قراءة عاشقة في أوان القطاف للقاص عبد الرحيم هري

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 21 يونيو 2015 - 8:12 مساءً
قراءة عاشقة في أوان القطاف للقاص عبد الرحيم هري

أولا عنوان المجموعة أوان القطاف كما قرأته يحيلني على النضج وعلاقته بالاكتمال.. يحيلني أيضا على قرب النهاية والتطلع إلى بداية جديدة.. القطاف يحيلني أيضا على مرحلة تدفق الخيرات..مرحلة العطاء ..مرحلة جني الثمار..مرحلة منتظرة ..بعد جهد وتعب وعناء وكد وعمل..وفي النهاية يحيلني أيضا على موسم الفرح..أوان القطاف تجربة قصصية للقاص عبد الرحيم هري..يبقى لعنوانها دلالات نافذة ..موغلة في العمق..أثارت في نفسي التساؤل والسؤال..سحبتني لقطف المزيد من الثمار..من داخل المزرعة لأرضي فضولي وأتذوق حلاوة كل قطف عن قرب..
أوان القطاف ..مجموعة قصصية للقاص ع الرحيم هري الصادرة عن مطبعة 2015وراقة البوغاز بمكناس..في سنة
أول قطاف ..كان .. الإهداء ..مختلف . أربعة أسطر..جامعة ماتعة ..رائعة في صياغتها ومضمونها ورسائلها العميقة..كانت كافية لتقول الكثير ..ولتستفز ائقة القارئ ليتوغل اكثر في هذه الحديقة الغناء.
وأنا أتصفح النصوص وأجس نبضها لأنتشي بقطافها ..أثار انتباهي تنوع مواضيع ودلالات النصوص ..وغنى المعجم اللغوي الذي اعتمده الكاتب.
النصوص قصيرة ..كل نص أخذ حيز صفحة أو أقل باستثناء نصين . وهذا ليس بخلا من القاص المقتدر بقدر ما هو ذكاء المبدع البارع الذي يكتفي بالقليل ليقول الكثير والكثير,أغلب النصوص مفتوحة تفتح أمام القارئ باب التأويل وآفاقا أكبر وأوسع لولوج النص من موقعه كذات مستقلة تماما وكليا عن ذات الكاتب..محركة السواكن بداخله لتخلق منه عنصرا فاعلا وفعالا في عملية الإبداع و سيرورته واستمرار بناء معنى محتمل للنص حيث يجد القارئ نفسه أمام مساحات حرية تستفز أولا ذائقته كعاشق للحرية وللكلمة وكمساهم في بناء معنى يفك طلاسيم النص ويتماشى مع تفكيره وفقا لرؤيته الخاصة كما يحثه على التفكير بعمق أكبر نظرا لارتباط المواضيع بالمجتمع والإنسانية وتناقضات الحياة وأوجاعها والانتظارات المستقبلية والانكسارات المتتالية.
تجربة عبد الرحيم هري ’تجربة قصصية مميزة مضمخة بالواقع حيث يستحضر في نصوصه الماضي كركيزة أساسية للحاضر ويتطلع لأحلام المستقبل بكل ما تخفيه غيوم اليأس منها. فجاءت النصوص مقنعة في بناءها ممتعة بأحداثها. مدهشة وأحيانا صادمة في نهايتها لكن كلها هادفة في معانيها ورسائلها.
للقاص عبد الرحيم هري قدرة كبيرة على تطويع اللغة واختيار الأنسب والأنجع لتبليغ المعنى,نصوصه عبارة عن لوحات فنينة رسمت بريشة فنان يتقن مزج الألوان للحصول على لونه الخاص به والذي يميزه خصوصا حين يضعه في قالب مشاعر إنسانية متوافقة أو متناقضة وأحاسيس متدفقة مستمدة مواقفها من الواقع اليومي المعاش لأغلب الناس , مما يجعلها قريبة إلى فكر وواقع القارئ.
تجد الكلمات داخل النص وكأنها على خشبة مسرح تراقص بعضها في تناغم تام وانسجام مدهش. فتتمنى أن تطول الرقصة وتطول..
بحنكة القاص المتمكن من أدواته والمبدع صاحب الخيال الواسع تأخذك نصوصه بلغة رقراقة منسابة كمياه شلال عبر كلمات منتقاة بعناية تامة إلى عالم النص لتعيش أحداثه بكل تفاصيلها وكأنك محور الحدث.
معتمدا على الاختزال والتكثيف ولغة شاعرية راقية تجده يصور العالم الواقعي بأسلوب شيق يغلب عليه طابع الرمزية والتمويه وهي دعوة مفتوحة للقارئ للغوص أعمق وأكثر في قضايا محيطه وطرح التساؤلات والتعايش مع التناقضات التي يفرضها سياق النص حين يصور بدقة الأوجاع التي يعيشها الفرد كذات قائمة أو كفرد داخل جماعة ومحيط ,عليه التعايش معهما وذلك بأسلوب قصصي متماسك’ دون أن يغفل العمق في المعنى وفي أسطر قليلة تفتح الباب على مصراعيه أمام المتلقي ليسبح في تأويله بعيدا, وربما أبعد من خيال الكاتب نفسه..
وهنا تكمن روعة وقيمة الإبداع الذي يخلد نفسه ويجعل المتلقي مشاركا في صياغة استمرارية توهجه.
فكرة كل قصة متماسكة بلغتها واختزالاتها وكلماتها المختارة من معجم غني تخدم بناء النص وتظهر قدرة الكاتب على السرد, بالإضافة إلى أن الرمزية أضفت الكثير من التشويق على النصوص .أما عنصرا الدهشة والسخرية فقد خدما بعض لنصوص حد الروعة .كل هذه الأشياء وظفت بين دفتي أوان القطاف لتعطي نصوصا ناضجة متكاملة تعبر بحرفية عالية عن الواقع بصدق وشفافية ,وتستجيب لكل متطلبات القصة القصيرة المقنعة بأسلوبها ,الممتعة بأحداثها وطريقة سردها, الهادفة والناجحة بامتياز برسائلها الإنسانية ,التي تحمل هم صراعات ذاتية وجماعية دائمة في الماضي والحاضر والمستقبل .. تتأرجح بين الألم والأمل .. بين الحزن والفرح ..لتحمل بصمة عبد الرحيم هري بكل همومه الفكرية وهموم عالمه ومحيطه.
بعيدا عن النقد ..وأدواته ..وأساليبه .. كانت هذه قراءة عاشقة لأوان القطاف للقاص عبد الرحيم هري من منظور رشيدة القدميري العاشقة للكلمة ..

رشيدة القدميري

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

رابط مختصر