الرئيسية / أدب الكتاب / أسطرة المهمش ‏في الشعر العربي الحديث/ فارس مطر نموذجاً … بقلم الناقد الدكتور أحمد شهاب

أسطرة المهمش ‏في الشعر العربي الحديث/ فارس مطر نموذجاً … بقلم الناقد الدكتور أحمد شهاب

Spread the love

أسطرة المهمش ‏في الشعر العربي الحديث/ فارس مطر نموذجاً
المحور الاول: أسطرة الغجر: العودة الكبيرة إلى الذات

الغجري يمثّل نوعاً من القطيعة مع المركز ذلك أن الغجري ليس له هوية ولا يسكن مكاناً ثابتاً واسمُه ليس مدوّناً لدى مختار الحيّ أو لدى الشرطة ، كما انه متحرر يترك جسده للريح والمطر ، يستطيع التكيّف مع الأوضاع المختلفة أثناء تقلبات الحياة التي تواجهه :
أنا غجريُّ يا أمّي وأنت الأرض تحملني جنيناً فاته الموعد
متى تلقين هذا الحمل متى تأتين بالطلقة
فجدي لم يزل يمشي بلا أخويه..
حمل وزره القسريّ من غيم إلى غيم
بباب الريح والطرقات أغنيةً وقيثاراً.
. أنا المصلوب يا أمي وأوتاري مساميري
أهاجر دون أوردتي وأمكنتي ،أصَحِّي دفقة الأنهار
كي تجري شراييني فقيظي ما به عنب
لماذا القيظ يجنيني ؟
هل انتماء الشاعر إلى الغجر والاعتراف بذلك يمثل عودة كبيرة إلى ذاته الأولى وفطرته الاولى؟ فالإنسان قبل أن يكتشف بيت الطين كان يتنقل بحثاً عن الثمار ولم يعرف الاستقرار فلم يملك الإنسان في مطلع حياته على الأرض الإّ المغارة وفي القصيدة علاقة وثيقة بين الارض والغجري/الذات الشاعرة ،فهي أمه التي مازال يعيش في رحمها لكنه يحاول الخروج ليكون عوناً لجده ،وللجد علاقة بالغناء والطرقات فهو أيضا يمتّ بصلات إلى الغجر فالغجر أصدقاء الطرقات والغناء والحزن والأوتار صليبهم الذي يُشنقون عليه ، لماذا الغجري يغنّي؟ ولماذا الغجريُ حزين؟ الحزن والغناء هما سلاح الغجري لمواجهة الحياة ؛ذلك أن الغجر لا يفرحون بالحياة بقدر ما يفرحون بالموت ،فهم يحزنون عند الولادة ؛وذلك موقف فلسفي من الحياة نجده عند شعب الغجر على خلاف ما نجده عند الشعوب الأخرى التي تخشى القدر المحتوم .قد تكون الحياة المهمشة التي يعيشها هي التي أسّست لفلسفته تلك ، فعادةً الغجري لا يحمل هوية ولا جواز سفر ولا يعمل ،وليس له جذور،كثير التنقل والسفر ولا ينتمي إلاّ للرغيف أو إلى مصدر رزقه :
حمل وزره القَسريّ من غيمٍ إلى غيم
نلحظ أنّ الغيم دالة تشير إلى التغيّر المستمر والرحيل ،والغيم رحيله قسريّ إذ إن الرياح هي التي تتحكم به وتوجهه الوجهة التي تريدها ،كما تتحكم الأقدار بالغجر والغيم يغيّر عنوانه فلا يستقر في سماء أو بلد ،لا هويّة له ولا سكن ،والغيم في النهاية يتبدد لذلك كان دال ( الغيم ) أشبه شيء بالغجري الذي يتبدد في النهاية في كل العالم :
أهاجر دون أوردتي وأمكنتي

