الرئيسية / آخر الأخبار / حوار هادئ… مقال بقلم علي الشافعي

حوار هادئ… مقال بقلم علي الشافعي

Spread the love

حديث الجمعة بقلم علي الشافعي
حوار هادئ مقالة
في ذكري يوم الارض ــ يا دام مجدكم ــ حوار هادئ تماما كحوارات نوابنا الافاضل تحت قبة البرلمان , دار في مجلس ضمنا في احدى من المناسبات , حول الفرق بين كلمتي ( مُهاجِر ومُهجَّر ) , وادلى كلٌّ بدلوه وما قصّر , في نقاش دام قرابة الساعة , خرجنا منه ــ كالعادة ــ كل منا متشبث برايه , لكنّ الله سلم ولم يحصل في مجلسنا ما يحصل عادة بين نوابنا الاكارم , وذلك بسبب وجود بعض العقلاء الذين امتصوا حالات التأزم والغضب .
وبما انني ازعم انني متخصص في اللغة العربية صرفِها ونحوِها وآدابها وبلاغتها , احببت ان اخوض في هذا المجال على صفحات التواصل الاجتماعي , لإثراء الموضوع بآراء السادة القراء لما له من اهمية , خاصة بعد المحاولات المستميتة من دولة الاغتصاب لطمس الكلمة الثانية ( مهجَّر) والترويج للأولي ( مهاجِر ) في اروقة الامم المتحدة , فأقول وعمر القارئين يطول :
اللغة العربية ـــ ايها السادة ــ بحر متلاطم الامواج , زاخر بالدرر اللفظية والمعنوية , يعتمد استخراجُها على نشاط الغواص وحذقه في اقتناص انْفَسِها . والكلمة في اللغة العربية تمتاز عن غيرها من الكلمات في اللغات المختلفة , فلها معنى معجمي ومعني بلاغي ومعنى اصطلاحي وديني , وقد يكون لها معنى اجتماعي وسياسي واقتصادي , ومعني قريب واخر بعيد , وقديم ومعاصر , كيف يكون ذلك ؟ تعالوا نضرب امثلة , فكلمة الصلاة مثلا في اللفة بمعنى الدعاء ( فصلّ عليهم ان صلاتك سكن لهم ) , ولكن الصلاة بمفهومها الاصطلاحي الديني مجموعة الاقوال والاعمال التي يؤديها المسلم في اوقات الصلاة المعروفة , وكذلك كلمة الحج بمعنى القصد لكنها في عصر الاسلام اطلقت على افعال الركن الخامس وهو زيارة بيت الله الحرام من وقوف و طواف وسعي . وكلمة كُبار والتي تعني كبار السن او المنزلة , اطلقها اهل القري في فلسطين على سكان المدن ( مصطلح اجتماعي) كلمة نائبة تعني المصيبة ولكنها في العرف السياسي تعني المرأة التي دخلت البرلمان لتنوب عن الشعب مع اخوانها النواب , في التسبيح بحمد الحكومات الفاشلة واكساب فشلها صبغة تشريعية قانونية لفرض المزيد من الضرائب على من اوصلوها للقبة . كلمة العين اطلقت ايضا على نبع الماء ثم على من يرسَل لأرض العدو لنقل تحركاته ونواياه ثم اطلقت بالمفهوم السياسي على عضو مجلس الاعيان من رؤساء الوزارات السابقين وغيرهم لرفد الحكومات بخبراتهم في هذا المجال .
نعود لطيبتي الذكر (مهاجر ومهجر) فنقول الاصل هو الجذر الثلاثي هجر بمعنى ترك وابتعد او غادر فنقول هجر فلان بيته أي تركه وخرج عنه , فالمهاجر هو الذي ترك داّره وغادرها لأسباب دينية او اقتصادية او سياسية او اجتماعية ؛ أي اقتضته ظروف الحياة الى ترك نزله . في صدر الاسلام اخذت الكلمة معني دينيا لكل من خرج او أُخْرِج من بيته في مكة المكرمة والقبائل المجاورة , والتحق بدار الهجرة (المدينة المنورة ) وهؤلاء هم المهاجرون , واطلق على اهل المدينة الاصليين الانصار . باتساع رقعة الدولة الاسلامية اصبحت الكلمة تطلق على كل من فر بدينه من ديار الكفر الى ديار الاسلام قال جل شانه : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا[النساء:97]. في العصر الحديث تغيّر المعنى فاصبح في كل دولة دائرة للهجرة والجوازات , تمنح الاقامة لكل من طلب الهجرة او اللجوء اليها لأسباب اجتماعية او اقتصادية او سياسية , فاطلق عليه لاجئ او مهاجر وهذا هو المفهوم الحديث للكلمة , والذي يرسخ الان في اذهان وعقول الغرب ويكرس في المحافل الدولية .
ما الفعل هجّر فيعني ان هناك شخص او حكومة او عدو اجبره قصرا على ترك منزله واقتلعه منه واخذه بقوة السلاح والارهاب . وعلى ذلك ــ يا دام سعدكم ــ فأهالي فلسطين الذين اغتصب الصهاينة ارضهم , واجبروهم على ترك منازلهم تحت تهديد السلاح وقاموا بهدم قراهم وهجروهم منها قصرا , ففي منطقة الروحة مثلا قضاء حيفا شمال فلسطين قام اليهود بهدم 35 قرية على رؤوس السكان عام 1948 مما اضطرهم الى مغادرتها , بعد ان قتل الكثير منهم داخلها , 35 قرية ازيلت عن خارطة فلسطين في هذه المنطقة فقط من اصل 500 قرية تم تدميرها في كافة انحاء الوطن المحتل وهجّر اهلها قسرا . هذه القرى التي افخر بالانتساب الى احداها ازيلت عن الخارطة لكنها باقية في قلوب الشرفاء من اهلها , وستعود يوما وتبني بأيدهم من جديد , هؤلاء ا مهجّرون اذن لا مهاجرون بالمعنى الحديث للكلمة .
دولة الاحتلال ــ ايها الافاضل ـــ تجاهد في المحافل الدولية واروقة صنع القرار في الامم المتحدة , لا لغاء كلمة مُهجَّر لتحل محلها كلمة مُهاجِر فتسوّق للعالم ان ابناء فلسطين لاجئون مهاجرون , تركوا بلادهم طوعا بحثا عن حياة افضل , فلا يحق لهم العودة اليها , تماما كما ترجم قرار مجلس الامن 242 الذي نص على الانسحاب من اراض عربية احتلت عام 67 بدل الانسحاب من الاراضي العربية التي احتلت عام 67. هل عرفتم الان ــ يا دام سعدكم ــ سبب احتدام النقاش حول الكلمتين , مع الاجماع ان شعب فلسطين اخذت ارضه , واجبر على الهجرة بقوة المعتدي ومؤامرات الغرباء وخذلان الاصحاب . وستعود مهما طال الزمن . طابت اوقاتكم .

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

عن SAAMEAA altarabishy

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القدس الآن تشتعل…نثر بقلم فريدة الجوهري

Spread the loveالقدس الآن تشتعل كونوا معها… القدس/قصيد نثري حنوا يديها ضمخوها ...