لمن لم يعرف ما حل في بلادي

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 14 يناير 2020 - 1:43 صباحًا
لمن لم يعرف ما حل في بلادي

لمن لم يعرف ما حل في بلادي FB_IMG_1578955278303 FB_IMG_1578955272268.
………….

سكت المدفع قليلا..
توقفت أصوات الانفجارات هنيهة..
لم يعد يسمع سوى أصوات طلقات عابثة..تبحث في الجو لها عن مسكن..
همس الطفل ينادي أمه..أمي،،أمي
صوت دبيب أسفل الحارة..ألا تسمعين؟؟
بنظرة قلق وسط ظلمة القبو ورعشة خوف انتابتها..أرهفت سمعها..
اقترب الصوت قليلا..
أصوات رجال تضحك..
صرخت بنشوة فرح..صرخت لتكسر جدار الصمت السائد منذ مدة : جاء الجيش المغوار..وصل أحبتنا..انهم على الأبواب..
انتفض كل من في القبو إثر تلك الصرخة..
لا يدرون أيضحكون أم يبكون..
مصيرهم المجهول ازداد تعقيدا..
همس الأب..أسمعتيهم يا امرأة؟
ضحكت وقالت : مالك تخفت صوتك يا حبيبي..انهم أبناؤنا..لهجتهم القريبة من قلوبنا جلية..بالله عليك ألا تسمع ؟
وكأن الحياة عادت إلى القبو الميت ذاك..همهة الموجودين..أضواء الشموع..استيقظ الأطفال وأعينهم تنبض بالحياة..
ارتمى الطفل في حضن أمه وسألها : هل انتهت الحرب؟ ألن نسمع صوت القصف والصواريخ بعد اليوم؟ هل سنعود لنخرج كل يوم نلهو ونتسوق وندور؟
طبعت قبلتها على وجنته وقالت : نعم يا حبيبي..جاء رجال الوطن يخلصونا من غدر الأشرار وكيدهم..هي سويعات وتعود حياتنا طبيعية ان شاء الله..

أسند الطفل رأسه إلى وسادته..ومقلتاه مثبتتان إلى السقف..ومحرك دماغه يعمل بأقصى سرعة..كيف سألعب..بماذا سألعب..إلى أين سأذهب..حين سألقاهم سأقول لهم : شكرا يا جيشنا الغالي.. ..
فجأة..علت أصوات صيحات مكتومة..
ماذا أصاب قبو جارنا؟
ركل وصراخ وصفع وتكسير وتهشيم..ثم رائحة جد غريبة..فاحت ليعود بعدها الصمت يخيم من جديد..
ما هذا الصوت أماه؟
جمدت الأم مكانها وهي تلتفت يمنة ويسرة..علها تجد لما جرى تفسيرا يقنعها ويريحها..
لا أدري يا حبيبي..هو خير ان شاء الله..خذ غطاءك ونم وارتح يا بني..
التفتت لزوجها ولبقية الموجودين..استشعرت من جحوظ عيونهم رعبا لا تدركه الأوصاف..سرت في بدنها رجفة لم تدري سببها..انهمرت دمعة حارقة على خدها..
نعم…عرفت ما هي الرائحة..
رائحة شواء ودماء..
انطوى الجميع تحت أغطيتهم..
ركنوا في زوايا القبو الصغير..
اغمضوا أعينهم وكأنهم يريدون الهروب من مجهول سيء قادم..
عطلوا تفكيرهم..أسكتوا صوت أدمغتهم..لا يريدون التفكير لا بتفاؤل ولا بتشاؤم..يريدون فقط أن يتوقف الزمن برهة حتى يخبروا العالم كله بأن لهم حق الحياة..وأنهم لا يريدون لموت قاس أن يسلب منهم أيامهم وأحلامهم..
ولكن..
وخلال لحظات..
أصوات أقدام ثقيلة الخطى تقترب نحوهم..تنصب على حفات الدرج صبا..
لهجة غريبة وصلت مسامعهم..تتخللها الرأفة لدى شبان جيشنا..ولكن..
حائرون في أمرهم ظلوا..حتى ركل باب القبو..ودخل إليه عشرة وحوش ضارية سوداء..محياها قسوة خسئت الأحرف والكلمات والجمل أن تصفها…
ومن دون أي كلام أو صياح..أحس الجميع بثقل رؤوسهم..وكأنهم قد استنشقوا رائحة منوم أو شيء من هذا القبيل..أغمضت الأم عينيها المدمعتين..أغلق الأب عينيه..الجميع أغلقوا عيونهم إلا الطفل..أبت حدقتاه الصغيرتان إلا أن تشاهدا وتعملا وتشهدا الجريمة النكراء التي ستحدث..وكأنهما تحاربان من أجل البقاء..
صب الوحوش الزيت على النيام..
ألحقوه بعود كبريت..جعل كلمة النار هي السائدة حينها..تلتهم ما لذ لها وما طاب..
رؤوس الأطفال..بطون النساء..أطراف الشيوخ….وقلوبنا..
التهمتهم بلا رحمة..جعلت منهم مجرد رماد تذروه الرياح..
الأجساد تشوى،،والآلام تزداد وتزداد،،تحرمهم كل دقيقة قطعة لحم من هنا أو من هناك وهم محرومون حتى من الصراخ أو المقاومة..عينا الطفل جاحظتان محمرتان يديرهما في أرجاء القبو الملتمع لهيبا..وهو يبصر ذوبان الأبدان ببطء ويسمع صوت الضحكات المشؤومة.. ويستشعر ألمه هو الآخر..
قواه خارت تماما..حتى غدتا الدمع تخدرتا فحرمتاه دمعة أسى أو خوف أو ألم أخيرة..ولسان حاله يسأل أمه : لماذا ؟ لماذا ؟
ولكن في هذه المرة لم يتلق منها جوابا..
فاضت روح الطفل صاعدة إلى بارئها..
نظرت من السماء إلى المدينة الموحشة..
رأت بيتها الذي أضحى مقبرة لجسدها..التفتت نحو الطرف الاخر من المدينة..
ابتسمت بحسرة وأكملت طريقها نحو الجنة..
(من قصص المعناة الحقيقية في ظل الحرب)
____________________

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

رابط مختصر