هل الغجر يحنون إلى الأمكنة ؟ فالكثير التجوال في العالم لايهمه المكان وبذلك يكون الغجري مهاجراً دون أمكنة ، لكن هذا هو فارس وليس الغجري فالشاعر وثيق الارتباط بالأماكن العراقية لكنه أحيانا يلبس لبوس الغجري ؛ كي يتخلص من أعباء كثيرة والتزامات تمنع روحه من التحليق : متى تلقين هذا الحمل
متى تأتين بالطلقة ؟
يريدُ من أمّه الأرض أن تلده تلفظهُ من رحمها فقد طالت إقامته في الرحم السجن والجنين فاته موعد الولادة وهي محاولة للتخلص من الأم الأرض ، والتشتت خارجها ،فلماذا الغجريّ يبحث عن الشتات والهجرة المستمرة ؟ يؤمن شعب الغجر بأن العالم جاء من ثلاثة رجال أو ثلاثة آلهة : الأول هو الابيض وقد جاء منه الأوربيون والثاني الأسود وقد جاء منه الأفارقة ، والثالث هو أبُ الغجر الذي قتل أخاه فحكم عليه الرب بالشتات في الأرض ،وبذلك يكون الشتات عبادة ،والهجرة المستمرة دين ،لذلك لم يبن الغجر قرية ولا يوماً اسسوا دولة في كل تاريخهم الطويل ، وعودة الذات الشاعرة إلى الغجر والتماهي معهم عودة إلى الذات الأولى والفطرة الأولى نقرأ في قصيدة أخرى عنوانها أدخليني في خلاصي:
إنَّ روحي باغتتني تسبرُ الآفاق غدواً..
وإذا ما راودتني عن سوادي
غازلتْ طيفي المشتتْ

نلحظ الدوال ( تسبر الأفاق وطيفي المشتت) تشي بانتشار روح الغجر وأحلامهم في شعر فارس بطريقة ملفتة للنظر، وكأن الكائن الغجري يعيش في الذات الشاعرة ويستحوذ عليها ويستغرقها ، وهكذا حال كل الكائنات المهمشة التي ترقبها الذات الشاعرة ،ويبدو رصد المهمشين هنا قضية سياسية وشعرية في وقت واحد ؛ذلك أن الغجر اقرب الكائنات وأحبّها إلى الذات الشاعرة لما يتمتع به الغجر من حرية وفطرية وقدرة على الرحيل ، وتغيير الأماكن أضف إلى ذلك أن الغجريّ ضد السياسي لأن السلطة ترى أن كل اختلاف عن تعاليمها مروقاً أو جموحاً يقتضي المبادرة إلى الكبح أو التفضل بالصفح حفاظاً على أسطورة النظام وبذلك تكون حالة الغجري مضادة للخطاب السلطوي الذي يسعى إلى تأكيد المؤسسة ،هذه نقطة ، نقطة أخرى أن الغجري غير مقبول اجتماعياً يعيش مطارداً ومضطهداً ،إذ إنه متهم بالبطالة والسرقة والسلبية ؛مما يجعل الغجري خارج على مركز آخر هو المجتمع (الغجر بشرٌ وأناسٌ مثلنا.. من منا لا يحمل في داخله روحاً غجريةً توّاقةً للسفر واكتشاف المجهول، من منا ليس بوهيمياً يشتاق لكسر الرتابة والخروج عن المألوف الممل على الأقل في خياله وذلك أضغف التحليق، وقميصي الذي يلبسني هو وزرٌ جميل ينتقل بي الى المجاز والأماكن والألوان واللحظات الهاربة كغجري يلبس هويته المعضلة والذي يألف الأشياء في أبعادها ولا تألفه الوجوه، حاولت في قصيدتي هذه أن أقترب من معاناة الغجر المهمشين، أحد المتهكمين قال لي (أنت غجري إذن) أجبته بملئ فمي (نعم أنا أحمل وزري القسري)نلحظ الشاعر وهو يجيب على أحد الأسئلة الدوال “بوهيمي ،المجهول ،الملل ، اللحظات الهاربة “تصور بكاميرا دقيقة دواخل الذات الشاعرة وتوقها إلى التحرر، وكسر جدار الوزر القسري ، قوانين المجتمع وقوانين الشعر واللغة والبيت والعائلة لذلك يوقع الشاعر في النهاية إنه غجري :
سأكسر حاجز الصمت
وأسكب جرة الوقت
وأعطي الريح حنجرتي
تصيح تعالي يا أنت..

