الرئيسية / آخر الأخبار / عودة من بعيد..رواية قصيرة تأليف: أ. عبدالاله ماهل

عودة من بعيد..رواية قصيرة تأليف: أ. عبدالاله ماهل

Spread the love

رواية قصيرة “عودة من بعيد”

تأليف: أ. عبدالاله ماهل

الفصل الاول
لم يشأ أن يلحقها بالتعليم العصري؛ واكتفى بما أخذته، وعن ظهر لوح خشبي، من ما تيسر من آيات ربانية من ذلك الكتاب القرآني، القابع بالجوار كاليتيم يوم العيد، المهمل إلى حد النسيان.
كل شيء فيه تآكل واعترى، ولا من يعيره أي اهتمام؛ وكأنه بات ثقلا على القلب فبالأحرى على الجيب، اللهم وعلى سبيل الإستحسان: صدقات بين الفينة والأخرى وعلى شكل قالب سكر أو طلاء من الجير أو تجديد لحصير، يجود بها غرباء، وبالصدفة أثناء مرورهم من هنا مر كرام؛ تذكرة وتيمنا بفقيه كان يا مكان هناك.
أحسن قراءة الطالع، شافى وعافى وأكرم الوفادة حتى داع صيته، وقويت شوكته؛ فخيف منه التمرد والعصيان، فكان لزاما التخلص منه وبأدب، ومن دون إثارة الشوشرات والنعرات، أسلم من الإبقاء عليه.
وذات يوم وبمحرابه بات ليلته، وفي صبيحة الغد تفقده موردوه، فلم يعثر له على أثر؛ وكأن الأرض بلعته، فانقطعت أخباره.
وبعد حين سجل في عداد المفقودين، وطويت صفحته إلى الأبد؛ ليظل وعبر سنين ذاك اللغز المحير.

الفصل الثاني
اتت على القرآن كله حفظا وختما؛ كان بمثابة فاتحة خير عليها، نالت من خلاله شرفا واحتفاءا من أهل القرية، بوئها مكانا رفيعا، جعلها مرفوعة الرأس؛ وهي تلج التعليم الابتدائي بمدرسة، وجدت ولحسن الحظ بالجوار غير بعيدة عن الدوار.
أقبلت عليه وبشغف منقطع النظير، واذعنت لمناهج أمليت من الفوق وبطريقة ارتجالية؛ يكاد يتغير لونها عاما على عام من لغة الأم إلى أخرى دخيلة.
تجعلها تنأى عن واقع معاش، سمته البداوة ولا شيء غير البداوة؛ لينتهي بها المطاف إلى نفور المتلقي منها.
اللهم من اصطبر وكابد، وتمكن من تجاوز رتابتها؛ لا لشيء إلا ليعبر وبسلام إلى الضفة الأخرى.
وكأنه استوعب الدرس، ولم يعد بمقدوره أن يراهن على ما يحمله المستقبل من مفاجآت.
آثر قعدتها في البيت بدل المغامرة بها؛ لتتولى امها أمرها كبديل عن ذلك التعليم.
لم تبخل عليها أمها بأي شيء؛ أخذت بيدها، لقنتها ما تتطلبه الحياة اليومية: من طبيخ وغسيل وغزل ووو… لتؤهلها وبامتياز لزواج ميمون وخلفة محمودة، تؤج ان شاء الله بالبنين والبنات.

الفصل الثالث
مغامرة ركبها ولم يحسب جيدا عاقبتها؛ عصفت كليا بوضعيته المالية وأودت به إلى الحضيض.
فلا الإبن البكر اشفى غليله، ولا البنت التي تليه ارتاحت واراحت.
كلاهما هاجرا إلى المدينة بعد أن استوفيا المرحلة الابتدائية؛ ليلتحقا بالتعليم الابتدائي فالثانوي فالجامعي.
مسيرة أفنيا من خلالها عمرا لا يستهان به، تردد بين عيش جمعهما سويا: ببيت مكترى لا يتعدى أربعة أمتار، وأكل ناشف يكاد يفتقر لكافة المقومات الموصى بها، وتنقل عبر الأرجل خارج المدينة، ودراسة تخضع لابتزاز من طرف أساتذة لا يؤمنون إلا بمطبوعاتهم شكلا ومضمونا وبأسعار خيالية.
معاناة استطاعا تجاوزها، مرت بسلام؛ وكانت نهايتها الحصول على شهادة جامعية.
ليجد كل واحد منهما على حدة، نفسه تتقاذفه مباراة التوظيف: بين كتابي يغري وشفوي يحطم.
وبين هذا وذاك محسوبية مكشوفة للعيان؛ سرعان ما شلت حركتهما، لترديهما خارج الركب على الهامش في عطالة وبطالة.
فلا المدينة استطاعا مجاراتها والتأقلم معها، ولا البادية ارتضوها بديلا.
لتبقى المعاناة على أشدها.

