مرض عمر واعتذار الشيخ..بقلم الكاتب عبد النبي الشراط

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 28 نوفمبر 2019 - 7:39 صباحًا
مرض عمر واعتذار الشيخ..بقلم الكاتب عبد النبي الشراط

مرض عمر واعتذار الشيخ..

في صباه كان عمر يعاني من مرض عضال، خاصة في موسم البرد، (ألم الأذن) ويتذكر جيدا أن والده في صباه كان يعرضه على شخص يعالجه بطريقة مؤلمة جدا، كان يطبخ البصل مع زيت الزيتون حتى يغلى جيدا، ثم يضع كمية في فمه ويستعمل قصبة مجوفة فينفث منها إلى أذنه، فيشعر أن رأسه قد إنفلق إلى شطرين،، (هذا الشيخ المعالج كان يدعى بوزيد) مرت سنوات وسنوات وعاده المرض، فأخذه أحد أصدقائه بمدينة فاس لصيدلية بالمدينة العتيقة، فاشترى له مرهم بسيط جدا جعل حدا لآلامه، كان حينئذ في السابعة عشرة من عمره، وكان الصديق هو السيد بوشتى المزكلدي، ومنذ ذلك الحين لم يعد آلام الأذن يقض مضجعه، لكن في سنة 1984، رجع الألم بقوة شديدة جدا، وهو معتقل وتصور أن حياته ستنتهي، لأنه حين كانت تنتابه نوبة الألم كان يوشك أن يضرب رأسه بالحائط..
اليساريون يقيمون الدنيا..
في ليلة باردة جدا كاد أن يجن فشرع في الصراخ، وبحكم قرب الزنازن بعضها من بعض، بدأ جميع المعتقلين يطرقون أبواب زنازهم بقوة شديدة مرددين شعار: معتقل في خطر، اضطر الحراس لفتح الأبواب، هرع الجميع للمطالبة بنقل عمر للمستشفى حالا.. رضخت إدارة السجن، فتم نقله في سيارة إسعاف على عجل لمستشفى الاختصاصات ابن سينا بالرباط، أجريت له فحوصات عاجلة، وطلبت إدارة المستشفى أن يعيدوه في الصباح الباكر لأن حالته كانت سيئة جدا، مع منحه دواء لتهدئة الألم، وخلال عودته للمشفى صباح الغد، عمل الأطباء كل ما في وسعهم، وطلبوا من الحراس إبلاغ إدارة السجن بأنه يجب أن يخضع للمراقبة كل أسبوع أو أسبوعين، واستمر الأمر لأكثر من ثلاثة أشهر، وبدا عمر بسبب كثرة خروجه يشعر أنه غير سجين، فالحراس بمجرد أن يركب السيارة ينزعون الأغلال من يديه، وكان قد ربط علاقة جيدة مع كل حراس السجن، وحين الوصول للمستشفى يتركونه يتحرك بكامل الحرية حتى أصبح بإمكانه أن يشرب قهوة ويتناول وجبة غذاء خفيفة بلا حراسة، وبسبب ثقة الحراس فيه كان أغلبهم يتمنى أن يصطحبوه، حتى أن بعض معارفه كانوا يرونه هناك فيعتقدون أنه غير سجين.
بدأ الألم يخفت..ولكن طبيبته المشرفة على علاجه(د/ ع.ح) كانت متعاطفة معه كثيرا، وكانت تطلب من الحراس أن يعيدوه مرتين في الأسبوع، واتفقت معه ألا تستقبله في الصباح حتى يتمكن من قضاء يوم كامل خارج السجن.
وبعد مدة بدا يشعر بألم قاتل، عملت الدكتورة كل ما يمكن عمله من أجل مريضها، وذات يوم أبلغته بخبر غير سار،لابد أن تجري عملية جراحية من الوريد إلى الوريد، ووصفت له طريقة إجراء العملية الجراحية حيث سيتعرض لما يشبه الذبح، وأكدت له أن العملية نجاحها قد لا يتعدى واحد بالمائة وأنه من الضروري أن يأتي أحد أفراد العائلة ليوقع محضرا يفيد بتحمله المسئولية، أبلغها عمر أنه يتحمل مسئوليته لوحده ومستعد ليوقع بأصابعه العشرة، ولكن لا يمكن له إخبار عائلته بذلك..
