الرئيسية / أدب الكتاب / من الذاكرة الجزء السادس بقلم الشاعر أنور الزبن

من الذاكرة الجزء السادس بقلم الشاعر أنور الزبن

Spread the love

(6) الجزء االسادس – من الذاكرةFB_IMG_1579200208088
…………………..
دخلت القدس القديمة في يوم من أيام الجمعة من شهر رمضان المبارك.
و كأني أول مرة أدخل القدس ، فكل شيء فيها شدني للماضي ، إلى سنين الخمسينيات في أيام طفولتي ، عندما كان المرحوم عمي ابو عبد الله وجدي مصطفى أبو غالية يصطحباني معاهما لأشاهد قيامة العذراء والصخرة المشرفة والأقصى . حيث كان والدي رحمه الله مسافر ، ويعيش في البرازيل .
كنّا نمر من باب العامود ، حيث كانت الساحة الخارجية في تلك الأيام سوق لبيع الحلال أي المشاية والدواب ، وبعض الباعة من أدوات الحراثة للمزارعين والفلاحين، وخاصة الفلاحين من مدينة سلوان المجاورة ، والتي كانت زراعتها من الخضروات تملأ القدس والمدن المجاورة ، كما كان في الساحة بعض المطاعم البسيطة من الخشب والزينكو يعمل فيها الفلافل وشوي الكباب والبيض وكعك القدس . ثم دخلت من باب العامود إلى سوق باب خان الزيت ، وصولاً بحارة اليهود في آخر الشارع .
فكنت أتأمل كيف كانت ارضية الشوارع والأبنية والبيوت التي تعلو السوق ، مروراً بحلويات زلاطيمو .
وقد كان في ذلك الدكان الصغير والقديم بتاريخه وحجارته وبنائه ، وفيه ذلك العجوز الذي كان في الأربعينات من عمره ، بكمبازه الغباني المقلم بالأبيض والأسود، وطاقيته السوداء المخرمة ، ونحن متجهين للقيامة كنّا نجلس عنده ساعات ننتظر الدور حتى يحضر لنا الفطير بالجبن .
لم نكن نشعر بطول الوقت لأننا كنّا مشدودين لمنظر يديه وهو يلوح بالعجين ثم يضربها للبلاطة ثم يدهنها بالزيت حتى يكتمل عجنها ، ثم يضع فيها الجبن ويضعها بفرن صغير يعمل على الحطب حتى تنضج ، ثم يضعها على صينية أعدت خصيصاً للمطبق من النحاس ، ويضع عليها القطر والسكر الناعم ثم يقدمها للزبون .
وبعد أكلة المطبق الشهية والتي ننتظرها لأعوام ثم نمشي أمتار حتى نصل مقهى على المثلث الذي يؤدي إلى الأقصى وسوق اللحامين وخان الزيت وكنيسة مريم العذراء هناك ذلك المقهى ببنائه العمري القديم وهو عبارة عن غرفتين يوجد فيها كم طاولة وكم كرسي صغير من الحديد والقش أو من الخشب والقش وكان ذلك العجوز يعرف سيدي فيرحب به ونجلس باب المقهى ويقول له أحضر لي نفس تمباك فيأتي له بالأرجيلة واجلس بجانبه رحمه الله ثم نذهب إلى القيامة نتجول فيها ثم نقصد الأقصى والصخرة المشرفة ، ثم نعود في باصات التميمي من كراج باب العامود إلى رام الله ثم نعود، للبيت في قريتي الصغيرة المزرعة الشرقية .
في ذلك الوقت ولا زلت لليوم كلما أتيحت لي الفرصة للذهاب للقدس أذهب إلى ذالك المقهى وأشرب نفس التمباك العربي
وأكثر ما استوقفني في السوق ذلك الدكان القديم الذي كان فيه رجل في الثلاثينات من العمر ببنطال قاكي وجكيت أسود ونظارة بيضاء ، يسمى أبو غزالة وهذا الدكان كان ولا يزال صالون للحلاقة .
ولما قرأت اللآفتة وقد كتب عليها صالون ابو غزالة ، أعادتني الذاكرة إلى عام ١٩٥٨م وعمري ثماني سنوات وكأنني أول مرة أمر من هذا الشارع مع أنني مررته أكثر من مئة مرة وكنت حابب أن أحلق شعري في ذلك الصالون وأجمع ذَاكرتي وتخيلاتي التي بدأت تطل علي من كل شارع وركن في ذلك الزقاق الأهم والأطول في داخل القدس القديمة الذي يربط شمالها بجنوبها داخل السور
