لكل تفاحة أدمها قراءة في ديوان

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 14 فبراير 2015 - 5:13 مساءً
لكل  تفاحة  أدمها قراءة  في  ديوان

“لكل تفاحة آدمها” لشيماء زعرور:


ديوان شعري ينضاف إلى رصيد المكتبة العربية للشاعرة شيماء زعرور يشمل 26 نصا شعريا. تقوم هذه النصوص على دعامتين:
1- بحث جلي عن مغاني جديدة هدفها تصوير الحالة بضرب من الموضوعية للواقع العربي المتردي دون الوقوع في رثاء مرير وإنما ديدن الشاعرة تذكير دائم بأن الوطن لا يكون إلا بأهله، ويندثر باندثارهم.. وهو ما يولد السؤال الصعب… هل حقق العرب ذواتهم؟ والشاعرة تضع السؤال الكبير حول نحت السند وكيف يكون؟ … و لا يكون ذلك إلا إذا سلمنا مطلقا بالدعامة الثانية…
2- بحث في الذات الفردية المخصوصة التي بقدر تفردها يمكنها أصلا إعادة تشكيل السند الذي يبدو وكأنه مع مطلع هذا القرن قرن العولمة قد أحال الإنسان إلى طوره الحياتي الأول أي ذاك الإنسان الذي سعت العولمة إلى تطويعه. فإذا هو ينكفئ على ذاته متمسكا بذاك الإنسان العميق الدفين ذاك الفرد الذي لا يبيع، بأي حال، حريته وكرامته وجلاءه وصفاءه… إنه “الإنسان المستقل” الذي ينبري مدافعا عن نفسه حتى في أقسى حالات الضعف وأقصاها…
وتتضح هذه الرؤية جلية، إذا عدنا إلى العنوان وهو عتبة النص الأولى نعني “لكل تفاحة آدمها.”..
العنوان:
ورد العنوان جملة اسمية تقريرية تدل على حكم. والعنوان بهذه الصورة جاء نتيجة لرؤية تبدو كأنها مطلقة ولا تراجع فيها. ف “لكل تفاحة آدمها”. والملحوظ أن الشاعرة ارتأت أن يكون العنوان عنوانا لمجموعة القصائد لا لقصيد مخصوص ورغم ذلك فإنها أشارت بلطف خفي إلى بعض القصائد التي نذهب إلى القول بأنها تلتحم بالعنوان وتحيل إليه… وهي: “كذبة وحي” ص26 و “إلى شهريار” ص 39 و “ليلى والتفاحة” ص49. ففي القصيد الأول نقرأ ” التفاحة متى تنضج؟” وفي القصيد الثاني “التفاحة فاتحة كل موت” وفي القصيد الثالث “لم أجد تفاحة لأعود”. والحاصل أننا أمام استعادة وبناء جديد للأسطورة الناتجة عن امتزاج قصة أدم وحواء والخطيئة الأولى والخلاص منها بالهبوط إلى الأرض مع قصص ألف ليلة وليلة حيث يمتزج الحديث بين ليلى وشهرزاد وآدم شهريار…وكأن الشاعرة تعيد الكتابة الأولى فيصبح الديوان نصا معارضا لألف ليلة وليلة ونصبح قارئين لألف ليلى وليلى…
لعل ميزة هذا النص هو اللغة التي أشار إليها مقدم الديوان المبدع السيد السالك ص7- 10 بلطف خفي حيث بين قدرة الشاعرة على حسن الإبلاغ وسعيها الدؤوب إلى استدراج لغة مخصوصة. وهو ما يترجم في نظرنا احتفاء المبدعة بالعبارة الشعرية التي جاءت مهذبة قصيرة هادئة حينا كاسحة أحيانا مذهلة راجّة للأساليب القديمة. وهي في كل ذلك لا تثور ثورة عمياء تذهب حد القطع مع القديم والقدح فيه، و إنما هي تسعى إلى الرجة الأولى التي تولد التساؤل المستمر: هل اللغة هي “النحن” أم “النحن” اللغة مضاف إليها ما علق بنا من عصر طاف جديد يلون الأشياء بألوانه ويضفي عليها من مخلفاته فتتلون به إن اختيارا أو اضطرارا. والشاعرة في كل ذلك لا ترعوي عن الاعتراف بأنها من العصر وإليه و فيه فلا تخرج عنه. وهي مع ذلك تحافظ محافظة شديدة عما اسميته قبلا الإنسان الدفين فيها ذاك الفرد المستقل الذي يأبى أن ينقاد دون المسك بحريته و المحافظة على كرامته وإن تعنت المتعنتون…


