لحظــــة عابــــرة ” أفلاطونيـــة الذاكــــرة في التصـــوير الســــريالــــي”

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 28 ديسمبر 2014 - 6:19 مساءً
لحظــــة عابــــرة ” أفلاطونيـــة الذاكــــرة في التصـــوير الســــريالــــي”

بقلم: ابراهيم ضيف

إن المتأمل في نـص القصة القصيرة ” لحظــة عابـــرة ” للأديب الشاعر عبدالرحيم الجداية سوف يتلمس البعد الفلسفي في دخوله الى الذاكرة و النفس معاً ” نظرية أفلاطون في التّذكر” و جلب صور تبدو للعيان مألوفة و سرداً لأحداث يضج بها فضاءنا المعاش من احداث و إرهاصات تجعل اللبيب يقف حائراً امامها لكثرتها و تعقيداتها و تداخلها.  لكــن إذا انعمنا النظر و سبرنا أغواراً أعمق فيها و نظرنا اليها من وجهة نظرة اديب او من المكان الذي يراها هو سنجد انها تعكس لنا حالته الفكرية و الثقافية و الوجدانية تجاه مجتمعه و نظرته للكون ومصيره.

لقد تخلص الكاتب من الأنا و تجاوزها الى أن جعلها جزءاً فاعلاً يقدم خدمة لمحيطه. فقد جمّع لنا بتصوير سريالي عبقري قصاصات من الواقع المعاش , منها ما يبعث على الخوف و القلق و الحذر ” حشود عسكرية على الحدود ” و منها ما يبعث على السعادة ” العاشقين ” و منها ما يبعث على الارتياح و التسلية ” الرياضة ” و منها ما يبعث على الأمل ” فنان تشكيلي ” . و يتراءى لي أن الوقت قد تحوّل الى جهاز عرض سينمائي بين يدي الأديب و أخذ يعرض لنا مشهداً من هنا و مشهداً من هناك ليشكل في النهاية مشهداً بانورامياً واقعياً يعكس لنا فهماً للواقع على حقيقته و إحاطة به وبالتسارع الذي أصاب الكون. تمر المشاهد مع مرور السيارة أمامه في ” لحظة عابرة ” تخطت كل الحدود الزمانية و المكانية و انطبعت بماهية الأديب عندما تحولت من مشاهد اخبارية الى تصورات ذهنية في ذاكرته و نفسه التي تسعى الى الحقيقة.

و لا شك أن للعلم و علم النفس رأي يدعم أفلاطونية النص و هيمنته السريالية في ما يخص عرض التصورات الذهنية القبلية و الذكريات الدفينة في الذاكرة. فنجد أن فكرة التسارع في عرض الصور داخل النص الأدبي شبيهة جداً بما يقدمه العلماء من تفسير لنظرية ” حركة العين السريعة ” و التي تتحرك خلالها العين بشكل سريع جداً مما ينتج عنه عرض سريع جداً  للمكنونات داخل الدماغ و تبقى بعض هذه التصورات ظاهرة على شكل أحلام – لمدة قصيرة جداً أو لحظات-  ومن ثم يصحو الشخص.

هذا البعد التصويري السريالي هو تعبير عن واقعنا المعاش في الوطن و في العالم , و ايضأ يشكل رافداً مهماً للأدب و السينما على حد سواء. فقد تبنت الحركة الفنية – منذ ثلاثينيات القرن المنصرم – تقنيات التذكر و الدخول في النفس و الرجوع الى الماضي لتتبع الحقيقة و  تفسير الاحداث الحالية و هو ما يعرف بتقنية ” الفلاش باك ” . من أمثلة هذه التقنية في السينما فيلم الماتركس ” المصفوفة” الذي يقف فيها البطل أمام المهندس الذي قام بتصميم الماتركس و يقدم له المصمم خيارين – إما إنقاذ المحبوبة أو إنقاذ الوطن – في هذه اللحظة العابرة تمر آلاف الصور الذهنية من ذكرياته أمامه عبر شاشات معلّقةٍ حولَه . و هناك من الأمثلة الكثير و ليس المقام هنا لحصرها بل للاستشهاد بها و تقريب فكرة ” الكولاج” دادوية الأصل و التي أخذت شكلها العصري بالمونتاج السينمائي و الفلاش باك لمزج الذكريات مع الواقع المعاش.

