في ربوع الوطن.. خاطرة علي الشافعي

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 8 يناير 2021 - 4:37 مساءً
في ربوع الوطن.. خاطرة  علي الشافعي

حديث الجمعة بقلم علي الشافعي
في ربوع الوطن خاطرة
جميلة بلادنا ايها السادة الكرام , جميلة من شرقها الى غربها , ومن اقصى الشمال الى اقصى الجنوب , اينما ذهبتم تجدوا عبق الزمان مختلطا بعبق المكان , عظمة التاريخ بعظمة الطبيعة وبهائها , وكل ذلك مرتبط بعظمة الانسان الاردني وجمال روحه , الانسان الذي عمر المكان , فنحت الجبال وشيد القصور والقلاع والمعابد والمسارح مما بقي شاهدا على مر العصور , ترك المكان والزمان لكنه وضع بصمته عليهما قبل رحيله , بصمة خالدة تحدت تبدلات الزمان وتحولات المكان , ليقول للمارين من هنا : قفوا وانظروا ؛ هكذا كنت وهكذا عليكم ان تكونوا , انا الاردن وانتم ابنائي واحفادي , ولا بقاء لغاصب او محتل على ارضي .
هذا الاسبوع كانت وجهتنا نحو اقصى شرق المملكة , وبالتحديد واحة الازرق المشهورة بحوضها المائي العذب . توجهنا وفي اذهاننا ان نزور اشهر معالمها : المحمية المائية الطبيعية بما تشتهر به من بحيرات كبيرة جاذبة لشتى انواع الطيور المهاجرة في هذا الوقت من السنة , باحثة عن دفء المناطق الجنوبية , ثم محمية الشومري الشهيرة بأحيائها الطبيعية من نباتات برية الى الحيوانات والطيور النادرة والتي هي على وشك الانقراض , فوفرت لها المحمية مكانا امنا للتكاثر , كالمها العربي والحبارى والنعام , وانواع من الثعالب وبنات اوى والذئاب والضبع الاحمر . ثم القلعة الاكثر شهرة على مدى التاريخ في البادية الاردنية , اضافة لبعض القصور الاموية التي كانت تستخدم للصيد ولاستراحة القوافل التجارية , مثل قصير عمرة وقصر الحرّانة .
كالعادة انطلقت بنا السيارة باتجاه مثلث الازرق عند الساعة الثامنة صباحا سالكين الخط الدولي الذي يربط المملكة بأختيها (السعودية و العراق ), عند المثلث يتفرع الطريق الى الحدود السعودية والحدود العراقية ومدينة الازرق في شبكة طرق حديثة وواسعة وامنة .
اول ما يقابلك عند المثلث عدد ضخم من الاستراحات ومحطات خدمة السيارات , ومحلات بيع البضائع والتحف التراثية , تدخل قليلا في قلب الواحة قرب المثلث لتصل الى وجهتك الاولى وهي المحمية المائية , حيث اكبر مسطح مائي عذب في الاردن ، وهو أكبر الأحواض المائية من سورية شمالا وحتى الحدود السعودية جنوبا حيث المياه الجوفية على مستوى سطح الارض .
تعد المحمية نقطة توقف للطيور المهاجرة الآتية من ثلاث قارات ، حيث تشتهر المحمية باعتبارها مكاناً لمراقبة ومشاهدة الطيور ، فيحظى الزوار بفرصة المراقبة عن كثب وذلك من خلال ممرات المشي والمخابئ للطيور المحلية والمهاجرة النادرة . وتقول الدراسات انه تم تسجيل أكثر من 357 نوعا من الطيور المهاجرة والمقيمة ، كما وتعد المحمية المأوى الوحيد للسمك السرحاني ؛ حيث يعد هذا النوع الفقاري الوحيد المستوطن في الأردن ،
كانت منطقة الأزرق أهم محطة شرق أوسطية لاستراحة الطيور المهاجرة ، لذلك سجلت في اتفاقية رامسار العام 1977 كإحدى أهم محطات استراحة الطيور في العالم , لكن عمليات الضخ الجائر والعشوائي من الواحة إلى التجمعات السكانية في عمان والزرقاء وإربد خلال العقود الأربعة الماضية استنزفت الحوض ، فلم يبق من هذه الواحة الجميلة الخضراء إلا بعض المستنقعات , كما ادى انحسار المياه الى قلة اعداد الطيور المهاجرة , ويباس كثير من مزارع الاشجار .
