قصة قصيرة بعنوان “رقم 311” بقلم الاديبة المغربية رشيدة محداد

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 13 فبراير 2018 - 9:35 مساءً
قصة قصيرة بعنوان “رقم 311” بقلم الاديبة المغربية رشيدة محداد

تتسلل أشعة الشمس من بين فروع رمانة فارغة، كاستدراج عاطفي عميق، لإحساس يتجاوز مقصلة الصمت المثقل بتأملات مرتجفة كورقة في مهب الريح!
انحناءات دفئها، مرفأ لطيف يدعوني لجلسة مزاج، خدماتها درجة أولى.
تغفو أحلامي لفترات قبل أن تغيب شمس المساء، كما موعد مستعجل دس بكفي رسالة حب، ورائحة عطر عصي النسيان، ليتركني في غمرة قبلة ناقصة نضج و روح. 
تغادر الشمس، فيصحو الوضع على صورة كاذبة، تسحب العطر والموعد، وحلما لم تزهر فيه روابي شاب ثلاثيني الخيبة.


ممدد كنت على أريكة صنعتها من كيس أفرغته من غلة القمح، وملأته بقش الذرة، وشددته بحبلين من الجانبين، وربطتهما بفروع الرمانة. ألوك أوراق النعناع طويلا قبل أن أتفها بوجه قطة جرباء، تلتصق بذراعي الأسمر، فأشدها من ظهرها، وأرميها على الجذع غير مكثرت بموائها، وهي تنتفض مذعورة هاربة.
شيء ما جعلني أحرك يدي نحو صدري، أتحسس سلسالي الفضي، وأرفع طرفه نحو نظارتي الطبية التي تعدى حجمها، مساحة وجهي المدور. أمعن النظر في حرف الواو المتدلي من السلسال، أضغط عليه بقبضة محكمة تقسو على إثرها ملامحي، فلا تلبث أن تلين لأواريه بعدها داخل قميصي البني، وأسحب نفسا عميقا يفتح شهيتي لاحتساء الشاي.


أعدل من جلستي، أرفع القدح نحو أنفي، أشم رائحته ثم أحتسيه على دفعات.
هذا المساء، وأنا أرمي للحمار حزمة برسيم، فكرت أن آخذ له صورة وهو بكامل تخمته، وأعلقها بسلسالي بدل حرف الواو..


حينها، لن أحتاج إلى قمصان ذي أزرار كبيرة تعقد للآخر..
سأشتري بدل الكتب عشرات القمصان الملونة..سأفتحها عن آخرها، مبرزا سلسالي المزين بصورة الحمار!
أما كدت أنسى إسمي، بوقت أدخلني فيه المجتمع بخانة الصفر حين عراني من دفتر الحالة المدنية، وأنا حمار على لسان والدي، الأسود على لسان أهل القرية، وميكي الكرطوني وأنا ذليل أتسول حبا بالمدينة، لتنتهي دراستي عند عتبة سجن اعتقل تحرشي، فلم أجد وسيلة أصفع فيها خد من حرمتني فردوسها، أوقفت أحلامي التي هدهدتها طويلا على أريكة شهادة الباكالوريا، إلا محاولات كسر أنفها المغطرس، ولو على جدران تخلد صورتها منحوتة بعظم شوربة الدجاج، أنحتها مرتين وأكتب تحتهما:
قبل..بعد.

– رقم 311…زيارة !

يصرخ السجان وكأنه يتعمد اعتقال إسمي الحقيقي، داخل زنزانة سوداء، يصعب تسريبه عبر كوة الضوء العابر.
وكمن خرجت لتوي من قعر زجاجة نبيذ مسمومة، اقتلعت نفسي من سياط ذاكرة معتمة، أتأمل وجه حمار يدر على وجهي تبن الحضيرة وبرازه الجاف بقدميه الخلفيتين، دون أن يلتفت إلي، فأعود إلى واقع يملأ أنفي روائح نتنة، تماما كما أسمائي العديدة الجرباء.. أشق قميصي للآخر، أحرره من الشحوب، وأبرز سلسالي الفضي. أضغط على حرف واو وشحني به والدي، احتفاء بعقيقة نحر فيها على شرفي وشرف شيخ القبيلة وزوجتيه الإثنتين، خروفا يطلق عليه ” سلطان الخرفان” لتميزه عن البقية بهيبته و ضخامته..ودعى للحفل كل من كان يود أن يقهر قلبه ويخرس لسانه اللاذع، المشير إليه بالعقر والشيخوخة، رقص فيها الجميع للفجر على أنغام فرقة موسيقية شهيرة، وظهرت فيها والدتي مثل عروس بليلة زفافها، تتحسس بطنها وكأنها تباركه، وتمشي بتؤدة تحيي الحضور بابتسامة عريضة، ترفع رأسها مثل طاووس جميل وحد وجهة الأنظار.
قفزت فوق تبن متراص بزاوية الحضيرة، أصرخ في وجه جدران قاتمة خرساء، ووجه كل من علق بذاكرتي السوداء :
– وليد.. إسمي وليد !
يلتفت الحمار، يفتح فمه مزبدا، ينهق طويلا قبل ان تميل بي حزمة التبن، فأسقط على أرضية تصر أن تملأ أنفي عفن المكان.

الأديبة المغربية رشيدة محداد

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

رابط مختصر