الرئيسية / المقالات الأدبية والثقافية / * قراءة ورؤية تحليلية ونقدية لديوان ” جدار الأعين الخرساء ” للشاعرة د/ هناء البواب *

* قراءة ورؤية تحليلية ونقدية لديوان ” جدار الأعين الخرساء ” للشاعرة د/ هناء البواب *

Spread the love

قراءة ورؤية تحليلية  ونقدية  لديوان ” جدار الأعين الخرساء” للشاعرة  د. هناء البواب
إعدادالشاعر والناقد/ د.محمود يونس ( ج م ع)

*******************************************************************

**حقيقة من فضائل مجلس الكتاب والأدباء والمثقفين العرب علىَّ ، أننى عرفت أ.د الشاعرة / هناء البواب ، من خلال التعاون الأدبى بيننا فى شئون المجلس .
**وعندما أخبرتنى بقدومها لمصر لمشاركتها فى إحدى الأمسيات فى حب مصر، وكنت قد علمت – وباركت لها – إصدار ديوانها الأول(جدار الأعين الخرساء)، بعد ما قرأت لها بعض الأعمال القليلة جداً على موقع التواصل الإجتماعى ، التى كانت تنشرها على مواقع المجلس الإلكترونية ، وإذا بها بمنتهى الفطنة والذكاء تحضر لى نسخة من إصدارها الأول ، بحكم معرفتها بالقراءات والرؤى التحليلية التى أعدها عن بعض الأعمال التى تستهوينى فأوليها اهتمامى ، وكأنها تقول لى بكل ثقة إقرأ واستمتع وقل ما شئت ولا تجامل أو تخجل ، فليس فى الآراء النقدية النزيهة أية مجاملة .
** أخذتُ أقلِّب صفحات الديوان ، وإذا بى أجد آراء قد وضعها أساتذةٌ ، لى ، فماذا أكتب بعد أن كتب أ.د / صلاح الجرار ، وأستاذى / راشد عيسى (عمان)، وكنت كلَّما هممت بكتابة حرف تراجعت ، إحتراماً لمن لا يُكتب بعدهم حرف ، ولكن هيهات هيهات أن أقاوم الكنز الذى رأيته مفتوحاً أمامى ، وانتهى بى الأمر بأمنية وهى ، إضافة ولو حرف واحد بجوار كلمات أساتذتى الأفاضل.

**وعندما قلَّبت صفحات الديوان ، إذا بى أجد بعض االصور التعبيرية والكاريكاتيرية واللوحات الإبداعية ، ومن خلال قرأتى للمقدمات ، عرفت أن شاعرتنا قد حباها المولى عز وجل بمواهب متعددة ، فالأمر لم يتوقف عند النظم الجيد للشعر فقط ، فهى فنانة تشكيلية وباحثة ومخرجة مسرحية ، وهذا بلا شك يزيد من أعباء الدارس والناقد لمثل هذا المبدع ، لأنه سيوظف كل إمكانياته الإبداعية فى أعماله ، ولابد أن يقيم العمل وفقاً لكل ما توفر فيه من إبداعات أضافت إليه ، ولابد من إبرازها والوقوف عندها ، لكى يأخذ حقه كاملاً دون تقصير .

**ومع بداية تعايشى مع إبداعاتها الشعرية طالعنى نص “عيناك َ معبد” فأخذنى الفضول لمعرفة من هو معشوقها الذى عيناهُ معبد ، ذلك الذى بدأت عنوان نصها بالتغزل فيه ، فإذا بى بعد أن قرأت عدة أسطر أكتشف أنها تضع الشروط التى تتمنى أن تراها فى فارسها ، لكى تصبح عيناه معبد لعشقها ، وكيف انتابها الإحساس بأنها ربَّما لن تجده ، فقد جعلته من حكايا و أساطير ألف ليلة وليلة ، ذلك الفارس الممطى للخيول العربية عامة ، ثم خصصت وجوده بعد ذلك ، عندما قالت أنها ربَّما تجدهُ فى القصور البابلية بالعراق أو فى مصر التى تشتهر بحكايا ألف ليلة وليلة.

حين يغدو العشقُ فى عينيكَ
معبدْ
وخيولاً عربية
وقصوراً بابلية
وحكاية …
من حكايا ألف ليلة ...

**ثم تقول لنا أنها إذا ما وجدت ذلك الفارس سترفع صوتها وتعترف أنها وجدت حبَّها الكبير ، فارسها الذى سيكون العشق فى عينيهِ غابة ، تُقتَل فيها بحراب العشق ، وستجعل من السحب جواداً تمتطيه لتذهب له مسرعةً ، وتعترف بأن عيونه فيها قتلٌ ودمارٌ واغترابْ ، فهى تهواه فى كل الأوضاع التى آلمتها داخل الوطن من حرب وسلام وارتياح وعذاب .