استقبلنا الموظفون الموكلون عند المدخل ليعطونا فكرة عن تاريخ المحمية , وانواع الطيور المهاجرة اليها , والخدمات المتوفرة فيها للزوار , والجهود المبذولة للتغلب على المعيقات , والمعاناة التي تواجهها الواحة في ظل التصحر الذي يهددها بفعل الاستنزاف الجائر للحوض .
كانت المحطة الثانية على بعد حوالي عشرين كم الى الجنوب الشرقي حيث محمية الشومري للأحياء البرية , استقبلنا الموظفون بحفاوة , وشرحوا لنا برنامج الزيارات في المحمية , حيث ارشدنا الدليل الى مواطن بعض الحيوانات البرية فشاهدنا المها العربي في بيئته الطبيعية اضافة الى طائر الحباري والنعام , ثم تجولنا بين خمائلها وجلسنا على مقاعد مهيّئة لكل ما يحتاجه الزائر من خدمات في بيئة كل ما فيها نظيف ومرتب , حيت لفت انتباهنا دماثة اخلاق موظفيها , وحسن تعاملهم مع الزوار مما يترك اثرا طيبا , وانطباعا حسنا لدى السائح والزائر .
عدنا ادراجنا باتجاه مدينة الازرق قاصدين قلعتها الشهيرة وهذه هي محطتنا الثالثة . وكالعادة عند مدخلها الجميل تشم عبق التاريخ اول ما يقع بصرك عليها , استقبلنا الادلاء بابتسامة صحراوية جميلة , شارحين لنا تاريخ القلعة , تاركين لنا المجال للتجوال في انحائها , ومشاهدتها من الداخل حيث تقابلك بوابة ضخمة عليها بعض الكتابات التي تؤرخ لها , باب القلعة مازال ماثلا كما هو باب من الحجر , علمنا ان وزن كل ضرفة حوالي طن , تدخل الى قاعة الانتظار التي تبدو فيها المقاعد الحجرية , يودي بك بابها الاخر الى ساحة واسعة مربعة تقريبا . حولها القلاع والمنامات ومراط الخبل اضافة الى المسجد والادراج والنوافذ وبئر الماء الذي مان يغذي القلعة .
تشير المصادر إلى أن اليونانيين والرومان هم أول من أنشأ هذه القلعة، وتدل الكتابات المنقوشة على الحجارة الموجودة في داخل القلعة أن القلعة أنشئت في عهد الإمبراطور مكسميان بين عامي 285 م و305 م , ثم استخدمها أو أعاد بناءها أو عمل على إصلاحها وترميمها والأمويون والأيوبيون والمماليك والعثمانيون والعرب اثناء الثورة العربية الكبرى حيث إتخذها الأمير فيصل ابن الحسين كقاعدة لشن هجومه النهائي على الأتراك .
القلعة بناء ضخمٌ مستطيل الشكل تتراوح أبعاده بين 72مترا و80 مترا، من الحجارة البركانية النارية البازلتية السوداء، وتتألف من ثلاثة طوابق ما زال منها طابقان ظاهران للعيان، وتحتوي القلعة على عدة أبراج ، وعدة مداخل، ومسجد، وغرف، وبئرٌ ماء وساحــة كبيرة، وسجـن ، وإسطبـلات، وأدراج ، ونوافــد، وممرات ، وأقواسٌ .
بعدها اخذنا الطريق المؤدي الى العاصمة مباشرة بطول حوالي خمسة وتسعين كم , حيث القصرين الامويين الشهيرين : قصر عمرة أو (قصير عمرة ) قصر أموي صغير نسبياً لذلك يُسمّيه البعض بالقصير، وهو مدرج على لائحة مواقع التراث العالمي لمنظمة اليونسكو منذ عام 1985م.