ممّا لا شك فيه أن كسر جرة الوقت يعني إهماله فالغجر لا يعنيهم الوقت ولا يضعون خططاً مستقبلية ، فهم يطلقون أصواتهم للريح ويغنون فما الذي سيأتي من الريح غير الحزن؟ ولماذا يغني الغجري ؟ لقد تعرض الغجر في الماضي إلى اشدّ أنواع الإضطهاد من المجتمع والسلطة ،فكان الغناء متنفّساً وسلاحاً لمقاومة الحزن لذلك كان للغجر تأثير واضح في ولادة الفلامنكو في اسبانيا :
هاكِ وجهي
قلِّبي صُبحي المؤجل
مسِّدي عشبَ الضفاف
التراتيل العتيقة
ابتهال الضوء من منفىً سحيق
واستكان الشاي في فوضى القلق

الروح الغجرية ملازمة لأي تجربة شعرية تخوضها الذات الشاعرة ثمة بكاء داخلي صراخ داخلي ؛ ليجسد البعد الإنساني وهو يحاول ان يعطي من يحب وجهه ،هويته وامنياته المؤجلة .يجلس اليها وهي تلامس بيديها عشب الضفاف ،وعادة يكون عشب الضفاف ريان اخضر محاطا بالغناء والضوء فنحلق بعيداً لعيدنا استكان الشاي إلى الواقع ، تحاول الذات الشاعرة كسر الحصار بالهروب الى عشب الضفاف والتراتيل واستكان الشاي وهذه هي اشياء الوحشة والوحدة والركون إلى حوار الذات والتأمل ، فهي تؤسطر الغجري عبر ابتهال الضوء في المنافي السحيقة وفي هذا المقطع خلْطٌ بين الاسطوري واليومي فنلحظ استكان الشاي يندرج في خانة العادي اما التراتيل العتيقة وابتهال الضوء فهي في خانة الأسطوري والغجري ذاته يجمع بين الأسطوري والعادي :

أشربُ الليل وحيداً..
دون عودٍ ونديم
أيقظ الفقدُ اضطرابي
شَدَّ أوتارَ الكمان
تَلَّني نحو الجبين

أرى ان الكتابة عن الفقد محاولة لمقاومة حزن أصيل يعشش في الذات الشاعرة فقد فقدت اماكن كثيرة الرشيدية الموصل السليمانية بغداد بالتيمور مما يتواشج وفقدان الغجري ورحيله المستمر، وعبارة (تلّني نحو الجبين) تؤسطر الذات الشاعرة/ الغجري اذ تشير إلى الفداء واسماعيل ومما لاشك فيه ان الذات الشاعرة قد تماهت مع الغجري بما لا يخيّب أفق توقعنا ،فهي تلبس لبوسه وثم تؤسطره

بددتني في الشوارعْ
في المقاهي
صعلكتني في المنافي

إن استنطاق هذا المقطع لا يحيل إلاّ إلى عالم الغجر فالدوال (بدّد، صعلك ،المنافي) لو تأملنا فيها لوجدناها تنمّ عن محمول واحد هو الشتات الغجري والتبدد في العالم وبذلك يكون الصعلوك زائداً المنفى يساوي الغجري ،والتصعلك في المنفى صورة تكسر أفق التوقّع لدينا كون المنفى بحد ذاته مؤلم فكيف إذا تصعلكت فيه الذات الشاعرة ؟الغجري ذاتنا التي تجاهلناها او اخفيناها فكنا بحاجة الى شاعر يرمي الحصى في البئر ليحرك المياه الراكدة هنا ممكن ان يتأمل القارئ لمد جسر جمالي يعبر منه الى جمالية الغجري وتحولاته وحزنه وغنائه وتشتته وحبّه وعرضها على مستويات التلقي :

يصطاد رغم التيه قافلةً..
ويسري حاملاً أضغاث صحوٍ..
أمَّلَت خطواته في رَبع رمل الأحجيات
سماؤه التمتد حبلى بالتساؤل والأجنَّة
أرجأتْ سُكر المجاز بلا وتر..

