مؤامرة الليلة الأخيرة ..بقلم الروائي محمد دروج

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 11 نوفمبر 2019 - 4:37 مساءً
مؤامرة الليلة الأخيرة ..بقلم الروائي محمد دروج

المصر صفحة الروائي

محمد دروج

الفصل الخامس من روايته( مؤامرة الليلة الأخيرة )

….

5 ـ آسر … وسرّ القمر

آسر … وطفولة الخيال

الحياة مُخيفة ؟، ليست مخيفةً غير أنها جاءته على ما يرفض ويكره،
وفي نهاية الأمر ها هو آسر يعيش ما تبقّى من عمره في انتظار الموت ، لقد كانت مريم حُلمًا جميلاً ، سيظلّ معه إلى أن يخطفه الحِمَامُ على فُجاءةٍ فإذا بصفحته قـد طُويت ، وإذا بنهايته قـد كُـتبتْ !

كان دائمًا ما يتمنّى أن يترك من بعد رحيله ما يجعل منه أسطورةً
خالدةً بعقول ونفوس القادمين على دروب المستقبل ، أما اليوم فهو لا يرغب في شيءٍ أكثر من رغبته في الذهاب ، أن يذهب وحسب !

إنه يجلس الآن أمام مكتبه ، وقع على رسالةٍ كان كتبها يعبِّر بها عن
ذاته وطبيعته، لم يكن هذا الأمر ليشغله ؛ لكنه انتبه إلى تاريخ الرسالة ،،، أغسطس 2018 ، وهنا كان لا بدّ أن يقف ، بل كان من اليقينيّ أنه سيقف طويلاً !

أخذ يعُدُّ الأشعر على أصابعه ،،،

أغسطس ، سبتمبر ، أكتوبر ، نوفمبر

لقد التقاها في الثالث والعشرين من نوفمبر ، إنـه يذكر، لم يحتج أن
يكتب هذا التاريخ على صفحةٍ من كتابٍ أو على حائطٍ أو جدارٍ ، إنـه مطبوع على لوحة قلبه ،،، ولقد أوصى وهو في غاية ثباته أن يكتبوا على لوحة قبره :

الثالث والعشرين من نوفمبر 2018

سيظلّ هذا التاريخ هو خلاصة حكايته ، فمنه كانت البداية، ولأنـه
كان ، فلقد عُجِّل بالنهاية ، ولكنه سيظلّ يُشهد الله على قضيّة النفس الإنسانيّة التي تحيا بين جنبيه .

ولقد كان يعلم أنـه جلس بليلات الخريف الثلاث لتبدأ ملحمة
القُربان والتكفير ، ولقد رضي بما قضاه الله عليه .

////

نص الرسالة :

الريـف أغسطس 2019

قبل ظهور مريم بثلاثة أشهر

لَم تكُن هذه الحياة أغنيَّةً عذبةً يجُيدها كلُّ امرىءٍ فوق هذه
الأرض الحزينة ، لَم تكُن الأملَ المُتاحَ والأُمنيَّة القريبةَ يرسُمُها الفتَى فإذا بها قُدَّام عينيه قائمةٌ أو بين يديه قد أقبلتْ مُلبِّيةً ، بل الحياةُ عزفٌ ملحميٌّ مُضطربٌ ، وما اضطرابهُ إلا لأنه لا يعرفُ كيف تكون الخُطوة القادمة ، أهي خُطوةٌ نحو رحلةٍ جديدةٍ مجهولةٍ ، أم هي خُطوةٌ تزيدُ الحياةَ رتابةً !

بكلِّ حالٍ ، فالحياةُ عزفٌ ملحميٌّ مُضطرب .

هناك فوق بقعةٍ من هذه الأرض وُلدتُ ، وهناك فوق مكانٍ
بهذه الدنيا قد عشتُ ، وأنا اليوم بمكانٍ ثالثٍ أعيشُ ما بقيَ من عُمُري … بحوار أتون الذكرى .