شيد القصر في حياة الخليفة الوليد بن يزيد الحاكم الحادي عشر من الخلفاء الأمويين في القرن الثامن الميلادي ، ويعتقد انه كان يستخدم لرحلات الصيد التي يقوم بها الخلفاء وأمراء بني أمية . يتكون القصر من قاعة استقبال مستطيلة الشكل ذات عقدين يقسمانها إلى ثلاثة أروقة , تزدان أرضية الغرف والقاعة بالفسيفساء التي تمثّل زخارف نباتية. أما الغُرَف الأخرى فمكسوة بالرخام . للقصر حمام مجاور لقاعة لا زال بحالة جيدة يتكون من ثلاث قاعات : باردة وفاترة وساخنة، الأخيرة مزودة بأنابيب للبخار . ملحق بالحمام غرفة كبيرة لخلع الملابس مزودة بمقصورتين .
زود القصر أيضا بشبكة مائية تمر من تحته ، ففي ساحة القصر بئر ماء عمقها 40 متراً وبقطر 1.8 متر تتسع ل 100 م3 من الماء الذي كان يملأ من وادي البطم عندما يهطل المطر وتنساب المياه في ذلك الوادي .
على جدران القصر رسوما تجسيدية ونقوش ، مشاهد من رحلات الصيد والحيوانات التي وجدت في المنطقة في تلك الحقبة ، ومنها الأسود والنمور والغزلان والنعام ، قبة الحمام تظهر فيها الأبراج السماوية ويشبه الحمامات الرومانية بشكلها ومكوناتها. في نهاية الرواق الأوسط لقاعة الاستقبال عثر على صورة جدارية للخليفة جالس على العرش ومحاط بهالة ومعه مرافقوه ، وكان هناك كتابة تشير لاسم الخليفة غير أنها تلفت دون أن يتمكن أحد من قراءتها .
الوجهة الاخيرة كانت لقصر الحرانة أو كما يسميه البعض قصر «الخرانه» ,هو قصر أموي يقع في الصحراء الأردنية على محاذاة الطريق الدولي المتجه إلى الأزرق وعلى بعد 65 كم شرق عمان . سمي بقصر الحرانة كونه يقع في الحرانة حيث تتناثر على سطحه آلاف الحجارة الصوانية فوق وجه الأرض والتي يطلق عليها اسم الحرة .
شيد القصر في عهد الوليد بن عبد الملك سنة 92 هـ الموافق 710 , مربع الشكل وطول كل من أضلاعه 35 م . لايزال محتفظا بكامل هيئته إلا الجزء الشمالي منه الذي تأثر بعوامل الحت والتعرية الطبيعية , يتكون قصر الحرانة من الداخل من 61 غرفة موزعة على طابقين تتوسطه ساحة كبيرة مكشوفة يوجد فيها خزان لتجميع مياه الأمطار .
وبعد ــ يا دام سعدكم ــ فقد حبانا الله بمناطق جذب سياحي من حيث جمال الطبيعة من خضرة وينابيع وشلالات وسدود , اضافة الى مواقع اثرية وتراثية , ولكن لي همسة في اذان المسؤولين ان اتسع صدرهم لها فأقول :
اولا : كثير من المواقع ينقصها طريق ممهد واسع كطريق وادي الواله في محافظة مأدبا , وحمامات عفرا في محافظة الطفيلة , وكثير من الغابات .
ثانيا : اهتمام من وزارة السياحة بعدد من المواقع السياحية وادخالها ضمن برامج للرحلات السياحية المحلية بأسعار تشجيعية .
ثالثا : تمشيط لمواقع الاثرية والغابات , وارشاد الزوار الى التقيد بنظافة البيئة تحت طائلة المسؤولية , وتهيئة الصناديق المخصصة لذلك .
رابعا : تخفيف رسوم الدخول على المواطنين لتشجيعهم وتحفيزهم , فمبلغ دينارين ونصف على كل فرد ارى انه كثير , بمعنى : رسوم زيارة القلعة مع القصور ربع دينار ورسوم زيارة المحمية المائية او البيئية ديناران ونصف ؟؟؟؟ فهل هما لمستثمر اجنبي , افيدونا !!!!. طابت اوقاتكم .

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

رابط مختصر