الفصل الرابع
لم يدخر الأب جهدا إلا وبدله عليهما؛ ظنا منه أن نيل الشهادة الجامعية سوف تنقله إلى سدة الأعيان، وتعفي الأبناء مغبة العيش بقبيلة، سلبت منها عنوة لحمة تلك العصبية، وتسربت بين ثنايا كيانها العداوة والبغضاء.
ليلجها الغريب ويعيث فيها فسادا، ولا من يحرك ساكنا.
ماتت النخوة وعزة النفس، واستبيحت الأعراض وتركت نسيا منسيا، ومن غير أدنى مقومات العيش الكريم: لا طريق لا ماء ولا كهرباء.
وليكون البديل ولا مناص منه سوى الهجرة والشتات.
فإذا به يجد نفسه، غارقا حتى الأذنين في وحل عديم القرار؛ مديونية وصمته بالعار، يجر اذيالها أينما حل وارتحل.
لم يجدي معها من حيلة سوى سدادها، ومن خلال رهن جميع ما آل إليه إرثا: من أرض عارية منعزلة تحت رحمة الرياح.
لا حول ولا قوة لها سوى ما تدره عليها السماء من زخات مطرية.
ليكتفي قانعا راضيا؛ بما يجود عليه الساكنة من دريهمات. بالكاد يسد بها رمق العيش؛ مقابل تعهده بالقيام بشؤون المسجد والإشراف على الكتاب القرآني.
ليسد ذلك الفراغ الذي أحدثه اختفاء ذلك الفقيه صاحب البركة.

الفصل الخامس
نزلت مكرهة لا راضية عند رغبة ابيها، لزمت البيت وشغل البيت.
لتتفرغ بعدئذ إلى الرعي، وتتبع الاغنام عبر المراعي والشعاب؛ بحثا عن الكلأ والعشب وموارد الماء.
ألفت الرعي واستأنست بالأغنام، أسوة بمثيلاتها اللائي لم يحالفهن الحظ في ولوج المدينة او الخوض في مغامرات خارج القرية.
فكانت تقضي اليوم بطوله خارج البيت، وليس في جعبتها إلا القليل من رغيف يابس ملفوف بقطعة ثوب خشن، وقنينة بلاستيكية امتلأت عن آخرها بشاي أسود تسد من خلالهما ولو لحين جوعها، وقارورة ماء تطفئ بها ظمأها.
لا تمل ولا تكل. يرافقها كلبها، وعيناه متقدتان كالجمر لا تنام؛ يتحسس الأرض، يركض، ينبح؛ ليعيد أي شاة شاردة إلى جادة القطيع.
وكأن المسكينة فطمت على الرعي والمرعى؛ تتقفى بخطوات حتيتة: أحسن مرعى لأعز قطيع لديها.
وكم كانت تسعد أيما سعادة؛ وهي تخلص نعجة من حملها أو تجد في انتقاء الفحل المناسب للنعجة الجاهزة.
لتكون النتيجة: قطيعا من سلالة جيدة، وأعدادا في تزايد مضطرد؛ بوئها وبدون منازع الحصول على جوائز واعترافات محلية؛ كانت بمثابة اضافة مادية، رفع من خلالها الأب جزءا من الرهن على ممتلكاته.