فسلمت على من به ثم جلست على الكرسي أتأمل صورة ختيار في السبعينات يحلق لي وصور الفلاحين والفلاحات والدواب محملة بالثمار ومحاصيل القرى المجاورة تمر من الشارع ومنهن جالسات على جانبي الشارع والحَمّال على ظهره السلة الكبيرة مصنوعة من القش مليئة بحاجيات البيت لإحدى السكان الأثرياء داخل السور
سرحت بخيالي فترة حتى ناداني الحلاق تفضل يا أستاذ واجلس على الكرسي فقمت من مكاني وجلست على كرسي الحلاقة وفي نفسي أسئلة تدور في خاطري
فحلاق زمان كان طبيب أسنان وطبيب عام وحلاق وحكواتي وأمين سر القرية ويطلق ويزوج ويكتب حجة الأرض وعقود البيع والشراء ، ومقرب من المختار ، ولديه قصص كل أهل القرية .
وفجأة أعادتني الذاكرة إلى ذلك المطهر ، الذي كان يحمل بيده شنطة سوداء من الجلد كبيرة الحجم ، كتب عليها بالخط الأبيض مطهر أولاد قانوني ، وإسم المطهر أبو غزالة .
و في الشنطة يوجد عدة الطهور ، من موسى ومقص وقطن وسكاكين حادة
ويود ومطهرات أخرى وخيط وإبرة للقطب إن إحتاج الأمر أو وقف النزيف .
كانت ملحمة حقيقية لكن من نوع آخر عام ١٩٥٥م
هي طهور مجموعة من الشباب والأطفال .
كنّا أولاد الحارة ، والحوش ، والأقارب ، قد تجمعنا في ديوان حامولتنا ، وهو ديوان آلِ جربون ، والذي لا يزال موجود للآن ، والموجودين فيه كانوا نحن أبناء أحمد شحادة جميل ومنير وأنور وجمال وفاروق، وابن عمي عبد الله ، وأولاد عمي عبد الفتاح، خالد ، وعبد الكريم، وعبد الرحيم ، واسعد ، وسعيد.
وأولاد عمي شحادة ، فالح ، وفارس ، ونافع ، وأولاد عمي حسن الحج عمر ، محمد حسن الحاج عمر، وإبن أخيه فتحي
وأولاد العبد ابو الحنيش ، عطا ، ومراد.
وأولاد محمود ابو عماش ، صبحي والمسمى محمد، وكايد ، وفايز ، وياسين .
كانوا قد وضعونا صف واحد ، و على فرشات متلاصقة ، وظهورنا مستندة للحائط بخلقاتنا والتي (كانت تلبس للأولاد بدل البنطال ).
وكانت مقلمة بالأخضر والأبيض التي تسمى الدشداشة اليوم والتي أعدت خصيصاً للطهور ، ورجال العائلة بيننا ، كل مجموعة بجانب اولادهم ، والنساء باب الديوان تزغرد ، كلما طهر ابوغزالة واحد ولفها وأعطى قطعة اللحم ملفوفة بقماش أبيض لوالد الولد الذي طهره ، ومنهم من كانوا شباب فوق سن ال خمسة عشرة عام ، وكان يقول لنا المطهر ، القوها في بئر خرب ، خوفاً من الحسد أو مس من الشيطان أو يمرض الولد ، وإن أوجعته ، او الصقت اللفيفة ، كان ينصحنا بسكب الشاي المر.
وأما النساء ، فكانت منشغلة في حلقات ، قسم منهن باب العلية يهاهين يغنين ويزغردن ، وقسم في ساحة الحوش يرقصن ويغنين أغاني الطهور ، حيث كان لكل مناسبة أغاني خاصة بها تحفظها البداعات ، وهن النساء اللواتي تحفظ الأغاني ولديهن القدرة على إرتجال الأغاني ، كما كان في ذلك الوقت نساء متخصصات ،
وأعرف أسمائهن ، لكن لأنهن نساء أعتذر عن ذكر الأسماء .
والحوش هو مجموعة من البيوت القديمة ، يسكنها مجموعة من العائلات ، وكل بيت في الحوش ، عبارة عن غرفة مبنية من الحجارة الخام ، مع الشيد والسكن من بقايا الرماد المتبقي من المواقد ، والطوابين ، ومعقود أي مسقوف من الخشب ،