نقرأ في قصيد “شياطين بأقنعة الآلهة”:
القائمون على المقبرة
يرتشفون الهزائم نصرا
يَرون سُقوطنا صعودا
موتنا حياة
و من ثقب في الجحيم
نرى الطهر يُدنس
الخطيئة تبارك
و لا نرى الإنسان ص15


إن المبدعة مسكونة بالإنسان ذاك الممثل للذات في قمة خصوصيتها. إنه الإنسان المستقل الذي يأبى الذوبان. وتنجلي قوة الفرد المتحرر في مدى فنائه الصادق في الحب. إنه المتيم في نرجسيته وجنونه لأنه المتيم بالحياة. نقرأ في مقطوعة “اشتعال اللقاء”:


رقصنا جنوننا الأخير
قد أغرق في عمقك
و قد أرتديك عمرا جديدا
يلوذ بالسقوط ليحييني
فيا إثمي الشهي
لن أتوب عنك ص17


إن المتيم بالحياة يحتفل بها دون هوادة. وهو على علم أنه مدعو إلى الظفر بها وهي في نظره تستحق اللغة المثلى لغة العشق الكامل حد الذوبان. وهي لغة ستعيد البناء وتبعث الروح للصرح المتهرئ.. نحن، إذن، أمام صياغة جديدة للكون. تؤكد الشاعرة صراحة دونما وجل في “ثورة لا تأتي”:


بايَعت لغتها قواميس الفراغ
و ذابت في أغنية
انساقت بروحها
في شروق وجع يسخر من النور
و بقيت تمضي حيث اللاهي
تعيد تشكيل أناملها فوق أرصفة الفرح
و تحاول الفرار من لدغة الخيبة
هي الجلد الذي يزرع وردا على ظهر الضحية
هي قداسة لغة محرفة
هي الرحيل المفعم بحضور الكل سواها
هي انبعاث روح النبي في الخراب
هي كل ما قد يكون
و نحن ننتظرها
شبه شعب
شبه أمل
و شبه وطن. ص 53 .


ولعل أروع مقاطع المجموعة هي التي وردت في الخاتمة. ألا يحق للقارئ أن يردد في هذا العصر مع الشاعرة دون أن يتحسس مرارة الواقع عبر هذه الومضة الصاعقة:
“أليس” وجدت موطنها
و الشعب أصبح في بلد العجائب ص70
كما أن الشاعرة بضرب من النرجسية المغلفة تحيلنا بلطف تحيل إلى قولة المتنبي:
“أنام ملئ جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم”.
وتبرز بلطف تحيل فني أن:
اللغة أسلمتها للطرق
لم يعد رصيف الكلام يسع شاعرة جديدة ص69
ونصل مع الشاعرة إلى رؤيتها العميقة حيث يصبح الشاعر وقد اضمحل جسدا يعيش بينها حيا بما بثه من وعي مجتمعي في الصميم ويمسي القصيد لغة حياة رغم موت الشاعر في قولنا “الشعب يريد” تردادا لقصيد “إرادة الحياة” لأبي القاسم الشابي. تؤكد الشاعرة أسوة بشاعر الخضراء:
القصيدة التي غفت في تابوت الصمت
حيَت حينما استبدلها الموت بموت كاتبها ص65.
إن الشاعرة شيماء زعرور في باكورة أعمالها نفحت القارئ بنصوص جديدة ارتأت أن يكون منطلقها صياغة عالم لغوي مستحدث جاء معينه الأساسي قائما على البحث عن لغة تعبر العصر وتخترقه. ومن ثمة تسربلت هذه النصوص بعالم أسطوري مخضرم الإيهاب. فتعددت الرؤى وتنوعت وهي في كل ذلك تستجيب لأفق انتظار لقارئ نهم يعلم أنه يعيش عصرا يصعب أن تستوعبه لغة مهترئة لم يتكيف هواؤها منذ أحقاب. لذا دفعت بالجملة الشعرية في أتون التجدد من ناحية و التجذّر من ناحية أخرى… فهل استطاعت أن تقف في وجه البحث الدائم عن الفرادة؟ لعل عودتنا للنص بمزيد التحليل والتعليل يمكننا من الإجابة عن السؤال الممض..

مصطفى مدائني

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

رابط مختصر