أرفع الصوت وأشهد:
أنك الحب ُ الكبير
حين يغدو العشقُ فى عينيكَ
غاية….
يُقْتَلُ العشق ُ فيها بالحراب
أمتطى ظهر سحابة
أنادى :
آآآآه ياتلك العيون
فيكِ قتلٌ ودمارٌ واغتراب
إننى أهواك حرباً وسلاماً
وارتياحاً وعذاب

**ثم تمضى بنا شاعرتنا ” البواب “على ” جسر الممر” – فى القصيدة التى وضعت لها هذا العنوان – من خلال مخاطبتها لابنتها ، التى كانت هى الجسر والممر لمجيئها للحياة ، فإبنتها كانت وجوداً فى علم الغيب قبل أن يسجد لله من الخلق ملك ، وقبل أن يضاء فى الأفق فلك ، لقد كانت قطرة ستنحدر عندما يأذن لها العلى القدير أن تنحدر، فى غدٍ يرقبها فى الميعاد الذى قدره المولى وقت بدء الخليقة مثلما قال لأدم كن فكان .

ياابنتى
قبل أن يسجدَ لله من الخَلْق مَلَك
قبل أن يُسرَجَ بالضؤ من الأفْق فَلَك
……………………………………
…………………………………..
…………………………………..
…………………………………..
…………………………………..
ربما كنتِ نداءَ الله يا آدمُ كُنْ

** ثم تعود لتنادى وتخاطب إبنتها مستخدمة نزعتها وثقافتها ومخزونها الدينى فى تذكيرنا بقدرة الخالق على كل شىء ، وكم طوت روح أبنتها منذ أن كتبها الله فى علم الغيب من عمر فسيح ، فكانت مصدر سعادتها ، مثلما كانت السعادة والأمن على أتباع نبى الله نوح ، وصبر نبى الله اسماعيل على الذبح ، والنور الذى أضاء درب نبى الله عيسى ، وانتصار موسى حين ألقى عصاه على فرعون والسحرة ، ذلك النصر الذى لم يكن يعلمه حين تبارى مع الكفر . 

ياابنتى كم ذا طوت روحُك من عمرٍ فسيح
ألقا قد رفَّ بالأمن على أتباع نوح 
…………………………………..
…………………………………..
…………………………………..
…………………………………..
…………………………………..
يلجمُ الكفرَ … ويُصمى بالهدى من كفرا؟!

**ثم تعود مؤكدة ومنبهة من خلال النداء لإبنتها ياإبنتى ..يا أنتِ .. ياعمر المدى والأزل ، يا من كتبكِ الله عنده عند بدء الخليقة وستظلين ممن أبدع إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

**ثم تساءل إبنتها ، أى سر من أسرار الكون الذى شكَّله وأبدعه الله فيها ، ربما يكون المولى خلق الأرض لتقبل عيشها وعيش عباده عليها ، وهل هى كانت فى رحلة حياتها المدخل الذى جعلها تعبر من خلاله لهذا الكون والخليقة .

أى سرٍ فيكِ من سر الوجود المشكل ؟!
هذة الأرضُ تراها خُلقتْ كى تُقْبَلِى ؟!
وأنا هل كنتُ فى الرحلة درب المُدخل ؟!

**ثم تختم جسر ممرها كما بدأت البناء الدرامى للقصيدة ، بالنداء والمخاطبة لإبنتها ، وأنها بسمة عمرها ، والشوق الذى جنته بعد السهد والصبر ، وأنها كلما نظرت إليها حمدت الله على أنها كان لها دوراً فى إعمار هذا الكون من خلالها ، وأنها كانت جسر الممر الذى أوجدها للحياة .

يا ابنتى … يابسمةَ الحلم على آفاق عمرى 
ياجَنَى شوقٍ رواه السهدُ فى واحة صبرى 
كلما أبصرتُ فيك الله آمنتُ بدورى 
وحمدتُ الله أن كنتُ أنا جسر الممر

**ثم تنتقل بنا إلى قصيدة ” الصندوق الأسود ” ، ومع أول نظرة لعنوان القصيدة تعلم أنك بصدد أسرار شديدة الخصوصية ، فصندوقها الأسود يرتبط بمكنونات ذاتها ، ونلاحظ أنها نسجت القصيدة بصيغة المذكرأحياناً وبصيغة المؤنث أحياناً أخرى ، وهذا وارد فى مواضع عديدة بالديوان ، ولما لا وهى تحمل على عاتقها قضية الوطن ومدى الآلام التى أحاطت بها من جراء ما يحدث فيه ، فهى تحمل قلماً كالسيف ، والسيف خلق للرجل ، لذا فهى كثيراً ما أستخدمت وعبرت فى أعمالها بما عجز عنه الكثيرون من الرجال ، فمن تهتم بهموم الوطن طبيعى ومنطقى أن يكون شِعرها خالياً من مستحضرات التجميل .