مُشكلتي مع عالَمي أنِّي أُخذتُ من عصر كان لِي ، وأُلقيَ بِي
في قلب هذا العصر الذي لا أعتقد أنِّي فهمتُه ذات يومٍ ، وإن كُنتُ انتصرتُ عليه .

نعم لقد انتصرتُ إذا ما كان الانتصار هو حياة المكان والرؤية وأما إذا ما كانت الحياة هي حياة الخاطر والروح فلقد انهزمتُ حتّى لا سبيل إلَى القيام والعودة من بعد هذه الهزيمة .

لقد تفتَّحت عينِي يوم أدركتُ أنّ هذا الشيء يُسمَّى دُنيا ،
فإذا بِي أُخالسُ أُمِّي في ليلات الخريف لأخرُج خلف الدار وإذا
بِي أجلسُ مُصوِّبًا عينيَّ ناحية القمر الذي يقف هناك في أعلى السّماء .

نعم ، كنتُ أيامها في السّابعة ،،، ولكنِّي ما زلتُ أذكرُ .

ما زلتُ أذكرُ ، ومأساتِي أنني مهما كبرتُ … فإنني ما زلتُ
أذكر .

هذا العالَم الذي أعيشُ به يزعجني ، وما يزعجني إلا لأنّي ما
زلتُ أحُنُّ إلَى حِجْر أمِّي حينما كنتُ أهذِي تحت وطأةِ الحُمَّى
وأنا طفلٌ فتهُزُّنِي هزًّا .

إنّ الطفل الذي بداخلي يجتاحُ أوقاتِي لأحزن ، فالأعمار تنبىءُ
بالموت ، والموتُ لا يجىءُ مرتين ، وأنا لا أريد أن أموت الآن .

لا أريد أن أموت الآن ؛ لأنِّي أريد أن أبكي كثيرًا قبلَ أن
أرحل .

كان القمرُ في وسطِ السَّماء ينظرُ إلَيَّ في هدوءٍ ، وكنتُ أنظرُ إليهِ أسائلُهُ عن أشياءَ كثيرةٍ ، كان ذلِك عام 1988 ، ما كُنتُ أحسبُ أنه يُشفِقُ على هذا الصّغير الحالِم ، ما كُنتُ أعلمُ أنّ هذه البُقعةَ
السّوداءَ التي أقطعُها في دقائق عَدْوًا فرَحًا بهذه العُزلة الأسطوريّة ستتحوّل بعد خمسة وعشرين عامًا إلَى أبراج عاليةٍ وأنّ العُزلة ستغدو عالَمًا من الضجيج الصاخب القاتل .

اليوم فقط ،،، فهمتُ نظرةَ القمر لِي عام 1988 وأنا في السّابعة
من عُمري !

منذ أيامٍ من شهرنا هذا ـ أغسطس 2018 ـ كان مُكتملاً ، لكنه
كان حزينًا ، ووجدتُني أتركُ كلّ شيءٍ لأقفَ مُوجِّهًا بصري إليه ، وسألتُه : لماذا أنتَ حزينٌ ؟ ، ألأنكَ وقفتَ على أنّي قد وقفتُ على سرِّ حُزنكَ وأنتَ تنظر لِي منذ ثلاثين عامًا ؟

لا عليك أيها القمر ، لا عليك يا صديقي ، فأنتَ أيضًا مثلي ،
ما كُنتَ تعلمُ ما يطويه ضميرُ الغيب ، وما كُنتَ تعلمُ ما تخُـبِّئهُ الأيام .

[
](https://www.facebook.com/photo.php?fbid=962527130771353&set=a.120204535003621&type=3&eid=ARCdS4s0TdG8IRYH_N2rCYvQvRpDUNLOpwwbEbHxOdqOFnIDMudwbxW-M1kL-5MJ1UD-Ut6GMwA7TaCE)

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

رابط مختصر