وإذا الأحباب كل في طريق لرشيدة الأنصاري الزاكي

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 10 يناير 2018 - 5:18 مساءً
وإذا الأحباب كل في طريق لرشيدة الأنصاري الزاكي

أطلت الوقوف أمام حياتي المنفلتة من بين أصابعي كقنينة عطر مزور، لا يُبقي خلفه سوى شظايا تجرح لملمتها.
‏ تحسست شامتي. لايزال رُضابه عالقا بها كفتات المسك أو قطرات الندى الربيعي.
‏ أخذت منديل ورق، بللته بعطر يتمي، ومسحت شامتي بلطف، ثم أسدلت عليها شالا أسودا يغطي كآبتها بوقار. وانطلقت في صباح طائش يلوك معي ما تبقى من النسائم، ويتُفها في وجه الريح!
لم أكن غاضبة ولا متشنجة، حين دعاني ليحتسي دمعي الأخير في مقهى اللقاء.
‏كنت على صواب حين قلت أن بعض الأماكن عليها أن تغير أسماءها، بتغيير حالة متردديها.


‏وعلى غير عادتي، وصلت قبل الموعد. ليس انضباطا مني، فأنا الشريدة الشاردة إسما وفعلا، ولم أكن في حاجة لأنظر إلى المرآة طويلا قبل لقاءهه، ليس خوفا من العدول عن قراري، بل لأن وجهي بلغ ذروته في الدمامة، لعلي هكذا أُرعِب آخر الخيبات وأسكنها أرخبيل النسيان.

‏كنت في نفس المكان الذي خصصه هو للقاءاتنا. الطاولة الأولى في الركن الأيسر من المقهى. وكان كل شيء في مكانه بقدر الخيبة التي يستحق: طاولات شهدت قصص حب قيل أنها خالدة، واليوم تشد على أزر رجل مخذول، ينفض أشواقه في مطفأة الكآبة، يبحلق في الفراغ الذي يشغل المقعد الشاغر أمامه. تمر المنظفة بجانبه تربِّت على كتفه المهزوم وتمسح دمعة سقطت على الأرض لتوها من عينه! يأتيه النادل الذي يتصنع ابتسامة الرضا ويُسرف في بهجة لا حاجة للمكان بها، بفنجان قهوة وجريدة يفتحها على صفحة حوادث الحب ليجده نفسه في مقدمة العناوين، يتجرع قهوته بملامح وجه خذلته مساحيقه، يقرأ بسرعة العناوين الرئيسية، ويرمي بالجريدة على الطاولة المجاورة، بعد أن وجد صاحبها ضمن منابيذ الحب، والذي لا يدرك بعد شهر من وحدته، أنه على قيد رحيل! وذلك المقعد المهمول أمامه يقر بهزيمته، في معركة كانت خاسرة قبل خوضها، وأنه للآن يلبس غباوته في انتظارها!
‏ كل شيء كالمعتاد، وأنا انسجمت بسهولة مع المكان الذي لم يتْبت فيه شيء على حال سوى الإسم، فقد كنت بين حضور وغياب، وبين مد وجزر. شبكت أصابع يدي ووضعتها تحت ذقني، كما أفعل دائما، كي أساعد رأسي على حمل الثقل المصبوب عليه.

‏جاء! بنفس الأناقة، ونفس العطر الذي طالما دوخني، فكنت أنساق خلفه دون إرادتي.
‏وضع بلطف يديه على كتفي من الخلف، كمن يشد على عضد مفقود في مأتم حب، قبَّل رأسي كأني تبنيته عن يتم، ثم أهمل سيجارته في شعلة عمرها.
لكني كنت أريد فقط رؤية عينيه لآخر مرة، فالقتل في الظهر جبن وخيانة، وفي الصدر بطولة للقاتل والقتيل، وأنا كذاكرة حقيبتي، لا أخون.
وقفت ودرت نحوه، أغلقت زر قميصه الأول، مررت بظهر أصابعي على عنقه، وقلت بصوت مهزوم جميل، فأنا أحب هزيمتي أمامه دون أن أُشعره بذلك، ففي بعض الهزائم انتصار عظيم:
– لقد أغلق البحر أزراره!
على الطاولة، لا تزال سيجارته مشتعلة، تشهد أبشع انهزام لأجمل حب.
‏ كتمت أنفاس السيجارة، وقطعت عمرها سحقا بأصابعي في مطفأة الذكرى. أخمدت أشواقه، وانسحبت!
‏انطلقت خارج المقهى، أجر خلفي عمرا ضاع في رحلة آه… بين غياب وانتظار!
‏《 وإذا الأحباب كل في طريق! 》

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

رابط مختصر