**ونلاحظ فى بداية القصيدة بخلاف استخدامها صيغة المذكر والتى إتضحت فى ( أجلس مهموماً ) أنها بدأت بمقومات الحياة الضعيفة التى تمثلت فى ، بيت النمل الهش ، وكسرة الخبز ، والقشة ، التى يستخدمها النمل فى بناء بيته ، والرغبة فى الخروج من قفص القيد والسأم الذى أصبح صندوقاً أعمى ، وهنا نلاحظ جمال الربط بين السواد وبين العمى فهى لم تقل صندوقى الأسود ولكنها إستخدمت الاستعارة ودلت عليه بشىء من صفاته ، حين قالت صندوقى الأعمى ، فالأمر معها لايصل للخروج من ذلك الصندوق فقط بل من الحياة نفسها حين قالت ( من بدنى ..؟!)

بينَ بيوتِ النملِ الهشة ..
وكَكِسْرَةِ خُبزٍ ملقاةٍ 
أو قَشَّةَ ..
أجلسُ مهْموماً
بوساوسَ شتَّى .!!
أنتظرُ نَجَاتِى ..
وخُروُجِى من قَفصِى .!!
من سأمى .!!
من صندوقى الأعمى .!! 
من بدنى .؟1

**ثم تتساءل من شدة إظلام الحياة وقيودها وعدم الحرية المفروضة عليها ، متى يأذن لها المولى أن تمضى صوب ضريحها ، لكى تغتسل من الأوساخ التى خلفها الصندوق المظلم عليها ، بل وتغسل حذاءها الذى أوحلت به فى تلك الأوساخ ، لكى تحطم قيودها وتمزق ثوب الموتى على جسدها ، وتهاجر فى غابة ورد سحرية ، حيث تعيش الارواح ، بلا أسوار ، وبلا صندوق أسود ، تاركة صرخاتها ورعبها وذلاتها ، مستخدمة الروح فى صيغة المذكر كما أشرنا ، ثم تعود مرة أخرى فى نهاية القصيدة مؤكدة على ماقلناهُ مرة أخرى عندما قالت” وأصير سماوياً “وتطهر وجهها بنور الأبدية ووقتها ستنعم برحيق الحرية 
أن أفلت من قبضته .؟!
أن أمضى صوب ضريحى .؟!
حتى أغسل من وسخِ
الصندوق حذائى .!!
وأحطم قيدى .!!
وأمزق خرقة جسدى .!!
وأهاجر فى غاية ورد سحرية .!!
حيث الروح بلا أسوار ..
فتطير تطير حمائم روحى .!!
وسأقلع عن صرخاتى ..
عن رعبى – عن زلاتى
وأصير سماوياً..
وأطهر وجهى بشعاع
من نور الأبدية
وهناك – سأغدو
ولأول مرة –
ثملاً برحيق الحرية
فمتى يؤذن لى

**ثم تنقلنا شاعرتنا إلى قصيدة ” قمصان الشمس ” التى ترى فيها أن نفسها لا تصبح نفسها، حتى تتبدد نوراً فى أرجاء الوطن المظلم ، وقلبها لا يهدأ إلا إذا أحس بالمكلومين ، وخروج الحب الذى يملأ كل جوارحها ، ليغمر كل الكون ، ويغسل قمصان الشمس المتسخة ، من القلق المطبق فوق الأرض ، من انتشار الجوع ، والمنفى ، لأجيال عانت ، ممن نهبوا حق الآخر ، وداسوا على رؤوسهم .

حب يغسل قمصان الشمس المتسخة
من وحشة هذا القلق المطبقِ
فوق تُخوم الأرضْ
……………………….
………………………
………………………
………………………
………………………
……………………..
………………………
داسوا فوق رؤوس خرت ساجدةً
مهزومةْ..!!

** ثم تمتعض من الأفعال التى ترتعد لرؤيتها الشمس ، حين تتحول العفة عن مجراها ، وتصبح الأرض كالقنديل المغرى ، كالغانية التى تفتن من يقابلها ، أرض تقبع فيها بالأكفان انتظاراً للموت ، أرض تظل فيها المشكلات بلا جدوى للحلول ، وتمر السنون والسنون ، وتقام البيوت والدكاكين على رفات الموتى ، تلك هى المهزلة الكبرى .

أرض تركضُ فيها بالأكفانْ
تنتقل فى كل غياهبها
فى كل مكان ..!!
…………………….
…………………….
……………………
……………………
……………………
……………………
…………………….
من هذى المهزلة الكبرى ..!!

