الرئيسية / آخر الأخبار / دارسةنقدية بقلم الدكتور رحيم الغرباوي للشاعر زهير البدري

دارسةنقدية بقلم الدكتور رحيم الغرباوي للشاعر زهير البدري

Spread the love

دارسةنقدية لمجموعة أننا معاً بقلم الدكتور رحيم الغرباوي
فوضى العالم وأثرها في رؤيا الشاعر , قراءة في مجموعة ( إننا معاً ) للشاعر زهير البدري
بقلم د. رحيم الغرباوي
يبدو أنَّ الفلسفة لها دور كبير في تحرير الذهن من الحواس على الرغم من أنها تضعف الخيال وتكبِّله ؛ كونها تتعامل مع المنطق بفرضيات العلة والمعلول , فالفيلسوف هو عقل العالم ومرآة رؤاه وأفكاره , فأحكامه قائمة على التفكير , ويختلف عن الشاعر , بوصف الشاعر الذي يعظِّم ويكمِّل بمقدار انحصاره في الخاص المُعيَّن , كما أنَّ الشعر يطربه أنْ يجسِّم العقل ؛ لأن أحكام الشعر مشتقة من الحواس والعواطف , فالشاعر هو قلب العالم المُغرَق بالإحساس , والدافق بالعواطف ولا يمكن أن يتحقق هذا التمثيل للعالم من دون هذه الثنائية ( عقل وقلب ) (1) .
ويبدو أن ننظر إلى رؤيا الشاعر المعاصر في ظل التحديات الكبرى بعد سقوط السرديات الكبرى لعالم مابعد الحداثة , فقد أخذت ” تناقضات الواقع وجماليات الحياة تتعايش على سطح واحد : الليبرالية مع تفجّر الحروب المبعثَرة في العالم , والديمقراطية مع مظاهر الاستبداد , و حرية الانسان مع تجارة الرِّق والجنس والموت , والمجتمع المدني مع الجماعات الدينية المتطرِّفة , حتى صار العالم ينزع نحو التفكك والتشظي والانقسام على ذاته ” ( 2 ) , فنرى الشعر هو الآخر تزعزع أمام التغيرات الناجمة عن فوضى العالم وخراب الحياة في كلِّ مجالاتها ونواحيها .
وأدباؤنا لاسيما منهم الشعراء من نراه ينزع نزعةً وجودية , ومنهم من ألقى بنفسه في فضاءات الرومانسية الرحيبة , و بعضهم الآخر ظلَّ ينازع هموم الواقع ورومانسية الخيال , نجده يتذوق الحالتين وفي كليهما يجد العناء ؛ كونه يرى الأمل مفقوداً ؛ بوصف عالم الحلم هو الآخر لايمنحة إلا تراجيدية الزمن المضاع .
وشاعرنا زهير البدري واحد ممن احتضرت روحه من ذلك الواقع , فانتابته نوبات من الشعر أجَّجتْ فيه صراعاً قاسياً , إذ نجده بين صدمتين : صدمة الشعور بالوطن المضاع , والأخرى إحساسه بزمنه الجميل الذي لم يدركه إلا في عالم المُتخيَّل , لكنه ليس بوسعه الإمساك به ؛ لخداع المخيلة التي تتأبى أن تأتي بحقيقة الأشياء كافتراق نظرة الفلسفة عن رؤية الشعر , فالشعر لديه عالمه الأثير الذي به صار ينقد غضاضات ولواعج أحداث الواقع , وفلوات العالم المجدب الذي يعيشه في الخيال كروضة غنَّاء يستشعر جمالها ويتنقَّه بفضاءاتها الطروبة التي تأخذه إلى مرافيء غناه المتخيَّل .
فنراه يقول :
دعيني
أرقد في ملكوتِ سحرِك ,
وبحر عطائك لاينضب
فأنا محرومٌ سيدتي
من فيض جنانكِ لا أشبع .