و عوداً بنا الى فكرة التسارع الموجود في حياتنا و الكون – فنحن في عصر السرعة و أرى لسان حال أديبنا كحال القائل : أوقفوا هذا العالم المجنون أريد أن أنزل . و يجدر هنا الاشارة الى أن دور الاديب هو دراسة الواقع و الخروج به عن واقعيته من اجل ايجاد الحلول و المخارج للمصاعب و المآزق التي تعتري النفس البشرية نتيجة الضغوط الحياتية.لا فالكاتب لا يكتب فقط من أجل غواية الكتابة – و الا لكان سرداً صحفياً يلخص لنا الواقع لا أكثر- بل هو يحيك لنا نسيجاً تتجلى فيه شاعريته الفذة و سريالية الفن التشكيلي التي ترتقي بنا لنعبر كل هذه المحن بسلام الى الجانب الآخر و نحقق سكينة الروح . يتردد أديبنا قليلاً قبل أن يعبر ليدع جميع هذه المشاهد و المقلقات النفسية تمر أمامه في لحظة عابرة مع مرور السيارة ليمضي قدماً و لا يستسلم لبشاعة معظم هذه الصور و غواية بعضها ليبلغ الهدف المتسامي و المبتغى في هذه الحياة الدنيوية و هي حقيقة الاستقرار و الأمان و السعادة التي سعى اليها جميع المفكرين و النساك , فوصل الى الحقيقة الكامنة هناك و القى عليها السلام.

تعتمد ” لحظة عابرة ” على أربعة أساليب فنية متجانسة و تخدم الإطار العام الذي يرمي اليه الكاتب و هو إظهار ان تموجات النفس و ارهاصاتها مرهونة بالتصورات الذهنية عن العالم و في نفس الوقت مرهونة بالحصيلة التاريخية لها و تكمن داخل صندوق عاجي هو الذات البشرية ” . لذلك ظهرت تقنية السرد بأبهى ما يمكن وبأسلوب سلس راقٍ, ثم خلالها تتجلى تقنية ” التّذكر او الفلاش باك لأحداث يمكن أن مر بها شخصياً أو سمع عنها مثل فنان تشكيلي في قرية مجاورة و الهاترك الذي احرزه اللاعب رونالدو في الامس القريب. ثم استخدم تقنية ” التجاور” juxtaposition ليعرض لنا صوراً تحدث متزامنة باختلاف الاماكن مثل مرور السيارة و سماع الضحكات على النكتة البذيئة و رؤيته للفتاة على الطرف الآخر. ثم الاسلوب الرابع فهو الاستشراف flashforward , حيث أن أحد أهداف القصة – كما ذكرنا سابقاً ليس العرض فقط و إنما الخروج بتصور جديد عن الكون و ايجاد الحلول.

و لا ننسى أهمية القارئ التي أدركها الكاتب حين اختار هذه الاساليب ليجعل من المتلقي جزءاً من قراءة النص و تأطير النص في الإطار النفسي المطلوب. أدت جميع هذه القصاصات الى أن تخلق جواً من التساؤل لدى المتلقي و أصبح يتتبع كل صورة و يختمها بخاتمه الخاص – و كأنه هو من كتبها لأنه مر بها من قبل – فيقول في نفسه ” نعم … صحيح … أجل … صدقت ” مما أوصله الى توافق و ارتباط بالنص فيجعل يعيده مراراً و تكراراً لأنه استأنسه و سيدرك أخيراً أنه يفكر بما بعد هذه اللحظة العابرة ما الذي سيحدث والى اين نحن ذاهبون في هذا الكون ؟ الى اين ستؤول الأمور …. الخ من هذه التساؤلات المصيرية و يرى المستقبل بمنظور آخر و أكثر وضوحاً و يستشرفه.

إن حرفية الكاتب و قدرته الإبداعية على أن يجعل القارئ شريكاً و يعطيه دوراً في هذه الاحداث يمكننا من اتمام المشهد و الولوج الى تصورات و أبعاد ذهنية و نفسية أكثر عمقاً و نظرة أبعد للمستقبل تخلصنا من تلوث الحقائق الذي نعاني منه بسبب التظليل و تسارع الاحداث اذا ما وقفنا أو مررنا بلحظة عابرة . استطاع الكاتب أن يستجمع كل قواه الفكرية و النفسية و الإبداعية و لم يدعها تكمن في داخله مثل تلك التصورات بل مارسها ممارسة عملية مرة حين نسجها لنا و مرة عندما القى التحية  حين نجح في اشراكنا في حياكتها مرة ثالثة و خلق الاندماج معها عن طريق الاتصال بها مباشرة و هذه اكبر مواجهة للحقيقة و لا تحتاج لأكثر من قدرة على التذكر في لحظة عابرة.

‏26‏/09‏/2014

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

رابط مختصر