**ثم تقول لنا أنها لن يفزعها الموت ، بل ستعود إلى وطنها الأول الذى حدثتنا عنه فى قصيدتها ” جسر الممر ” حيث الليل صباح ، ولايبقى إلاصوت الحب ، وستكسر قيدها ، لأنها ستسكن فجراً تبزغ فيه الشمس ، ولا تغرب أبداً ، يكون الماء خمراً لذة للشاربين ، وأنها لن تترك عشقها لوطنها ، ولن تهجره حتى تزرع جسدها فى أرضه ، ويصبح وجهها شجرة ورد فى بستانه .

لن أترك عشقى .. لن أهجرَ
معشوقى ..!!
حتى أزرعَ جسدى فى أرضهْ
حتى يصبح وجهى شجرةَ ورد فى بستانه ..!!

** ثم تنقلنا شاعرتنا البواب إلى قصيدة ” جدار الأعين الخرساء ” ، والتى فيها تودع أحبابها بحزن وشجن وأنها ستنسى كل الماضى الذى أضاع مافات من العمر فى لهو ووهم أضاع الأيام ، وطواها معه.

وداعاً أيها الأحبابُ … ماقد مر يكفينا
وما قد ضاع فليذهب …سأنسى كل ماضينا
سأنسى أننا حينا … قطعنا العمرَ لاهينا
وفوق موائد الأوهامِ بعثرنا ليالينا
طوينا العمر لم نشعُر وكان العمرُ يطوينا

**ثم تعود وتناجى أحبابها ، أن يَدَعوها تحمل ما تبقى من عمرها ، سائرة فى طريقها الوعر ، بما تحمله داخلها من قضايا وهموم الوطن وما ألم به ، زادها فى رحلتها بعض أشواقها ، فرفاق الحب ما عادوا هم الرفاق ، فلم تعد الأشياء الجميلة والتألم للآخرين يشغل بال أحد، ولا عاد للهو العابث ضجيج ، وكأن الوطن موتى لا إحساس لهم بشيء .

دعونى أيها الأحبابُ أحملُ عمرىَ الباقى
وأمشى فى الطريق الوعرِ زادى بعضُ اشواقى
رفاق الحب ياأحباب ما عادوا كما كانوا
فما أصغت لشدو الغادة الشقراء آذانُ
ولا ضَجَتْ للهوِ العابث المِمراح أركانُ

**ثم تخبرنا بأن جدار الأعين الخرساء التى لا تستطيع أن تقول ما تريد ولا يفهم ما تقوله أحد ، يمنع توصيل ما تريد أن تعبر به ، كما لوكان صمت ألحان يفزعها ، ويزلزل أعماقها ، بل تعود وتؤكد لرفاق الأمس أنه لم يعد هناك أحباب ولا أصحاب ولا إنتشاء ولا لحظات جميلة يتوه فيها العقل عن الواقع المؤلم. 
وهنا ربطت شاعرتنا بين الكأس التى بات يتجرعها – مع الألم والمأساة التى يعيشها – الأحباب والأهل والوطن ، وصمت الحانات المفزع ، فلقد أًصبح كل ما حولها ضباب ، هيهات هيهات أن ينزاح .

عيونٌ ترقب اللاشىء.. تبريحٌ وكتمانُ
وكأسٌ بات يجرعٌها مع المأساة أسوانٌ
جدار الأعين الخرساء يحجبُ طلق آفاقى
وصمت الحان يٌُفزعنى … يزلزل كل أعماقى
دعونى يارفاق الأمس لا صحبٌ ولاراحُ
ضباب كل ما حولى … وليل ثمّ ينزاحُ

**ثم تعود وتتساءل فى شوق وحنين إلى الماضى والديار وأنس الأحباب وهل يبقى للمشتاق بها مايتمناه بعد أن مضت ليالى الأنس بها ، وغاب الحب والأحباب .

ديار الأنس هل يبقى بها أربٌ لمشتاق
وقد فُضَّت مسامرها ..
وغاب الكأس والساقى ؟!

**ثم تدعو الأحباب أن ينتشروا بعد أن فاضت عيون النبع ، وأن لا جدوى من الإنتظار فى السفح ، ففوق التل ضارى الوحش ، إن لم يتم التصدى له ومواجهته سوف لايبقى أخضر ولا يابس ، وهنا استخدمت كما أشرنا مخزونها الثقافى الدينى فى تشبيهه بجهنم فى ” لا يبقى ولايذر؟!”بالصيغة الإستفهامية التعجبية ، وإذا لعق كل من أتى إليه فمن سيكون بعد ذلك ليتصدى له ، إن كل شىء سيصبح بعد ذلك سراب .

لقد فاضت عيون النبع يا أحباب فانتشروا
وفوَّحت الزهور النضر والأوراق والثمرُ
…………………………………………..
…………………………………………..
………………………………………….
………………………………………….
ودون الشمس ..لو ترنو إلينا .. سدُّ أحداقِ.