نجد الشاعر يؤول باهتمامه ويطلب حنان الفقد , فهو لايشبع وإن حصل على ذلك الحنان ممن يحب ؛ كونه يعيش غريباً لاحظوة يراها ولا قرار يجعله آمناً وهل غير الوطن أهلٌ تستريح تحت ظلاله النفوس ؟ , ولعلَّ الهموم اجتاحته ؛ ليعلن عما يستشعره تجاه الوطن السليب من روحه , فهو يقول في قصيدته ( رسالة موجَّهة ) :
إلى أبينا نوح
جهِّز سفينتكَ
وخذنا بعيداً عن هذه الدار
الطوفان قادمٌ لامحالةَ
يُغرق الأخضر واليابس
لاتنسنا
وارحمنا أيُّها الرسول !
فهو الذي يتنبَّأ بمستقبلِ ليس فيه غير الدمار والضياع بإشارة منه إلى سفينة نوح التي هرع بها من أراد النجاة من الطوفان ذلك الذي أهلك الأخضر واليابس , هي دعوة الشاعر إلى منقذ يخلِّص العالم ممن يحيك له الدسائس ويعرِّضه للمخاطر , فنجد النزعة التشاؤمية تشيع لدى شاعرنا , فنراه يتساءل :
هل يمكن العيش في عوز
أو العيش بلا حبّ ؟
هل يمكن العيش بلا سكن
لا أعلم فعلاً
لكنِّي
أجزم بلا وطن !
مستحيل العيش
بلا وطن … والباقي رهن الجدل !
فالشاعر يرى نفسه مكبَّلاً ؛ نتيجة مايحيط به وبمستقبله لذلك , فالشعر لايقدر ” أنْ يتفتح ويزدهر إلا في مناخ الحرية الكاملة حيث الإنسان مصدر القيم لا الطبيعة , فالإنسان هو الكلي على الإطلاق والحقيقة كما يقول محيي الدين بن عربي ( 3) والشاعر العراقي اليوم يعيش صدمتين هما صدمة الغربة من داخله والأخرى من خارج ذاته , فيشعرنا أنَّه ضائع كما هم أبناء بلده بعدما غرَّتهم وغررت بهم لافتات التغيير , فنراه يعمه كلَّ شيء إلا عواطفه التي ما زالت تلهج بالحبيبة ( الوطن ) , فهو يقول :
كُلِّي عندكِ
وماذا بعد !
لقد منحتُكِ كلَّ شيء
لم أحتفظ بشيء لي
سوى روحي
هي أيضاً لكِ
أيكفيك ؟ !
ماعندي نفد
فارحلي
أو
امكثي لتهبيني حياة .
هكذا هي محنة الشعراء والمثقفين , فهم يرون أنَّ أحلامهم لن تتحقق وذهبت أدراج الرياح , فهم يعيشون في دنيا الخيال واللامعقول , وهو هروب من واقعٍ حكم عليهم بالضياع , وكما يقول كيتس أنَّ الشاعر ” هو المفتون الأكبر بالموت ” (4) وقد يعيش في الفجيعة ؛ مما جعل البياتي يقول : ” لو لم يكن هناك موت لما كان الشعر ضرورة فالشعر نزوع للأبدي , وهذا النزوع ارتداد مضاد لوقتية الحياة التي يحياها الشاعر ” (5) لهذا نجد شعراءنا يعيشون آفاق الصدمة بدقائق تفاصيلها ؛ مما يجعلهم يعيشون موتاتهم التي تحيا بها الكلمات , وهي تقارع حقيقة الواقع المأزوم .

(1) ينظر : دراسات في الشعر والفلسفة , د سلام الأوسي : 9
(2) سرد مابعد الحداثة , عباس عبد جاسم : 83
(3) زمن الشعر , أدونيس : 43
(4) الزمن في الشعر العراقي المعاصر , د. سلام الأوسي
(5) دراسات نقدية في الأدب الحديث , عزيز السيد جاسم : 272

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

عن SAAMEAA altarabishy

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عادات رمضانية..مقال بقلم د . ياسر مكي

Spread the love. . عادات رمضانية بالأمس كانت و اليوم ضاعت بقلم ...