الرئيسية / اسلاميات / حديث الجمعة .. قصة بقلم علي الشافعي

حديث الجمعة .. قصة بقلم علي الشافعي

Spread the love

حديث الجمعة بقلم علي الشافعي
الدرس الاول
مالت بنا سيارة الجيب (لاند روفر) الحكومية قليلا على جانب الخط الصحراوي , عند نُزُلٍ كتب عليه وزارة الزراعة , نزلنا من الجيب بعد مكابدة ثماني ساعات في طريق صحراوي غير معبد . كنا اربعة معلمين ومندوبا من مراقبة تعليم (غات ) في اقصي الجنوب الغربي للجماهيرية اللبية . نزلنا الواحد تلو الاخر , دخلنا فوجدنا كبار اهل البلدة في استقبالنا على نحو لم نتوقعه , مما خفف علينا مشقة السفر . بعد السلام اجلسونا في صدر المجلس واخذوا يرحبون بنا بلكنة عربية مكسرة تشبه لكنة الاجانب عندنا , استغربنا شكل ملابسهم وطريقة سلامهم , فأشار الينا المندوب انه سيوضح ذلك لنا لاحقا , بعد برهة قليلة اتي احدهم بصحن وابريق نحاسيين , فطلب منا المندوب ان نغسل ايادينا ونحن جلوس ثم أُعطينا منشفة فجففناها , وعلى الفور حضر رجل اخر ومعه سيخُ طويل فيه قطعٌ كبيرة مشوية من كبد الغنم , فتناول كلٌ منا قطعة . بعد فترة قصيرة أُحضِر الطعام وهو عبارة عن الطبق الشعبي في بلاد المغرب العربي (الكسكسي ) يشبه قليلا المفتول عندنا لكن حبته اصغر . قال كبير الحاضرين بلهجة ليبية : ( باهي توَّ تْفَضْلوا الغدا ) , وذلك بين تهليل وترحيب الاهالي , بعد الاكل احضروا لنا الصحن والابريق النحاسيين وغسلنا ايدينا مرة اخرى ونحن جلوس , ثم احضر لنا الشاي المغلي جيدا والمحلى كثيرا حتى صار كثيفا مائلا للسواد , في اكواب صغيرة الحجم بطول حوالي 3سم . بعد ذلك استأذن المندوب ليأخذنا الى نزل المعلمين الخاص , وصلنا هناك فكان النزل عبارة عن ثلاث غرف حديثة البناء مع منافعها في كل غرفة ثلاثة اسرة , جلس معنا المندوب يحدثنا فقال :
انتم الان في بلدة العوينات , وهي بلدة هادئة تقع على الخط الصحراوي الذي يربط بين سبها (عاصمة اقليم فزان ) وغات و طوله 560كم , منها 200 كم حتى مدينة (اوباري) معبدة , والباقي 360 كم طريق ترابي صحراوي كما ترون والحكومة تعمل على تعبيده بإذن الله . تبعد العوينات عن المركز ( غات) باتجاه (اوباري) 120كم , سكانها من الطوارق , لهم لغتهم الخاصة بهم وتسمى (التارغي او الهاوْسِن ) والحكومة تسعى جاهدة لنشر اللغة العربية بينهم , وتعليمهم والنهوض بهم من حالة البداوة والتصحر الى حالة المدنية الحديثة , وهذا يقع على كاهلكم انتم ـــ ايها الشباب ــ وان شاء الله انتم على قدر المسؤولية, تحاول الحكومة جاهدة اقامة اسكانات وعمل مشاريع زراعية لتسكين الذين يقطنون في الصحراء . الناس هنا هادئون طيبون يحبون الغريب , واكثر ما يحترمون المعلم فهو عندهم مقدس ومبارك , اما اللباس الذي شاهدتموه فهو اللباس التقليدي الذي يحرص اهل البلدة على لباسه في الاحتفالات وعند استقبال الضيوف المهمين , و يتكون من الثوب السروال الفضفاض والعمامة ( بطول حوالي خمسة امتار) التي تلف على الراس ثم يغطى بجزء منها الفم والانف