**ثم تنقلنا إلى حالة التمرد من خلال قصيدتها ” القصيدة المتمردة ” عندما صورت ما آل إليه الوضع فى القدس بالقيود الموضوعة على الكف ، والتى دلت من خلالها لعدم القدرة حتى للدفاع عن النفس ، ومدى تشتت وتشرد أولادها ، ومدى الإظلام الذى يعيش فيه لموت البدر الذى هو مصدر الضياء ، وانطفاء شموع السرمد المجهول، وكأنها افتخرت لأنها أضاءت ولو دون أن تفيد أو ينتفع بشعاعها أحد ، وكأنها تعاير الطفولة التى هى أملها فى المستقبل خلف أوضاع الحياة المأساوية الضبابية التى لايبدو من خلالها أمل فى المستقبل .

وأحاط بالكف السوار
وتشردت درر المحار واصفر وجهُ الشمسِ من خجلِ
ومات البدرُ
وانطفأت شموع السرمد المجهول …
وانتحرت تعايرُ الطفولة فى أسى خلف الضباب

**ثم تنقل لنا عندما دعيت فى آخرحفل ، وكما قلنا كثيراً ما تتقمص دور الرجل فى بعض مواضعها الشعرية التى تحمل هموم الوطن ، فصورت لنا بأنها الشاعر الذى عليه نظم قصائده ، وعلى الحضور الاستماع والتصفيق ، ولما لا وهى القصيدة الرائعة الخالية من الخلل والهنات العروضية ، التى جعلتها تتساءل ومن الخليل أمام النظم للقدس المحرم ، فاشتد التصفيق وانتشت فى غرور .

ودعيتُ للحفل الأخير…
أنا شاعرٌ وعلىّ نظم قصائدى
وعلى الحضور الاستماع
لا بأس فى شىءٍ من التصفيق … والتهليلِ
والإكبارْ
لم لا …؟؟؟
هذى القصيدةُ رائعةْ
متخضبةْ
كعروسِ حفلكم الموقرْ
من عادتى أن أنظم الأشعارَ
ما قال لى أحد بأن الوزن مكسورٌ ولا أنى خرجتُ على الخليل
ومن الخليل ..؟؟؟
فاشتد تصفيق الحضور
ونفشت ريشى فى غرورْ

** فهى ترى أن قصيدة القدس هذة هى الحقيقة المؤلمة التى صورتها، وهى التى جعلت النقاد فى حيرة من فك رموزها ، رغم أنها بسحرها وروعتها كانت حجة عليهم ، بل و لم يستطيعوا إنتقادها ، وهى القصيدة المتمردة التى ليس بها تقصير، فهى لم ينظم مثلها الشعراء ، ولم يفهمها النقاد مما جعلهم يثورون عليها ، وعلى القصيدة ، ويزعمون أنها ليست صاحبتها ، وليس لها الدفاع عنها ، لكنها ستقولها

هذى القصيدة شاهدى وهناك نقادٌ عظامْ
حاروا أمامَ رموزها
بُهِتوا لشدة أخذها ولسحرها
فقصيدتى العصماءُ تغلق بابها فى وجههم

، فقصيدتها هذه هى شاهدها ، وهى عصماء ستغلق بابها فى وجه النقاد العظام ، وستظل مفتخرة بها رغم غيبة إخوانها عن القضية ، وستظل محور خلاف بينها وبين من لا يدركون حجم وقيمة تلك القصيدة المتمردة ، وستبقى رغم انوفهم وستثور وستردهم .

لم يفهم النقاد منها أىِّ حرف
لم يدخلِِ النقاد باب قصيدتى المسحور بعد
ثاروا علىّ…
ثاروا عليها…
……………………..
……………………..
……………………..
……………………..
…………………….
……………………
……………………
……………………
……………………
……………………
فقصيدتى قدسٌ محرمْ…

**ثم تعود لتوضح لنا حجم استيائها من الوضع القائم ، وأن كل الأخوة أمام باب قصيدتها المحاصرة يتكاثرون ويشربون الخمر ويترنحون ويعيشون فى لهو ، ويسقطون ويضحكون ، فلم يعد لديهم الإحساس بالتعدى ، الذى مثلته بالشعر الطاهر ، الذى تدنس بسبب تصرفاتهم وأوضاعهم الدنيئة .

وهم ومن والاهمُ
يستوطنون أمام باب قصيدتى
يتكاثرون ليمنعوا الفجر المخبأ فى ثناياها العتيقة أن يشع
وبنوا أبى يتناولون الخمر َ…
يترنحونَ…يتساقطونَ… ويضحكونْ
وطهارة الشعر المؤصل فى ضمائرهم تدنسْ

**ورغم حملها هموم القضية ، وعدم إحساس الآخرين ومن حولها بما تعانيه ، ستظل قصيدتها تدرّس لمن يريد أن يعرف القضية ، وستظل تحمل الجثث للذين استشهدوا والحصار ومن فروا هروباً من الموت المحقق ، وستظل مقامة على هياكل الجثث من وقت الإعتداء عليها .

