الرئيسية / قصص / * كان الله ثالثهما * بقلم مي الحجار

* كان الله ثالثهما * بقلم مي الحجار

Spread the love

 

   مشت تحت المطر ترتجف من البرد ، كان المطر قاسي .. ولكن لم يكن فى قسوة زوجها ، الذى طردها من البيت فى تلك الليلة الممطرة ، حتى إنها نسيت من شدة انفعالها ، أخذ مال معها ، واضطرت ان تمشى من بيتها ، إلى بيت عائلتها ، حيث تعيش أمها وأخيها… بدأ جسدها النحيل يرتجف تحت المطر من شدة البرد ، ولكن فجأة ظهر “يوسف” ، جارها القديم ، وصديق طفولتها .. جاء من خلفها مسرعا يغطيها بالجاكيت ، الذى كان يرتديه ، ويحاول حمايتها بمظلة ، كان يحملها .. فرحت برؤيته ، صدفة فى تلك اللحظة العصيبة ، وكانت رائحة عطره لازالت قوية ، وظاهرة فى الجاكيت ، هى وحرارة جسده ، التى انتقلت الى اوصالها فورا .

  بدأت تحكى له مأساتها مع زوجها : “تشاجرنا.. على لاسبب.. جرحنى..ضربنى..وسط انفعاله ،عايرنى بأننى لا أنجب ، وأخبرنى برغبته بالزواج بأخرى .. تجادلنا .. ضربنى مرة اخرى.. خرجت من البيت دون شئ .. حتى كرامتى .. أشعر بمذلة قاتلة……”

فرد عليها “يوسف” : ” “فاطمة”.. الحمد لله ، أن فى دينك طلاق.. أنا لم أشعر بالارتياح لهذا الرجل من البداية .. شكله كان حقير…..” قالها وابتسم .. فابتسمت هى الأخرى بدورها وقالت: ” كنت اعرف جيدا ، اأنك ستقول هذا.. أنت لم تحبه من البداية…..” ضحك الاثنان فى براءة ، ونسيا ،المطر والبرد ، وما فرقهما من البداية ،إنها مسلمة وهو مسيحى .

وإن علاقتهما ، علاقة مغلقة الى الأبد … دخلت فاطمة بيت أمها تحمل من الهم ما يهدم جبل ، حكت كل شئ لأمها واخيها ، وما حدث بعد ذلك ، كان تحصيل حاصل ، فقد تم الطلاق فى هدوء .. ثم بعد ذلك هاجر أخيها ، إلى استراليا ، وبدأت هى قصتها وحيدة ، تحمل مسئولية أمها المريضة على الدوام ، إلى جانب مسئولية نفسها … وعدها أخيها بأن يساعد فى مصاريف علاج الأم ، ولكنه بعد أن سافر ، ساءت أحواله المادية ، ولم يستطع ارسال ، المال ل”فاطمة”.. فقررت البحث عن عمل ، ولكنها وجدت ان العمل سيعوقها عن رعاية أمها المسنة .. ماذا تفعل ومعاش أبيها ، الذى تحصل عليه ،هى وأمها ، لا يكفى ، كل مصاريف العلاج والأكل وباقى المصاريف ؟

و فى إحدى الليالى ، استيقظت “فاطمة” مفزوعة ، على صوت يصرخ ، ويستغيث ، وكان صوت جارتها زوجة “يوسف” ، فهما يقطنان فى الشقة المقابلة لشقتها ، التى ورثها “يوسف” عن والده بعد موته ، جرت “فاطمة” ، مسرعة نحو الصوت ، دقت جرس الباب فى لهفة … فتح “يوسف” الباب ، أشعث الشعر ، أحمر العينين من قلة النوم والإرهاق .. تقريبا فى حالة انهيار تام…