من الشجر ، وأغصان الشجر ، ومن الطين والقش والسكن والحور و الحوش هو من عدة بيوت بشكل دائري ، وله مدخل واحد ضيق ، يمر منه سكان البيت والزوار والدواب ، والبيت عبارة عن غرفة واحدة لا تتعدى مساحتها ٤ إلى ٦ م في ٤ م مربع ، مكون من الراوية ، وهي قسم من البيت ، والقسم الثاني المصطبة ، أما الراوية ، فعليها الخوابي المصنوعة من الطين والتبن ، وأسفلها طاقة لتنزيل الحبوب او الزبيب أو القطين أي التين المجفف الموجود في الخابية . وبالعادة ، تكون مجموعة من الخوابي على الراوية بجانب بعضها البعض لحفظ محاصيل الفلاحين ، والمصطبة تنام عليها العائلة بكامل عددهم ، وغالباً ما كان كل الأسرة تنام في غطاء وفراش واحد أو مجموعة من الأغطية والفرشات ، ملتصقة بعضها لبعض ، وعلى المصطبة من جهة الباب ، يوجد المحمل ، وهو مبني من الطين والقش ، لا يتعدى المتر ونصف طول ، وعشرين سم إرتفاع ، يتكيء عليه كبير العائلةلينظر خارج البيت هل من زائر ، أو (رجل غريبة )، كان يقال هذا المثل لغير المعروف من الناس ، إذا دخل الحوش وعادة ما يكون مطل على صحن الحوش. وربما للطريق العام ، ليعرف من مر من الطريق ، او دخل باب الحوش ، وأين يتجه، وكذلك لحراسة الحوش من الدواب ، والغرباء ، وأيضاً كانت القُصَّةْ وهي مساحة صغيرة تتسع لجلوس رجل واحد و عليها ينام كبير العائلة، أب كان أو أخ أو جد وقوس اللحفة وهو شبيه بالخزانة ، ومساحته مترين تقريباً على واجهة الحائط ، وفي طرفيه بقدر عشرين سم عمق خزانة من الطين ، بلا أبواب لوضع وحفظ الفرشة واللحفة والوسائد وأغراض النوم ، ويسمى بالقوس (قوس اللحفة ) ويرتفع عن المصطبة اي الأرضية حوالي ٣٠سم كي لا تصل المياه للأوعية وهذا الإرتفاع عبارة عن طاقات تحت القوس ، لوضع لوازم البيت كما كان هناك السوكة في جدار البيت، وهي طاقة مستطيلة داخل الجدار لها فتحة مستديرة بحجم قبضة اليد وعمق أكثر من نصف متر ، لوضع الأشياء الدقيقة والمهمة ، بعيداً عن متناول الأطفال ، كما كانت تستخدم كمخبأ لبارودة الصواري الإنجليزي أو الحربة أو السيف أو الطبنجة وكان هناك الموقد للحطب ، والطبيخ ، صيف وشتاء ، وبجانب الموقدة مجلس كبير البيت القريب من المحمل، حيث يجلس بجانب الموقد على فرشته المخصصة له وغالباً ما تكون من جلد الضأن ، و يقال لها الفروة ، ويتكيء على المحمل يلقي النظرات لخارج البيت ، ثم هناك القبو ، بيت الدواب ، وفيه معدات الحراثة والحطب وطعام الدواب ، وهو أسفل البيت ، وتحت المصطبة ، تصعد لها منه بدرجات وجانب الدرجات توجد جرة الماء من الفخار الملون والمزرقش ، ومعلق بجانبها تنكة المنيوم صغيرة مربوطة بخيط من القنب في ( ذان )الجرة للشرب ، ثم هناك الزرب، وهو مستطيل الشكل ، ضيق ، مساحته أقل من مساحة القبو وهو لحفظ التبن ويستعمل لمبيت الدجاج ويسمى المزبل أيضاً ، حيث كانت تضع البيض في المزبل فكنا نجمع البيض البلدي ، والذي كان القوت اليومي مع اللبن والزبدة والرايب، والجبنة ، لكن اصحاب الغنم القليلة قليلاً ماكانوا يصنعون الجبنة ، إلا للحاجة ، وآخر الموسم ، بعد أن يكبر الربيع وينضج كي ينتجوا جبنة عالية الجودة ولصنع السمنة البلدية أيضاً ، وكان الزبل يستعمل كوقود للطابون لعمل الخبز البلدي ولذي كان من طحين القمح البلدي ، وهو محصول الفلاح الرئيسي ، بلا أي مواد كيماوية أو حافظة معاه ، طبيعي ١٠٠٪ ويصنع منه فرايك البسيسة والتي تؤكل مع القطين التين المجفف بجانب الموقدة في الشتاء ، وهي الملاتيت بالزيت البلدي والسمسم كما كانت من الحلوى الزلابية ، والهريسة في الطابون والهيطلية والبحتة وهي الحليب مع الرز ، وأقراص الشحم والبصل ، او اللية والبصل والقراقيش بالسمسم .