وقصيدتى يجتاحُها الطوفانُ يضربُ معبدَ الشمس المقدس
صارت حروف قصيدتى لغةً وأوزاناً تدرّس
ألفاظها قبر به جثثُ تكدّس
وأحاطها ذاتَ السوارِ كما أحاطَ الساعدينْ
وتشردت منها المعانى هاربةْ…
لكنها جثث قديمةْ
نصبت على أطلال هيكلها المقدسْ

**ثم تنهى قصيدتها بأنها مهما استمر الحفل ، ورغم عدم مبالاة من بالعروس والقصيدة ، ستظل تتجرع الألم من كأسها على الوطن الذى دنسه المعتدون ، مهما غرس النقاد أنيابهم فى نعش القصيدة ، التى لم تغير من الأمر شىء فى ظل الإخوة المغيبون بخمرهم .

والحفل يصدح لا يبالى بالعروض ولا العروس ولا القصيدة
والشاعر المسكين يشرب كأسه العشرين ممتزجا بماءِ الدمعِ
بالأطلال .. بالوطن المدنس …
وجماعة النقاد تغرس نابها المشحوذَ فى نعش القصيدة

**ثم ننتقل مع شاعرتنا إلى قصيدة” ألهاكم التكاثر ” ، بالعنوان الذى يحمل المدلول القرآنى ، والتى تجعلك تكمل من أول وهلة ، أن الإنسان فى النهاية سيسأل يومئذ عن النعيم ، شاعرتنا فى القصيدة تخاطب الأمة بمطرفيها وكيف أنهم إختاروا الدنيا التى غرتهم ، عندما صار شغلهم الشاغل النشاء واللهو ، ولكنهم بتصرفاتهم ما اختاروا إلا النسل الضغيف والجيل الهزيل والمال الوفير، فكان العقوق والخيانة والفساد ، وما نتج عن ذلك من فرقة واختلاف ووهن ، فام يعد لهم حناجر ترتفع أو أصوات تأتلف .

واخترتُم النسلَ الضعيفَ فعقَّكُمْ
واخترتُم الخيلَ الهزيلَ فخانكمْ
واخترتُم المالَ الوفيرَ فسادكُمْ
وتشرذمتْ أحوالكمْ
وتعقدتْ أصواتكمْ وتضاربتْ
فخبتْ لأجلكُمُ الحناجرْ

**بل أصبحت النساء من اصلابكم فواجر والإماء لم تقم لهم قائمة ، بل تسيدت الأوطان العجائز السواحر .

وغدت بغاتكم ُ كواسرْ
ونساؤكمْ صارت فواجرْ
ألهاكُمُ التكاثرْ
واستعربتْ فى داركُم إماؤكمْ
تملكت أوطَانكُمْ
عجائزٌ سواحِرْ

**ثم تعود لتخاطب الأمة وكيف أنها فقدت الحياء ولم تستطع أن تصنع شيئاً ، فاستخدمت التاريخ واجترت بعض المعجزات ولكنها فى الحقيقة إرتكبت الكبائر وقتلت نبى الله فى عتم الليالى المظلمة .

يا أمةً فقدت دماءَ حيائِها
واستجدت التاريخَ
واجترتْ فتاتَ المعجزاتْ
قتلت نبى الله فى عتمِ الليالى الداجياتْ
وشرت صكوكاً بالحناجِرْ
ألهاكمُ التكاثرْ…

**فهى أمة لم يكن اهتمامها سوى النساء واللهو والتكاثر .

المتصفح لديوان د/ هناء البواب يجد أنها نسجت قصائدها من الناحية العروضية وفقاً لنظام الشعر الحر الذى يعتمدعلى نظام التفعيلة فى البناء العروضى للقصيدة دون الإخلال بعروض الشعر العربى ، تلك المدرسة التى تعطى مساحة لحرية الإبداع لدى الشاعر ، بحيث تخرج الدفقات الشعورية فى قوالب منتظمة عروضياً وغير متساوية التفعيلة فى السطر الشعرى الواحد .
د/ هناء البواب شاعرة متمكنة تماماً من ميزانها العروضى وتعلم ماذا تفعل جيداً ، كما أنها كذلك من الناحية اللغوية ، ولما لا وهى استاذة للغة العربية .