تبدو نظرة المجتمع العربي إلى الغجر نظرة ازدواجية ،فهو منبوذ ومكروه ومستهجن وهو في الوقت ذاته جميل وحر وموضع للشهوة ،وجراء ذلك تعرض الغجر إلى مرثون من التعذيب والمطاردة والمصادرة ،لذلك صار التيه وطناً للغجري ، يصطاد قوافل الحلم ويرضى باضغاث الصحو وأقل الأشياء ،حياته عبارة عن تساؤل وأحجيات ،ومجهول، وتشير عبارة (سماؤه التمتد حبلى بالتساؤل )إلى استمرار هذا المجهول الذي يحاول ان يشيعه النص عبر علامات موزعة بشكل مدروس (التيه ، القافلة ، السّرى ، التساؤل ) مخلفا مسافة جمالية تمتد بين ماتركته الذات الشاعرة عبر افق توقع القارئ وللغجري اندلس مفقود هو قرية كفروك :
كفروك تعطي فوانيسها وتبلور في راحتيك
ربيع السنونو، عصاري الحصاد وصوت القطا
من سيحفر بئري
يعيد احمرار الكنود*
وجَرْسِ المراييعِ عند الغروب

للغجري علاقة إيجابية بالذاكرة التي تأتلق عبر كفروك قرية شمال الموصل شهدت طفولة الشاعر رآها وهي تبلور الربيع وتستقبل السنونو قبل تشييد المنازل الحديثة وايام الحصاد والجرس الذي يضعه الراعي في رقبة نعجة معينة تسمى المرياع لاتبتعد هذه النعجعة عن الراعي تألفه وتصادقه لكي تقتدي بها الاغنام وتبقى قريبة ،وربما كانت المرياع رمز للإستيطان والسكن إلى الآخر خلاف ما يمر به الشاعر من شتات وتنقل وقلق عبر الحدود والسفارات ومراكز الهجرة ،وحصى الذكرى تهز مياه بئر الذات الشاعرة لتعود كفروك صبية في أوج القطاف ،وكفروك شهدت هجرات الغجر من الموصل إلى شمال العراق ومن الشمال إلى الموصل ذهابا واياباً وقد تركت صورتهم ماتركته في ذاكرة الذات الشاعرة ذلك أن (الطفولة تظل ملازمة للنص الشعري لاي شاعر فهي مرجعيته العاطفية لكن الطفولة لاتكتب مرة واحدة إنها تخترق النصوص بين حين واخر وتستعيد عالما مفقودا) فكان فارس يستعيد صورهم من بئر ذاكرته الطفلية ، ليبلور بدوره نموذجاً جديدا للمهمش وهو الغجري ، الذي أُطلقت عليه في العراق تسمية جديدة زادت في غربته وهي القرجي او الكاولي وإذا تشاتم عراقي مع احد وصفه بالكاولي هذا إذا اراد ان يطعن في نسبه وهلم جرّا مما دفع هذه القضية ان تنحو في شعر الشاعر منحنى انسانياً

المحورالثاني : المحنة الغجرية :ثنائية الروح والجسد

هذه الثنائية يمكن ان تنمو وتتواشج وتتعايش وتصفو في مجتمع كف عن قمع الجسد وفي فضاء تمرن كيف يطلق الجسد كي يجرب ويختار، لقد كان المتصوفة العرب يسجنون الجسد ويطلقون للروح العنان بان تكابد شظف العيش والعازة والعبادة في أماكن منقطعة واعدة الجسد بمِنحٍ سوف يحققها في عالم غير عالمنا المحسوس موقناً ان الروح وحدها قادرة أن توصله إلى السعادة وبذلك تؤدي مكابدات الروح في النهاية إلى سعادة الجسد…للمبحث تتمة

الناقد الدكتور أحمد شهاب / جامعة الموصل

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

عن عمر امبابي

x

‎قد يُعجبك أيضاً

( نافذة الأمل ) … بقلم الشاعر هيثم حسن السطوف

Spread the love نافذة الأمل …………. هناك حيث يرقد الليل أرشدني حكيم ...