كانت زوجته “سمر”.. مريضة للغاية ، فهى مريضة “بالسرطان” ، فى مراحله الأخيرة .. دخلت ،فوجدت جميع أهل البيت فى حالة يرث لها ، الأطفال الثلاث ، أولاد “يوسف” ، يبكون .. والأم ،تقريبا ،تحتضر ، ويوسف أشبه بالمغشى عليه… أيام وماتت زوجة يوسف ، ولم يكن هناك من يقف بجانب يوسف ، سوى “فاطمة”.. هى التى كانت تقوم بكل شئ ، من رعاية الاطفال ، وإعداد الطعام ، وتنظيف البيت ، كل شئ بمعنى الكلمة ، إلى جانب رعاية أمها… ومضت الأيام ، وصار هذا دورها .. رعاية الجميع وخدمتهم … بصورة تدريجية ،صارت “فاطمة ” ،سيدة المنزل ، ويوسف رجل البيت ، هو يتولى الإنفاق ، وهى تتولى رعاية الجميع ، وبرغم حبهما الطاهر لبعضهما ، وتعلق كل منهما الشديد بالآخر ، إلا أن كلا منهما يعتبر أن هذا الحب ، سر عظيم لا يجب البوح به ، سوى عن طريق رعاية الآخر ، وإحترامه … حتى إن الاطفال ، بدءوا من تلقاء أنفسهم ينادونها “ماما” .

 ومضت السنوات ، وماتت أمها ، وصارت “فاطمة” ، وحيدة تماما ، وكان أولاد يوسف ، كأنهم أولادها ، العزاء لقلبها .. كانوا ولدين وبنت ، البنت الكبري ، والولدين ستة سنوات ، وأربعة سنوات … وفى أحد الأيام ،دخل عليها يوسف ، فوجدها مريضة للغاية ، حتى أنها وهى تتحدث معه ، وتنفى عن نفسها المرض ، كما لو كان تهمة ، اتهمها بها يوسف ، وقعت مغم عليها ، ولم يجد يوسف أمامه ، حل سوى حملها إلى حجرته ، لترتاح قليلا ، فهى تكاد تقتل نفسها فى رعاية الأطفال ، ومذاكراتهم ، أحضر لها طبيب ، وظل بجانبها طوال الوقت يرعاها ، وكأنها جزء من قلبه .. كم يحبها … لم يحاول يوما جرح مشاعرها ، ولو بكلمة او لمسة يد.. إنه يحترمها إلى درجة القدسية .. يعرف بحبها له ، ولكنه يكتفى بوجودها فى حياته بتلك الصورة الأخوية الطاهرة…نعم ،كان يحبها إلى تلك الدرجة…فقط وجودها فى حياته بأى شكل ،يكفيه…

  وقامت ثورة “٢٠١١” ، فى مصر.. واشترك بها الجميع ، حتى أن فاطمة ويوسف ، أقاما عدة ليالى فى ميدان التحرير ، فى بداية الثورة ، وكان الأطفال فى رعاية إحدى صديقات فاطمة المقربات ، وفى يوم عصيب أصيب يوسف فى إحدى المظاهرات ، وكانت فاطمة تبكى منهارة ، عاجزة عن مساعدته ، وقال لها وهو مصاب ينزف: “احبك.. لطالما أحببتك.. أولادى امانة فى رقبتك ، استخدمى التوكيل الرسمى العام الذى معك ، لنقل كل شئ ملكى باسمك ، حتى تستطيعى رعاية الأطفال.. أنا لا اثق سوى بك…”

صاغرةً ،لأمر حبيبها الذى يحتضر ، فعلت ما طلب وحولت كل شئ الى اسمها… أيام ومات يوسف… تاركا فراغ فى قلبها وحياتها … مرت السنوات وكبر الأطفال ، وصارت الطفلة امرأة جميلة ، والولدان ، صارا رجلين ، علمتهما فاطمة أفضل تعليم ، وردت إليهم المال فى الوقت المناسب ، ولم تبق لنفسها شئ سوى الحنان والحب الذى تحصل عليه من أولادها الثلاث ، الذين يحبونها ، أكثر مما لو كانت أمهم وأبيهم فى شخص واحد… وظلت هى ، حتى برغم كونها إمرأة محجبة ، متدينة جدا، تحتفظ على صدرها بسلسلة بها صليب ذهبى ، كان يخص يوسف .. ولازالت تحبه ، حتى بعد موته .

************

بقلم

مى الحجار

“كاتبة هاوية”

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

عن نائب رئيس التحرير سلوي أحمد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

زيت بذور اللفت الأكثر فعالية للحفاظ على القلب

Spread the loveتوصلت دراسة طبية، إلى أن زيت بذور اللفت يمكن أن ...