الرئيسية / قصص / * مشهد * بقلم الكاتبة \ منال عبد الحميد

* مشهد * بقلم الكاتبة \ منال عبد الحميد

Spread the love

 

لم يصدق عينيه عندما وجد نفسه خارجا ..

كان قد قضي بضع ساعات تحت أكوام الهدم لكنهم عندما أخرجوه بشق الأنفاس وجدوه بحالة معقولة .. رغم كبر سنه لم تزد إصاباته على بضعة رضوض وخدوش سطحية في أغلبها ، عدا خدش واحد عميق أمتد بطول ذراعه الأيسر وتم تضميده بسرعة وبطريقة بدائية من قبل فرقة الإنقاذ التي لم تكن تحمل سوي معدات طبية بدائية ..

كان الدمار بالخارج فظيعا .. فظيعا لدرجة تجعلك بمنتهي البساطة تعجز عن تصور أن كل هذا حقيقي بالفعل ..

الحي بأكمله تحول لمساحة هائلة من الدمار والخراب والهدم .. بيوت , مدارس , بيعة صغيرة , حضانات ومدارس أطفال , فرع لأحد المطاعم ، مطبعة , ورش صغيرة , حتى المساجد .. حتى المساجد لم تفلت من قنابل وراجمات الظالمين الذين يفترض أن يكونوا مسلمين !!

المباني المهدمة كانت مكومة في أشكال مثيرة للدهشة .. لماذا تكون للمباني المتهدمة هذه الشخصية الكاسحة !

إنك عندما تقف أمام مبني مهدم تشعر أن له شخصية كاملة خاصة به .. لعله بين كل الجمادات ليس هناك كائن غير حي يملك شخصية خاصة به سوي الجبال والمباني المهدمة  !

كان العجوز على مقربة من بيته بالفعل .. وكان البيت أمام عينيه عبارة عن كومة من الحديد والطوب والخشب !

هل يمكن أن يكون الطيار الذي ألقي قنبلته أو صاروخه على هذا البيت الصغير يعلم شيء عما جري فيه طوال سبعين عاما !

هل عرف أن جده مات في هذا البيت مقهورا بعد أن أنتهي من بناءه بشهور قليلة .. قهره المرض والكبر والحزن على أولاده الثلاثة الذين ماتوا في حروب طويلة لا نهاية

 

مات الجد حزينا مقهورا وهو يري حوله أرامل يلتحفن السواد الذي يغطي أجسادهن وأرواحهن بغشاء من الحزن والكآبة والسواد المقيم .. وأطفال صغار عاجزين عن إعالة أنفسهم معلقين في رقاب نسوة ضعفاء وجد عجوز مهدم !

هل سمع الطيار أناتهم وهم يبحثون عن الطعام .. هل سمع بكاء الصغار منهم حين يجن عليهم الليل دون كسرة خبز أو شربة لبن ؟!

هل رآهم وهم يسعون بأسمالهم يعملون هنا وهناك تاركين طفولتهم حبيسة جدران منزلهم .. أتراه علم أنهم كانوا يبيتون الليلة وراء الليلة على الطوي ولولا جدران البيت لناموا في العراء ؟!

هل علم كل ذلك .. لو علم شيء من ذلك لما هان عليه أن يوجه صاروخه نحو قلب بيت تحمل من الهم أكثر مما تحملت قلوب من يسكنونه من البشر حتى ران الحزن على جدرانه وناءت أعمدته بالحرمان !

لا حول ولا قوة إلا بالله .. حتى الحجارة لم تسلم من ظلمهم ؟!

فرقة الإنقاذ بعد إخراجه تركته بجوار بقايا منزله حينما أطمأنت لحالته الصحية وأخذوا يهرولون هنا وهناك بحثا عن مزيد من الناجين ولكنهم قبل أن يبتعدوا أعطوه كيسا صغيرا يحوي قطع خبز ولا شيء بعد ذلك .. كان جائعا رغم كل شيء !

حتى المساجد  ؟َ! أعوذ بالله

فتح الكيس وأخرج منه قطعة خبز .. كان جائعا رغم حزنه وتعبه وآلامه التي لا يعرف لها موضع محدد بالضبط

وعلى كثب من حطام منزله المكوم فوق بعضه كامرأة ثكلي متكومة تبكي وليدها جلس واضعا الكيس بين ركبتيه .. قمة الحزن والألم تسبب الجوع غالبا !

أمسك بقطعة الخبز وقلبها بين أصابعه .. على سطحها رأي خيالات غريبة … رأي أمه بثوبها الأسود وبوجهها الذي أنطبع عليه حزن أبدي لا يتزحزح وهى تضمه إليها وتربت على رأسه مقبلة بوجهها الطيب الحزين يديه الصغيرتين اللتين تشققتا من العمل الشاق ودمعة عصية تتحرك في زاوية عينها فتكبتها ببسمة أكثر حزنا من الدموع ذاتها ..

وعندما تلاشت صورة أمه رأي مكانها صورة جده وهو يحتضر .. في غرفته الكبيرة المظلمة .. غرفته التي طالما أحبها بسريرها ذو العواميد النحاسية اللامعة ولمبة الجاز العتيدة التي تشع ظلاما في المكان أكثر مما تشع من النور .. جده بشحوبه الدائم الذي لم يري وجهه أبدا بدونه ..

وتدريجيا تلاشت صورة جده الشاحب وهو يتحدث بصوته المتعب المجهد الخافت .. مفسحة المجال لوجه أخته المرحومة ” سجي ” التي ماتت في سن السادسة تاركة إياه وحيدا وهي سلوته الوحيدة في الحياة الجافة المترعة بالحرمان والقسوة والحزن ..

كان العجوز يتأمل صورة ” سجي ” العزيزة على وجه قطعة الخبز عندما شعر بحركة واهنة بجواره ..

فنظر إلى يساره ليجد قطة صغيرة ذات لون أبيض مغبر بالتراب تتسمح بجانب ساقه بوهن .. كانت قطة جميلة   لكنها بالغة النحافة حتى أنه بالإمكان عد عظامها البارزة عظمة عظمة ..

نظر العجوز مليا إلى القطة النحيفة الجائعة .. ثم أمسك بقطعة الخبز ونقلها إلى يده اليسري ..

وقربها من فم القطة التي التقطتها بنهم .. دفع العجوز بقطة الخبز في فم القطة ورأي وجه أخته يبتسم له للمرة الأخيرة وهو يغيب في فم القطة !!!!!!

 

 

 

 بقلم \ منال عبد الحميد 

 

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

عن نائب رئيس التحرير سلوي أحمد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

زيت بذور اللفت الأكثر فعالية للحفاظ على القلب

Spread the loveتوصلت دراسة طبية، إلى أن زيت بذور اللفت يمكن أن ...