**فى قصيدة (عيناكَ معبد) نسجتها شاعرتنا من ” بحر الرمل” الذى هو أساس تفعيلته ” فاعلاتن ” واستخدمت الخبن كزحاف مفرد فى مواضع كثيرة ، حيث قامت بحذف الثانى الساكن فى كثير من المواضع العروضية للسطور الشعرية فجعلت ” فاعلاتن ” ” فعلاتن “، كما أنها استخدمت التفعيلة المقصورة أحياناً وكأنها تستخدم الضرب المقصور فى الشعر العمودى فى مواضع أخرى فجعلت من “فاعلاتن ” “فاعلات ” ، ثم جمعت بين الإثنين ” الخبن ” و ” القصر ” فى التفعيلة فجعلت من “فاعلاتن” ” فعلات ” ، ومن المعروف عروضياً أن ” الخبن ” يدخل فى حشو هذا البحر فى جميع أعاريضه وأضربه وفقاً لأساس القياس التفعيلى وهو الشعر العمودى الخليلى.

** وفى قصيدتها ” جسر الممر ” أيضاً نسجتها من نفس البحر ” الرمل ” واستخدمت ما أشرنا إليه عالية إلا أنها استخدمت فى سياق نسجها للبحر ” الحذف ” كأحد أشكال العلة بالنقص فجعلت من ” فاعلاتن ” ” فاعلن ” ثم أدخلت عليها ” الخبن ” لتصبح ” فاعلن ” ” فعلن ” ، وبالتالى تكون قد وصلت بــ ” فاعلاتن ” إلى ” فعلن “.
كما أنها تفضلت ووضعت لنا علامة السكون على لام كلمة (كِلْمَة )فى جملتها الشعرية 
( نبعت من كِلْمَة ثم انثنت منحدرة ) ، فهى تعلم ماذا تفعل ولولا فعلت ذلك لأدخلت الفاصلة الكبرى فى العروض وهذا غير جائز ، ولم يرد فى تفعيلة من عروض الشعر العربى ، مما يتضح لنا من خلاله أنها تعلم ماذا تفعل ومدى إدراكها وتمكنها وفهمها الجيد لصياغة نصها عروضاً ولغة .

** كما أن شاعرتنا نسجت قصيدتيها ” الصندوق الأسود / وقمصان الشمس ” من بحر المتدارك الذى هو أساس تفعيلته ” فاعلن ” وهو بحر يعطى للمبدع مساحة من الإنطلاق العروضى داخله ، بحيث يمكن خبن ” فاعلن ” فتصير ” فعْلن ” ، أو استخدم (فعلن ) بفتح او كسر العين ، أو ما إذا جاء ورائها سبب خفيف وكأنها أصبحت فاعلاتن ، ودخل عليها التشعيث بحذف أول الوتد المجموع بحيث تصبح ” فاعلاتن ” ” فالاتن ” ، وأضاف الشاعر سبب خفيف قبلها أو بعدها ، وبالتالى تصير تفعيلتين للمتدارك المخبون ، أو تم استخدام القطع بحيث يتم حذف ساكن الوتد المجموع فى آخر التفعيلة فتصبح ” فاعلن ” ” فاعلْ ” ، وبالتالى تستخدم تفعيلة البحر الأساسية بأشكالها المتعددة ( فاعلن / فعْلن / فعَلن / فعِلن / فَعَلن / فاعْل / فاعلُ ) وراء بعضها البعض وفقاً للدفقات الشعورية والشعرية للشاعر . ، وكل هذا فعلته شاعرتنا المبدعة البواب فى قصيدتيها .

** أما قصيدة ” جدار الأعين الخرساء ” التى جاء الديوان بإسمها ، فقد نسجتها شاعرتنا من بحر” الهزج ” الذى أساس تفعيلته ” مفاعيلن ” إلا أنها استخدمت خلال النظم مفاعلْتن وهو عصب الوافر الذى تصبح فيه” مفاعلتن ” 
” مفاعيلن ” وهذا جائزعروضياً فى البحرين لأنهما من فصيلة الأبحر المتشابهة .

**أما بالنسبة ” للقصيدة المتمردة ” فشاعرتنا نسجتها بحرفية شديدة من بحر “الرجز” الذى أساس تفعيلته ” مستفعلن “، ولا بأس إذا ما تخلله فى مواضع قليلة ” متفاعلن ” ، حيث لا يجب أن تحمل القصيدة كاملة على بحر الكامل المضمر لوجود متفاعلن فى بعض الأسطر الشعرية القليلة التى جاءت بها ، لكون البحرين من الأبحر المتشابهة أيضاً .
وشاعرتنا إستخدمت ” الحذف ” كأحد أشكال العلة بالنقص وحذفت السبب الخفيف من آخر التفعيلة فجعلت ” مستفعلن ” مستفع كما جاء فى :-

لا بأس فى شىءٍ من التصفيق …. والتهليل 
والإكبار

ثم عادت واستخدمتها فى موضع آخر كما جاء فى :-

تأبى على العقلاء والخطاب 
هى قدس أقداس الوجود وموطن الإعجاز والإبداع 
وبنو أبى يتناولون الخمر