سألته الطبيبة: هل تعبت بالسجن وتسلل اليأس إلى قلبك؟
وكانت الطبيبة الرائعة تعلم أنه معتقل سياسي، فأكد لها أن الوضع في السجن جيد جدا ولا وجود للقلق بدليل أنهم حريصون على علاجه وشراء الأدوية في وقتها ولكن هذا الألم عليه أن يتوقف، إما أن يهدأ للأبد، أو تتوقف حياته للأبد، مؤكدا لها أنه لا يرهب الموت..
منحته طبيبته أسبوعين للتفكير كما منحته وصفة طبية جديدة..
بعد أسبوعين عاد إليها مؤكدا موافقته على إجراء العملية بلا تردد..
توقفت الطبيبة عن الكلام لقترة من الوقت، وكان تأثرها واضحا جدا على محياها، خيم الصمت..
عمرا مبتسما..دكتورة مالك؟ الأعمار بيد الله
ردت: لا أرغب أن يكون عمرك على يدي..أتفهم؟
تأثر بكلامها لدرجة أنه كاد يهم بتقبيل يدها، لكنه تراجع خوفا من أن تعطي للموضوع تفسيرا آخر، لكنه لم يقوى على حبس دموعه، فبادلته نفس الإحساس..
إستغرقت المقابلة صباحا كاملا، لم تستقبل أحدا غيره، وكانت في كل لحظة تقلب بعض الأوراق والمذكرات، وتتفحص بعض المؤلفات الطبية بالفرنسية..
قالت له هناك أمل وحيد لتجنب العملية وسألته: هل يمكن لإدارة السجن أن تجلب له الدواء من فرنسا؟ رد عليها بأنه ممكن جدا، لأن المعتقلين السياسيين سيقيمون الدنيا ولن يقعدوها إذا رفضت ذلك.. ابتسمت وقالت: إنهم يخضعون للضغط إذن..
كتبت إسم الدواء مع ملاحظة مستعجل ..
نادت على الحارس، سلمته الورقة، لكنها طلبت منه أن ينتظر حتى المساء من أجل إجراء فحص جديد.. وقد فعلت ذلك فقط لكي تبقيه خارج السجن..
الحراس أنفسهم كانوا يطلبون منه البقاء يوما كاملا لأن الإدارة تمنحهم 48 ساعة عطلة إذا قضوا يوما كاملا في مهمة..
بعد العودة للمعتقل أبلغ عمر لجنة المعتقلين بضرورة استيراد دواء من فرنسا، وعلى الفور أجرت اللجنة اتصالات مع الإدارة ..
بعد أسبوعين فقط كان الدواء جاهزا، وقبل استعماله كانت الطبيية طلبت أن تفحص الدواء قبل استعماله، فأعادوا إليها عمر.. كانت مفاجاة سارة لها، أوضحت له كيفية استعمال الدواء، كان عبارة عن حبوب فقط، تستعمل عن طريق الفم، علبة صغيرة جدا، لكنها أنيقة، عشرون حبة دواء فرنسية أنقذت عمر من عملية جراحية قاتلة، وبعد زيارتها مرة أخرى بعد استهلاك العلبة، أجرت له فحوصات دقيقة ،وكان الألم قد اختفى نهائيا.. أبلغته أنه كانت تتراءى لهم نقطة سوداء في منطقة بين الأذنين والعنق، وأنها اختفت بعد استعمال الدواء الفرنسي، تنفست الصعداء وشعر عمر أن طبيبته انتصرت على مرضه، فسألها: أهي المرة الأخيرة؟ ردت نعم، لكن من الممكن أكتب لهم أن يعيدوك للمراقبة إن شئت، كانت العقوبة على مشارف الانتهاء، شكرها ودعا لها بخير وودعها بهدوء.
(فصل من رواية عقبات وأشواك في طبعتها الثانية التي تصدر مطلع يناير القادم
لعبد النبي الشراط)

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

رابط مختصر