ولا يظهر سوى العينان , وكل اهل البلدة مسلمون متدينون , في البلدة مخبز واحد وفيها جمعية تعاونية لشراء حاجاتكم والجمعية هي ملك الحكومة اذ لا ملكية فردية عندنا , تبيع المواد الاساسية بسعرها في العاصمة اما الخضار فهي شحيحة لان المشروع الزراعي لم يكتمل بعد . المدرسة هنا مختلطة حتى الصف التاسع وعدد الطلبة حوالي 200طالب . سأترككم الان ترتاحون وفي الصباح يحضر مدير المدرسة ليصحبكم اليها , ويعرّفكم مرافقها ويوزّع عليكم المهام .
استلقيت على السرير ورفعت عيناي في السقف , دارت في مخيلتي هذه الرحلة العجيبة السريعة ففور تخرجنا كانت البعثة الليبية في الانتظار لاستقطاب اكبر عدد ممكن من المعلمين منافسة لدول الخليج , لملء الشواغر في مدارسها , في بلد مساحته حوالي مليون و750 الف كم2 , ابان النهضة والثورة الثقافية التي أُعلنت آنذاك , وسرحت في ركوب الطائرة لأول مرة من عمان الى طرابلس الغرب ثم من طرابلس الى سبها عاصمة اقليم فزان والمسؤولة عن كل مراقبات التعليم في الجنوب الغربي الليبي , ثم رحلة الحافلة التي استغرقت 24 ساعة لقطع مسافة 560كم منها 360كم طريق صحراوي غير معبد تتخلله كثبان رملية متحركة , ثم العودة مرة اخري على نفس الطريق باتجاه العوينات , كل ذلك في 3 ايام . قلت : سبحان الله فعلا كما يقال في المثل الشعبي( الانسان طائر بلا جناح ). ثم رحت في سبات عميق
في الصباح حضر مدير المدرسة ورحب بنا , ثم صحبنا الى المدرسة بكل ذوق واحترام , وعرفنا المرافق والصفوف , ووزع علينا المهام و النشاطات مع باقي الزملاء القدامى . اسند الى نشاط الاذاعة المدرسية باعتباري معلم اللغة العربية . قرع الجرس واصطف الطلاب بكل سهولة ويسر , تفاجأت بان بعضهم في مثل سني تقريبا , فعلمت ان التعليم وصل اليهم متأخرا فالتحقوا بالمدارس في سن كبيرة , بدا النشيد الوطني وهو النشيد المشهور (الله اكبر يا بلادي كبري ) احسست بشيء يهزني من الداخل , انا اذا في بلد عربي رغم السحنة الافريقية السوداء واللكنة التي اسمعها . وصممت ساعتها ان ابذل كل ما في استطاعتي ليكون لي بصمة في نشر العربية في تلك البلاد . بعد انتهاء النشيد سلمني المدير الميكروفون وقال : الان مع الاذاعة المدرسية اذكر انني اخذت الميكرفون , ولا ادري لم خطرت على بالي بالذات فواتح سورة الفتح (انا فتحنا لك فتحا مبينا ….) فتلوتها, ثم كلمة ترحيبية بالطلبة في بداية العام الدراسي . دخل الطلاب الصفوف وكانت الحصة الاولي لي عند الصف التاسع . اول قطعة طباشير امسكت بها وانا معلم , كتبت في اعلى يمين السبورة بسم الله , وعلى الجانب الايسر التاريخ 5/9/1976 . وفي الوسط كتبت الدرس الاول , وتحته بلاد العرب اوطاني , طبتم وطابت اوقاتكم .

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

عن SAAMEAA altarabishy

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إرحل …البحر البسيط بقلم رشاد القدومي

Spread the loveإرحل البحر البسيط اقذف بصوتك وإضرب قلب خوان تحيا القلوب ...