الرئيسية / أدب الكتاب / قصة المكالمة الأخيرة …… بقلم رشيدة محداد

قصة المكالمة الأخيرة …… بقلم رشيدة محداد

Spread the love

قصة المكالمة الأخيرة

كانت الأجساد تهتز بفضاء دارت فيه الرؤوس، واشرأبت الأعناق وتمايلت على ايقاعات موسيقى مهرجان “موازين” بالرباط بمنصة كان فيها الثراث..نوعا من السحر..!
كان الجمهور بحالة هستيريا اجتاحت العموم وكانه أصيب بعدوى !
بآخر الصفوف، وقفت فتاة هادئة، تنظر للجموع بذهول وتنقل ناظريها مابين شيخ وسيدات يبدين بمقتبل العمر..وأخريات بسن المراهقة… تغيبهن الموسيقى بعالمها المجنون ! ليقع نظرها على مجموعة من الشباب تدعوها الى التصفيق ،مشيرة الى يديها بابتسامة.
أزاحت “سعاد” عيناها بخجل، لتقع على شاب كان يشبهها !
كان هادئا ،ينظر الى المنصة بابتسامة خفيفة تكاد تسقط من وجهه النحاسي، الذي لفحته شمس المصيف !
ازاحت نظرها عنه ، لتتفاجأ بعد لحظات أنه يسترق إليها النظر ، ربما وجد فيها اختلافا لم يعهده !
التقت عيناهما،فابتسم ،ثم تقدم إليها متسائلا :
-ألا تعجبك الموسيقى الشعبية ؟
_لا تعجبني الموسيقى الصاخبة..ولا أدري لم انا هنا بالضبط ؟! ربما كنت بحاجة لتغيير الجو ..لا غير…لكنني لا أحتمل مثل هذه الأجواء…
استدارت سعاد تنوي مغادرة المكان ، ليلحق بها “طارق” مقترحا مرافقتها الى مكان أهدأ …

لم يكن من السهل دخول شخص بحياة سعاد، لهذا فقد رفضت طلبه،بامتعاض،وغادرت المكان،دون أن تقرأ ملامح الخيبة التي ارتسمت بمحيا طارق ..
وكأنه كان يعلم ان حبات المطر لا تمطر الا نادرا ، بمواسيم الصيف.. وان كرم الأقدار يختار من الوجوه من تصاحبه ! فانتفض كمن ينفض عن وجهه ذاك الغريب،فربما إذا صاحب القدر ، جمعهما، بموعد..ولو لاحقا !!

اختلت سعاد بنفسها تستعرض سكة قطار لم يصل،قطار لا زالت صافرته تترنح أمام أشباح ماض لم يندمل…البوم صور اختصر كل محطات حياتها الأليمة،فليست مستعدة أن تضيف صورا جديدة الى ذاك الألبوم ! ليست مستعدة أن تلبس مواعيد حياة أخرى..وتفاصيل أخرى..تضيفها إلى دفتر ذكريات يكاد يقلب أمعاءها وجعا !!
– ما الذي يحاول أن يحيكه قدري هذه المرة ..!
قالت وهي تشطف وجهها بماء بارد، وتخترق نظراتها زجاج مرآة مضببة، لم يطلها منديل نظافة…
وبلطف شديد،تحسست سعاد وجهها بالمرآة، اماطت الضباب ليكشف عن وجه تكاد لا تعرفه..!
عينان لوزيتان بنيتان غرقت بهما سحابة حزن، يزينهما حاجبان مرتبان وكانهما حارسا أميرة صغيرة..
أنف صغير ممشوق يعلو شفتان مكتنزتان وكانهما فراولة تغري الناظر باقتطافها بموسم ..او بدون موسم..
تحسست شعرها الناعم وكانها تحاول ان تكتشف لم كان ذاك الشاب يختلس إليها نظراته الطويلة..
كان لطيفا بعرضه حين اقترح عليها العودة الى المكان بنفس الموعد، فالسهرة ستحتضن موسيقى عصرية متنوعة ، وكان ألطف حين انسحب تعلوه حمرة خجل ..كان مختلفا …وهذا يكفي لأن يأخذ حيزا معها بنفس المرآة..مرة تراه..وأخرى تراها….
فهل تقبل العرض، وتذهب لملاقاته بنفس الموعد ؟
هذا الصيف كان يبدو مختلفا، حرارة جعلتها تسجل حدثا بصفحة مذكراتها :
اليوم الثاني..ذاهبة لتنقيع جسدي..وراسي…ولم لا..ربما قلبي بعيدا عن حرارة البيت !
سعاد..حين سلمها جدها مفاتيح بيته بمدينة الرباط، قدم لها نصائح من ذهب الأجداد وخزائنهم الثمينة، اوصاها أن تتفرغ لدراستها، وان تحترس من ذئاب المدينة، فلا شيء يثير شهوة الرجل أكثر من جسد متبرج، متعطر …وهي كانت تعشق عطر الحياة !
انتهى الموسم الدراسي،لكنها لا تقوى على العودة،إلى مدينتها الصغيرة، وكيف تعود وهي تحمل جرحا داميا أولهما، رسوبها..وثانيهما خطيئة ..بقلب البيت !
كيف تستطيع أن تحكي لأهلها أن قدرها تربص لها ليلا، حين كانت تحاول إنزال قنينة الغاز الفارغة لاستبدالها بأخرى وتواصل طبخ شربتها المفضلة “الحريرة”…بتلك الليلة السوداء !
كان يوما مشؤوما حين حاك القدر بين شاب يحاول المساعدة..وفتاة لا حول ولا قوة لها…
شاب صعد السلم ملاكا،ليعود مدرجا بسواد الخطيئة !
اغلقت سعاد البوم صور الماضي منتفضة بين المطرقة والسندان..
كان ماضيها مطرقة لا زالت تطرق رأسها الصغير..والسندان وجه جديد..إسمه..طارق !

بقلم رشيدة محداد

يتبع …..

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

عن نضال ابوغربية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

( إشتقتُ عينيكِ ) ***** قصيدة ****** للأديب والإعلامي ******** ( يحيى عبد الفتاح )

Spread the loveقصيدة ( إشتقتُ عينيكِ )   إشتقتُ عينيكِ مازلت أبحث ...