحبّها ويحترمُها ويرمي اللوم على زوجها لما فعله بها بدون أن يشعرها أحد بأن هناك نقصاً في حياتها ويقفون بجانبها في السّراءِ والضرّاء ، لكنّ كلّ هذا لا يغني المرءَ عمن في بيتِه وكان يلازمُه وقتَه لأعوامٍ طويلةٍ ، هذا ما شعرتْه بداخلها وكتمتْه بسرّ عمرها الحالي . تنتهي من أعمالها المنزلية ، تعدّ لنفسها بعضَ الطّعامِ والشّرابِ لعلّها تستلذُّ بما صنعتْ يداها ، ولكن هيهات هيهات فالحزنُ ملأ القلبَ على فراقِ الحبيبِ وهي ما زالت في حالة ذهول لما ألمّ بها بفعلِ غربةٍ قاسيةٍ حُكِمَ عليهما بالفراقِ بموتٍ كان أو غيابٍ وليس شرطاً للموتِ أن يفارقَ الإنسانُ الحياةَ ، فكلّ غربةٍ لا يطالُها الحبّ هي موات ، أو هكذا اعتقدتْ حين استلقتْ على سريرها تفكّر بكل ما حدث معها وإيّاه لعلّها تجدُ خطئاً ارتكبتْه معه جعله يفرُّ بلمحِ البصرِ وينسى تلك الرومانسية التي كانت تقدّمها له ليلَ نهار ، شُلّ التفكيرُ عن الجوابِ ، فحملت كتاباً لعلّه يُنسيها الأحزان ، تتصفّحُ وريقاتِه في ذاك الّليلِ الطّويلِ الذي أضناها بهمومِه ودُجاه العتيم ، تنظرُ إلى السّماءِ عسى وعلّ تنسى بعضَ أحوالِها ، الله الله على هذا المنظرِ البديع ! يتألّقُ القمرُ مع نجومِه ونورِه الوضّاء ، كم أنا منكبّة على هذه الحياة اللئيمةِ التي أنستني هذا الجمال ، قابعةً في غرفتي ليلاً ولا أدري ما يحلّ بالأرضِ والسّماء ، ها هي بدأتْ تُطفيء ذُبالةَ تعاستِها مع هذا المكان ، كيف لي أنسى خلق الله وإبداعِه وكأنّه لم يخلقْ إلّا ذاك الإنسان ؟ كيف لي أن أبقى في حزني أتجرّعُ مُرّ الحياةِ وهو لا بدّ ويعيشُ في كنفِ حياةٍ أخرى لا يتذكّرُ من قديمِه أيَّ إنسان ؟ كيف لا وهو لم يبعثْ شيئاً يدلّ على أنّه ما زال على قيدِ الحياة ، خرج ولم يعدْ ، فلماذا أبقى تعيسةَ الوقتِ وأنا في ظلّ هذا البهاءِ من عندِ الله الذي لا ينسى أحداً يطلبُ الدّعاء ، كلّ هذا وهي تحلّقُ في سمائِها البديعة ، تقول في نفسها : من الآن سيتغيّر الحال ، وسأسعى لنفسي برغد العيش وطيب الحياة ، لنْ أبقى كمن نسيتْه الدّنيا وعاشَ وماتِ بدون سؤال ، يا لها من إنسانةٍ اتّقدتْ روحُها مما عانتْه وهي تفكّرُ برجلٍ لم يعد يُذكّرُها به غيرَ الأبناء ، وحبّ توشّحتْه على طولِ الأيامِ ، ستحاول لملمتَه ونسيانَه مع حياتِها الجديدة . تقوم في الصباح وكأن الدّنيا أعادتْ لها عمرَها ، تُعدّ فنجانَ قهوتِها المعتادةِ عليها أيّامَ حزنِها وكآبتها ولكنها الآنَ في وضعٍ آخرَ قرّرتْه بعد تلك الّليلةِ التي سهرتها بحضرةِ السّماءِ الزّرقاء ، تجلسُ على شرفتِها تحتسي القهوةَ برشفاتٍ طويلةٍ تستلذّ بكلّ واحدة كأنّها تعانقُ نكهةَ حاضرٍ جديدٍ ترسمه في واقعها الآنيّ فتستعيد معها ما غاب من سعادةٍ وهناء ، وبينما هي على هذا الحالِ تنظرُ للمحيطِ باشتياقٍ فتلمحُ أحدَهم من على الشّرفة ، لكنّها لم تعرّه أيّ انتباهٍ فالمارّة كثيرون هذه الأيام ، الطّقسُ ربيعيّ والهواءُ العليلُ يستهويه الناسُ ليأخذوا نصيبَهم من المشي في الطرقات ، أعدّت لنفسها فطورَ الصّباحِ وتمنّتْ حضور ولديّها لمشاركتها هذه الّلحظةِ التي أهملتْهُما بها كثيراً من الأوقاتِ لسوءِ أحوالِها ، وكأنّها تحقّقتْ تلك الأمنيةُ ، فيدقّ جرسُ البابِ وإذا بابنتها قد جاءتها لبهجةِ المكان ، وبينما هما على مائدةِ الإفطارِ ومن خلالِ حديثٍ بينهما شعرتِ البنتُ بعضَ السعادةِ على أمّها فأخبرتْها بما حصل معها ليلتَها ،فسرّتِ البنتُ لأنّ هناك تغييراً رائعاً يحيط أمّها المسكينة التي لازمتِ الوحدةَ والوجعَ على مدارِ سنينَ غبراءَ ، واستأذنتْها لبعضِ أشغالِها وخرجتْ وهي مبتسمةً ، فلم تعدْ تقلقُ عليها بعد الآن ، وبينما هي في الطّريقِ تسمعُ صدىً يناديها باسمها ، توقّفتْ لحظتَها وتوجّم وجْهها وقالت في نفسها : أوّاه هذا الصوت ليس غريباً على مسمعي ! تراه هو وما الذي جاء به بعد هذا العمر ؟ تساؤلات غريبة دارت في ذهنها قبل أن تلتفتَ للوراءِ وتجدْه يقول لها : كيف حالك يا ابنتي ؟ نظرتْ إليه وهالها منظرُه ، هو ليس كبيراً بعمرِه ولكنّ الشّيب قد غطّى ملامحه ، والدّهرَ غدرّ به ونال منه ، ردّت عليه ولم يهزّها الشوق إليه وبادرتْه بسؤالٍ على سؤالِه : أنا كما ترى وأنت كما أرى ، لم يتغيّرْ بي شيءٌ إلا بعضَ سنينٍ تآكلتْ من عمري لحياةٍ جديدةٍ أسّستُها مع عائلتي ، ولكنّي أرى الزّمان قد هوى بك إلى عالمٍ سحيقٍ لم تقمْ منه كلّ هذا الغياب ، فلماذا عدّتَ وقد مضى عليك عمراً وعشتَ حياةً جديدةً تليقُ بك وبما فعلتَ في ذاك الوقت ، أجابها وبسرعةٍ حتى لا يطيلُ عليها المسافةَ: قد توهّمتُ بأحدِ الأصحابِ وزوّجني أختاً له غادرنا على أثرِها المكان ، بداية الأمر جعلتني أنسى لذّةَ ما كان لي من حياة ، أخمرتني بجمالها وكثرة المال ، حتى أنني لم أجدْ ما أفكّرُ فيه غير الأكل والّلبس والخروجِ الى الملذّات ، وبعدها أخذتني الحياةُ إلى ما أبعد مِن كلّ هذا حتى أصبحتُ أعتادُ أماكنَ الشّربِ والقمار ، وهي تهبُني المالَ لتنسيني مَنْ أكون ، فتهْتُ أنا بشهوتي وأصبحت هي تُلازمُ غيري من الرجال ، لم يعجبني ذلك في بداية الأمر وحاولتُ معها كلّ الطّرقِ لأنقذَها وأُنقذَ نفسي مما نحن فيه ، ولكن بعُدَ ذلك عنّي وعنها ، تركتها على هواها وصرتُ أنا على هذا الحال ، وبدون أن أعرفَ وجدّتني هنا في هذا المكان أستعيدُ ذكرى نسيتُها من ذاك الزّمان ، وعندما لحظتك قلتُ قي نفسي هي ذاك العهد الذي تركتُه ورحلتُ عنه فناديْتك لعلّك تسمعين النداء ، قالت له وفي قلبها غصّة لم تنسها على مرّ العمر : أتعرف ما الذي جرفك إلى ذاك التّيه وأبعدك عن أهلك ووطنك ؟ هي الدنيا بما فيها من حياة ، نحن عشْنا لذّتها مع ما تبقّى منك وأمّي التي ربّتنا بدمعِ النّارِ التي أحرقتْ قلبَها منذُ غادرْتَ الدّيار ، وأنت عشتَها بلذّتِها التي أنستْك أنّ لك في هذا المكان زوجةً وطفليها ، ولم تتذكّر كيف سترميهما الحياةُ بلا مأكلٍ ولا مشرب ، وأنّ هناك من اتّقدتْ نيراناً على غيابك وكانت تسكبُ دموعاً علينا حتى كبرنا وصرْنا كما نحنُ الآن ، وتأتي بعد هذا العمر وبكلّ بساطةٍ لتقولَ لي كيف حالُك يا ابنتي ؟ هذا هو حالك وهذا حالي ، عُدْ حيث أتيتَ من دنيا الّلهو التي كنت فيها واتركِ المكان لمنْ فيه فبعد هذا العمر هناك إنسانة كنت قد رميتَها هنا وما زالتْ على ذكراك نهارُها كدّ وتعبٌ وليلُها نحيبٌ عمّا حلّ بها بغيابك حتى أدركتْ أنها تعيش في وهمِ الانتظار ، والآن فقط تعيشُ حياةً جديدةً لعلّها تنسيها الذي كان ، فعذراً لا تقترب أكثر فقد تعوّدنا على نسيانك والعيش بدونك في هذه الحياة ، عدْ إلى لهْوِك إلى أيّ شيءٍ حتى وإنْ تغيّر حالُك فليكن لك لا لنا لأنّك خرجت من الذاكرة لحظةِ ذاك الغياب . بقلمي نادية فهمي فلسطين

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

عن SAAMEAA altarabishy

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أنّى لنا..البحر الكامل بقلم فريدة الجوهري

Spread the loveإنّا انتفاضٌ مواجع/تفعيلة على البحر الكامل أنّى لنا أن ننزعَ ...