ثم استخدمت ” الحذذ ” أيضاً كأحد أشكال العلة بالنقص وحذفت الوتد المجموع وتركت المتلقى يكمله من عنده فى موضع النقاط والإستفهام

لم لا ….؟؟؟

ثم عادت واستخدمتها مرة أخرى كما جاء فى :-

لم يحوها طير ٌ بحوصلةٍ ولم ينزف بها قلمُ
أنا لست صاحبها ولا لى أن أدافع عن معانيها

كما أنها استخدمت الترفيل كأحد أشكال العلة بالزيادة عندما أضافت لــ ” مستفعلن “سبباً خفيفاً فى نهايتها .
فأضافت لموسيقى القصيدة جمالاً بالقوافى ذات الجَرْس والوقع النغمى الرنان على أذن المتلقى 
( كعروس حفلكم الموقر )

ثم عادت واستخدمتها فى عدة مواضع أخرى 
ثاروا على َّ
ثاروا عليها 
……………
فقصيدتى قدس ٌ محرم 
………………………
لكنها جثث ٌ قديمة 
نصبت على أطلال هيكلها المقدس 
والحفل يصدح لا يبالى بالعروض ولا العروس ولا القصيدة 
………………………………………………………………..
الوطن المدنس 
……………..
وجماعة النفاد تغرس نابها المشحوذ فى نعش القصيدة 
………………………………………………………..

**أما بالنسبة لقصيدة ألهاكم التكاثر التى عنوانها جاء بمدلول قرآنى وظَّفتهُ شاعرتنا لتوصيل المعنى والرسالة التى أرادت أن تقولها لنا .
شاعرتنا نسجت قصيدتها من بحر” الرجز” الذى اساس تفعيلته ” مستفعلن ” وأحدثت بعض التراكيب العروضية التى خدمت المعنى والسياق ، حيث جاءت بداية القصيدة بالدفقة الشعورية التى حملت نفس الجملة العنوان ” مستفعلن فعولن ” ، واستخدمت نفس الجملة العروضية فى مواضع أخرى فى توظيف رائع لإحداث الموسيقى الخارجية لدفقاتها الشعورية سواء بــ “مستفعلن أو “مستفعلن” المخبونة لــ “متفعلن” كما جاء فى :-
عجائزٌ سواحر 
ألهاكم التكاثر

كما أنها فى موضع آخر أدخلت تركيبة عروضية باستخدام مستفعلن المرفَّلة بإلحاق سبب خفيف بها لتصبح ” مستفعلاتن “التى لو تم تجزئتها عروضياً ستصبح ” فعْلن فعولن “، وبالتالى فإنها استخدمت فى بعض نهايات الجمل العروضية ” فعولن ” مع ألهاكم التكاثر التى تفعيلتها الثانية فعولن كما جاء فى مواضع عدة كالجمل الشعرية :-
فخبت لأجلكم الحناجر 
وغدت بغاتكم كواسر 
ونساءكم صارت فواجر 
وشرت صكوكاً بالحناجر 
ألهاكم التكاثر

كما أنها بما أرادت به أن تخدم موسيقى القصيدة استخدمت فى بعض المواضع تفعيلة الرجز المذيَّلة وذلك بإضافة متحرك عروضى فقط لنهاية التفعيلة ” مستفعلن ” لتصبح ” مستفعلات ” ، والتى تخدم أيضاً موسيقى القصيدة لاشتمالها على ” فعْلن “” فعول” كما جاء فى بعض المواضع :-
واستجدت التاريخ واجترت فتات المعجزات

وكما قالت :-
قتلت نبى الله فى عتم الليالى الداجيات

**ونلاحظ مدى تمكن شاعرتنا / د. هناء البواب ، من أدواتها اللغوية والعروضية ، وكيف استطاعت أن تتلاعب بعلل الزيادة والنقص ، فى العديد من المواضع العروضية لقصائدها لإحداث الموسيقى التى تخدم القصيدة ذات الجَرْس والإيقاع النغمى الرنان بأذن المتلقى .
** وفى نهاية الدراسة التحليلية والنقدية لديوان ” جدار الأعين الخرساء ” للشاعرة / د. هناء البواب ، لا نملك إلا أن نحييها على إبداعِها ، ونتمى لها دوام التوفيق ، إنتظاراً لإبداعاتها القادمة **تحياتى لها .
إعدادالشاعر والناقد/ د.محمود يونس (ج م ع )

تحرير: محمد صوالحة

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

عن محمد صوالحة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لأني أحبك

Spread the loveولأني أحبكَ .. ألِفْتُ شوقيَ الجائع على بابِك يتسولُ خبزاً ...