الفصل السادس
ومع توالي الأيام ظهرت عليها علامات البلوغ. أتت عليها ولم ترحمها ولا من يرشدها؛ اللهم ما عاينته من خلال القطيع.
انزوت خارج الصبية الرعاة، احست بشيء غريب في جسدها يسري ويسري، لم تستطيع معه صبرا.
مما جعلها تسقط ضحية ذئب كان يتربص بها عن بعد، تمكن وفي ظرف وجيز ان يراقصها على أنغام الناي، ويتلاعب بها وبعذريتها تحت شجرة ظليلة على حافة غدير ماء رقراق.
لم تقدر على مقاومته فاستسلمت لمشيئته راضية مرضية.
انتشت وارتقت، حتى اصبحت لا تنام ولا تقعد إلا على هوس لقياه؛ وكأن حالة الإدمان اخذت منها كل مأخذ.
فما تكاد تستفيق من سكرتها حتى يعاودها الحنين إلى سكرة مثل سابقتها او اكثر.
انساقت مع هواها وانجرفت بعيدا بعيدا. ولم تعي عاقبة غريزة، تأججت وأينعت ولا سبيل لردعها.
وكأن المسألة مسيسة يراد بها باطل؛ يحرم الخوض في حيثياتها: فلا البيت يرتضيها ولا التعليم يقتضيها.
لتبقى طابوا يتأرجح بين الحلال والحرام.
ليحدث ما لم يكن في الحسبان؛ قيء ودوار، وكأن بوادر حمل مازال في ابانه، يلوح من بعيد.

الفصل السابع
خافت على نفسها فضيحة؛ تلطخ من خلالها سمعة أسرتها، وتمرغ وجه ابيها فقيه الدوار في التراب بعار وما يجره من تبعات لا تحمد عقباه.
وبطريقة أو بأخرى وبمؤازرة الوالدة، حزمت أمرها على النأي بسوءتها بعيدا كل البعد عن الأنظار.
فكانت أول محطة لها فندق صغير على قارعة الطريق الرئيسي؛ سرعان ما تلقفها صاحبه لحاجة ملحة في نفسه.
بدوية خلوية دون سن الرشد، مربوعة القد ذو شعر مجعد يميل إلى صفرة من دهب، من طيبة سريرتها؛ سرعان ما تحمر وجنتيها ويتلعثم لسانها، فتزداد جمالا على جمال.
براءة على نياتها ما زالت التربة عالقة بأهدابها، وعبق العذارى يفوح عرقا من بين ثنايا تلكم الأطراف المسترسلة.
لا تجيد إلا الغسيل والكنس، وهذا أقل ما طلب منها؛ ارتضته على عجل من أمرها وبأجر زهيد بالكاد يغطي البعض من مصاريفها؛ مقابل ديمومة على مدار الساعة، تجب افقيا شغل الفندق والمقهى على حد سواء ولو على حساب نومها.
حامت من حولها الأطماع، أحست بالنظرات الحادة تلسعها من كل صوب وحوب، غشت وجهها بسترة من حجاب، صمت آذانها، خفضت من بصرها؛ لعلها تتقي شر الخلق.
غير ان جميع محاولاتها لم تزيدها إلا جاذبية، ومزيدا من التحرش والغمز واللمز.

الفصل الثامن
لم يكن رب العمل بأحسن حال من غيره. ابن بلد من أصول يهودية، شاءت الأقدار أن يستقر بهم المقام بهذا البلد ولقرون قد خلت؛ هربا من غزو روماني أبى إلا أن يفرض عليهم الشتات بعيدا عن أرض المقدس.
اندمجوا مع أهل البلد، امتهنوا التجارة ودخلوا السياسة؛ إلا أن أمل العودة كان دوما يراودهم، ويتطلعون إليه بفارغ الصبر؛ 8- وكأنه وعد مقدس لا محيد عنه.
وما أن تأتى لهم الإعلان عن قيام دولة إسرائيل- ولو على حساب ساكنة هناك موغلة في القدم – حتى هب الجميع؛ اللهم القليل القليل منهم آثر التريث إلى حين.
حاول أن بنفسه بعيدا عنها إلا أنه سرعان ما خانه كبرياؤه؛ ليرضخ صاغرا أمام سلاح قاتل اسمه الانوثة، فاق كل خيال لم يستطيع معه صبرا؛ ليخرج عن صمته ويسر لها بما يكنه من إعجاب اتجاهها.
افرد لها سكنا يليق بها، اغدق عليها الهدايا كعربون محبة؛ يرتجي من ورائه مرضاتها.
نحت بالعاطفة جانبا، فكرت مليا؛ لتخلص إلى واقع يعفيها مغبة القلق، الرذيلة، الحاجة.
وبدون ادنى تردد اجابته إلى مبتغاه، أقبلت عليه؛ فتقبلها بقبول حسن، وكأنها هبة من السماء حطت عليه؛ لتملأ عليه وحدته، وتشعره بأنه مازال حيا يرزق.
طفرة من خلالها أحيت شيبه إلى شبابه، واعادته عشرين سنة إلى الوراء.