والطابون يومها كان للطهي والخبز وللدفا حيث كن نساء الحارة يتجمعن فيه أيام الشتاء والبرد القارص ويتحدثن عن أخبار القرية والزراعة وهناك كن نساء متخصصات للمزح والفكاهة وكن يعرفن بطيبة الكلام ، كما كن يشوين فيه البطاطا والباذنجان ، وعمل الصواني لإطعام العائلة ، وذلك للسرعة وتوفير الكاز المستخدم للبابور أو البريموس ، ذو ثلاثة أرجل ورأس ، توضع عليه الطنجرة
والحوش كان يسكنه عدة عوائل فحوشنا مثلاً كان يسكنه نحن ودار عمي ودار ابو سندس ودار ابو طلال من دار زبن ودار ابو عماش سعد ودار الشيخ أسعد الشلبي ودار الحاج محمودحميدة وفي أول الحوش في المدخل غرفة صغيرة من الطين ومسقوفة بالخشب والطين فيها حياة الشيخ نعيم الشلبي وهو حلاق وأتوقع أنه كان أول حلاق في القرية ثم تبعه بعد وفاته في المحلقة حياة عمي ابو عبد الله والمعروف (بالقطاوي)
وهناك من كان يطبخ للطهور في إحدى جهات الحوش ، وعادة في الزاوية من الجهات بعيد عن الرياح والغبرة حيث كانت تصنع المواقد من الحجارة ، وبقدر حجم الدست أي الطنجرة الكبيرة وعدد الطناجر الموجودة والمعدة للطبخ ، فيوقد تحتها الحطب لتجهيز الطعام وكان الطباخون والطباخات معروفين في كل حامولة وهم المسئولون عن تجهيز الطعام لكل المناسبات ، وهو عادة ما يكون مناسف مع لحم الضأن أو الماعز بالكشك البلدي ، أي الجميد البلدي ، والسمنة البلدية .
ويوضع تحته خبز بلدي مقطع (الثريد)او الفتات ولم يكن وقتها منسف مع دجاج أو لحمة عجل فكانوا يعتبرونه عيب ومنقصة في صاحب الفرح أو المناسبة
كانوا شبعانين رغم الفقر أما اليوم معظم الناس جيعانين مع وجود المال وتوفير كل شيء لمتطلبات الحياة
كنّا في ذلك الوقت لا نعرف شرقي ولا غربي ولا الحاراتية ولا الشللية ولا الأحزاب والتطرف .
كانت البساطة تجمعنا والحب يملأ قلوبنا .
كنّا سواسية كأسنان المشط ، لا يعرف غنينا من فقيرنا .
كنّا نتقاسم الهم واللقمة ، ونحلم بسعادة للجميع ، ونأمل الخير للجميع .
كان يجمعنا الفرح والحزن .
نبكي لمصابنا ، ونحزن لحزننا .
فمن أوجد الظلم والإنقسام والكراهية ؟
من أكل قوتنا وقسم ابنائنا لحارات وأحزاب ؟
من أحرم الجارة ترضع إبن جارتها؟
من المسئول حتى أصبح تدمير شعب وأمة؟
ومن جعل الدم ماءً بدون حرارة مهما عظمت المصائب؟
من فرغ معظم شبابنا من الرجولة والوطنية ؟
من سرق قوت الأمة والشعوب حتى أضحت تركض خلف لقمة العيش ولا تجدها؟
ساق الله أيام زمان كنّا عيلة وكنا مبسوطين وبسيطين مع الفقر وقلة التعليم لكن كان للحياة طعم والنّاس سواسي ويحبون بعضهم البعض

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

عن SAAMEA TRABISHI

x

‎قد يُعجبك أيضاً

زمن القمباز..مقالة علي الشافعي

Spread the love حديث الجمعة بقلم علي الشافعيزمن القمباز مقالةساق الله ايام ...