قصة قصيرة عطر الفانيليا بقلم الأستاذة رشيدة محداد

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 17 نوفمبر 2017 - 1:09 صباحًا
قصة قصيرة عطر الفانيليا بقلم الأستاذة رشيدة محداد

قصة قصيرة عطر الفانيليا

حاصرتها نظراته المتفحصة وهو يرمقها بين الفينة والأخرى من تحت الجريدة..يفتعل سعالا خاليا من حشرجة الزكام..يرفع “قب” جلبابه البني الخشن، ثم يفرغ محتواه فوق الجريدة : خبز .. بطاريات جهاز تحكم التلفاز.. قنينة زيت زيتون صغيرة الحجم، قنينة عطر شبه فارغة، أوراق صغيرة مدون عليها أرقام هواتف كادت تمحى بفعل الاحتكاك..وقلم متآكل أسود..
غاصت يداه بين الأشياء تبحث بعشوائية ،تصدر من حنجرته أصوات نحنحنة وكحة مفتعلة أفسدت جمال أغنية “أنا بعشقك” لميادة الحناوي، المنبعثة من مذياع الحافلة، قبل أن يسوي جلسته، ويرفع يده اليمنى نحو عنقه يوزع رش عطر قوي على كامل جسده، وبسخاء يبعثره في الهواء مبتسما كلما التفتت نحوه “عبير” ممتعظة.
الساعة تشير إلى السادسة مساء، والحافلة قررت هذا المساء أن تتباطئ لتحافظ على سلامة ركابها، وتتوقف بالمحطات مطولا لتخدم أكبر عدد من المواطنين…
تتذكر كيف كان زوجها يسافر إليها بمكالمة..روحه هدية مغلفة بإسمه وعنوانه، وتفاصيل وجهه وجسده ..تختصر ماوراء البحار، وتجلسه بموعد حالم داخل طبلة أذنها، وهي تحاول أن تنام بغرفة باردة..استقطبت الشتاء موسما كاد يكون أبديا..بعد سفره المضطر ..كان صوته عبر الهاتف كما حبة اسبرين للأرق اليومي الذي يسكنها، يهمس طويلا بأذنها، قبل أن تستسلم لنوم ترتبه فيه قوافي شعر..ومعزوفة لقاء بحضن الوسادة .
“عائد” بعد ساعات سيخترق الوسادة والحلم، ليحل بأرض الوطن .لكنها لم تكن جاهزة بعد لاستقباله !
تسترق عبير النظر الى مرآة حقيبتها الصغيرة، تعدل من زينتها، وترتب تسريحتها.. وتضيف بعضا من الحمرة الخفيفة على شفتيها المكتنزتين..وهي تتطلع شاردة:
لماذا الآن.. أما كان عليه أن يخبرني بأمر وصوله أسبوعا على الأقل؟! فماذا تنتظر المفاجآت من “عاملة” تلقت مكالمة وصول “همبرغري” سريع .. سوى اللقاء الشاحب !
-لا أحب المفاجآت! 
التفت صاحب الجريدة تعلو وجهه ابتسامة واسعة بلهاء، مشرعة عن أسنان صفراء، علق بين جنباتها بقايا أكل : 
-عفوا..؟..
انتبهت عبير إلى أن صوتها كان عاليا.. نظرت للرجل معتذرة ثم انتصبت متجهة نحو السائق وهي تحاول أن ترفع صوتها فوق صوت الموسيقى، تقترب من أذن السائق الذي حجز لصوته مكانا جانب صوت ميادة، يدندن ويتمايل منتشيا..
-من فضلك،أسرع قليلا!
-في العجلة الندامة سيدتي! 
ارتمت بأول مقعد صادفها وهي تعض على شفتها السفلى :
-علي أن أصل قبله، هو يحبني بالفستان الزهري ذكرى هداياه ونحن بفندق “النخيل” بمدينة مراكش !
رومانسيته..! كم كانت رائعة ملونة كصندوق الهدايا المزركش..كلماته : ( …..فليكن فستانا زهريا، أريد أن أراك ملونة ..وسأهديك عطرا ..فكم أعشق العطور…
ضعي شيئا منه حين أغيب ..العطور حضور واستحضار لأرواح كنا ولا زلنا نحبها ..فكل الذين أحببناهم جاؤونا عطرا بقارورة مفتوحة..غادروا..ولا زال عطرهم عالقا بخزائننا !)

-العطر !
صرخت عبير وكأنها نسيت أو ضاع منها شيئ تحت مقاعد الحافلة ! لقد نفذ عطر “الفانيليا” ! فما هذا الحظ الذي يأتي بتوقيت الشحوب والارتباك ! 
توقفت الحافلة أخيرا بالمحطة قبل الأخيرة، غادرت والأفكار تسبقها إلى حيث هو !
صعدت السلم وأنفاسها تتسارع لاهثة، فلعنت مشيد العمارة الذي قرر ان يكون للشموخ واحد وثلاثون سلما.. فتحت الحقيبة تبحث عن مفتاح اختفى لثوان، ليظهر وهو يهز حاجبه مداعبا..

(لا وقت للعبث !) همست عبير شبه شاردة!
إرتعد مفتاح الباب بين أصابعها وهي تحاول أن تفتحه..
موسيقى هادئة تمزق صمت البيت ..كعك وورود ..وعطر “الفانيليا”.. يملأ المكان !

– أشرقي..من حيث تأتيك هداياي عبيرا..يا “عبير” !

رشيدة محداد

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

رابط مختصر