الفصل التاسع
وفي لحظة احسنت توقيتها، تصنعت البراءة، ادرفت الدموع وصاحت تولول: وا مصيبتنا يا للعار…
وقف مشدوها أمام هذا المشهد، ولم يدري ما يقدم ولا ما يؤخر؛ اخذها إلى صدره، ربت على كتفها بمنتهى الحنية.
انطلت عليه حيلتها، بلع الطعم؛ ولم يراوده أدنى شك في أن الحمل من غيره.
اختلطت عليه المفاهيم، وبقدر ما خاف على نفسه من أسرة، تنتظر منه تصفية ما بقي لديها من ممتلكات؛ ليلحق بها، بقدر ما خاف على نفسه من عاقبة الاعتراف ببنوة من مسلمة، لن يسمح بها اطلاقا المجتمع اليهودي.
شد على رأسه بكلتا يديه. لم يشأ ان يظلمها معه، ويحملها وزرا هي في غنى عنه؛ فكان الفندق وماحمل من حظها بيعا وشراءا؛ ليعزم أمره فورا، ومن غير انتظار على الرحيل.

الفصل العاشر
بلغ الحمل اشده، تحرك الجنين في بطنها، تحسست بيديها موقعه؛ فبدأ لها صاحب الفعل ماثلا حاضرا ولسان حاله يقول: ابني، ابني…
رجعت بذاكرتها الى الوراء؛ فإذا بها حبلى بصور تتراقص أمام ناظريها. غير انها بقدر ما اشتاقت إليها؛ خافت منها.
حاولت تناسيها إلا ان واقعها مع حملها؛ كان يؤرقها ويقض مضجعها.
ومن غير ان تدري أسرعت في طلبه؛ فكانت فرحته لا تطاق وهو يتحسس من بين احشائها جنينا من صلبه، يتحرك يمنة ويسرة وكأنه يرد التحية.
لم يشأ ان يسألها عن الماضي، ولا عن “من أين لك هذا”؛ وهو يرى الحاضر احلى.
ويدا في يد، أخذا طريقهما إلى القرية التي انجبتهما؛ ليقيما عرسا لم تشهد له القبيلة مثيلا.
لم يجرؤ اي احد على مواجهتها بحقيقة حملها؛ وكأن واقع حالها لخير شفيع لها على: ما كان بهذا المكان، وما كان بذلك المكان.
وفي ليلة ليلاء كان القمر لها عنوانا، وعلى أضواء كاشفة نصبت خيمة كبيرة، امتلأت عن آخرها؛ تليت الفاتحة وعقد القران؛ ليبدأ حفل الزفاف.
ومع انطلاق زغرودة مدفوعة الثمن، كسرت حاجز الصوت، بدأت زفة العرسان؛ فتعالت دقات الطبول وصدعت الحناجر بالأهازيج.
ليختم الزفاف بما لذ وطاب من أكل وشرب؛ فكان مسك الختام الدعوات للعرسان باليمن والبركات.
لتعود تتراقص على أنغام الناي ولا من شاف ولا من دري…

تأليف: أ. عبدالاله ماهل

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

عن SAAMEAA altarabishy

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تفجّر أيها الغضب.. قصيدة نثرية بقلم د. وصفي تيلح

Spread the loveتفجّر أيها الغضب.. قصيدة نثرية د. وصفي تيلح تفجرْ..أيها الغضب ...