الرئيسية / قصص / * طفلان تحت المطر *

* طفلان تحت المطر *

Spread the love

حكاية (((طفلان تحت المطر)))
***********************************

في أحد أحياء الأسكندرية الجميلة…نعم هي الجميلة صيفاً وشتاءً…..كثير من الناس يحبونها صيفا ً….ويتجولون في شوارعها يومهم كله …لا يفرقون بين ليل ونهار فيها…تسحرهم بشاطئها ورمالها…ناهيك عن الجو الجميل كذلك.
أما في في الشتاء..هي الأجمل دائما…حيث يخف عدد المصطافين فيها….ويخلو الشاطئ …ويخف الزحام….هنا تظهر الأسكندرية جميلة في أعين أهلها…ويتمتعون هم فقط بها…وكأنها هي عروس للشتاء فقط ….
وخاصة في نظر الطفلين…أحمد و محمود…هما أخوان يتيمان..الفرق بينهما في العمر ثلاثة أعوام…..مات الأب قبل أن يولد محمود..أي من حوالي …تسع سنوات.

كان الطفلان يعشقان الريف في الصيف ويهربا من زحام الأسكندرية..بالذهاب إلى قرية جدهما والد أمهما…لينعما بالهدوء والخضرة..مع أنهما يتألمان من الناموس هناك…ولكن متعة الجو الصافي تلهيهما عنه.
وبعد أنتهاء الأجازة الصيفية يرجعا بصحبة الأم إلى الأسكندرية…لينعما بها.
وبعد شهرين من الدراسة..يأتي الشتاء ليغسل جدران وأرض هذا البلد الجميل ويصبغها صبغة الشتاء المميزة….و رائحة المطر التي لا يضاهيها رائحة……لا يقدرها إلا محبي الشتاء…..و منهم الطفلان.
تعودا في الشتاء أن يخرجا ليلا من منزلهما دون علم الأم بطريقة ماكرة وشقاوة طفولية بريئة، ويتسللا ..ليلعبا أمام بيتهما تحت الشرفة.قليلا و يتمتعان بالمطر الخفيف فقط…ويتحديا العالم كله ولسان حالهما يقول:….من مثلنا يحب المطر ويعشقه…..هل من منافس ؟!!!
أصبحت عادة لهما….وكانت جارتهما سمية ..وهي أم لطفلة اسمها علياء ( في نفس عمر محمود )….تنظر إليهم من النافذة وتناديهم بصوت منخفض….وتنشدهم الصعود إلى شقتهم..خوفا عليهما 
ويطيعا كلام الجارة الحنونة….إنها يمثابة الخالة لهم…ولما لا..وهي من شاركت الأم تربيتهما والحنان…..لا يفرقها عنهم إلا النوم فقط لا غير.
و تمر الأيام..ويتكرر المشهد في الليالي خفيفة المطر فقط……وهما في غاية السرور.
حتى أتي يوم…اشتكى محمود البرد…وظهرت عليه أعراضه…وسكنته أمه ببعض الأدوية المتاحة في صيدلية المنزل…..كانت اعتادت على أن تداويهما بها……وكانا يتماثلان للشفاء.
ولكن هذه المرة اشتد المرض على محمود..ولم تجد الأدوية معه، وذهبت به إلى المستشفى،ونصحه الطبيب بالراحة التامة وعدم التعرض لتيارات الهواء أو المطر…..لكي لا تسوء الحالة.
لكن من شدة ولعه بالمطر أراد أن يلعب ولو قليلا تحته…لأنه يعلم أن المطر له موعد مغادرة..
وطلب من أخيه ذات ليلة أن يمارسا هوايتهما المفضلة…وخاصة بعد أن أحس ببعض القوة والتماثل للشفاء, …في بادئ الأمر أعترض أحمد…ولكن تحت الإلحاح وافق …ونزلا متسللين كالعادة.
ورأتهما الجارة سمية…واعترضت هذه المرة بشدة…وعلا صوتها قليلا…واستيقظت إبنتها علياء…ورأتهما وفرحت بهذا المشهد الجميل وتمنت أن تلعب معهما…..ولولا خوفها من أمها لفعلتها.
وأطاعا أمرها هذه المرة وبدون تردد وخاصة عندما اشتد سعال محمود،
كانت ليلة عصيبة……محمود يسعل والحرارة ترتفع…وأحمد يموت رعبا من منظر أخيه…وخوفا من أمه……إنه يشعر أنه المسؤل عن مرض أخيه، ولما لا؟…أليس هو من أطاعه ونزل به تحت المطر !!!
وتستيقظ الأم …وتسعف ابنها بما تستطيع من دواء…ودفء…..
وتسأل أحمد عن سر بكائه …وكأي أم تفهم من نظرته الحوار كاملا،…..وبنظرة عتاب منها ، أحس أحمد بالذنب بشدة.وجلس في أحد أركان الغرفة يعتصر ألما …ويقتله اللوم لما فرط من أمر أخيه.
وكانت ليلة طويلة تمر ساعاتها ببطء شديد….ويستسلم محمود قليلا للنوم….وتتنفس الأم الصعداء.،…وأحمد يغلبه النعاس ليرى حلما يخرجه من حزنه..وكأنه تسلية من ربه له.
..إنه يرى أخاه ….يستيقظ من نومه ويلمسه بيده الدافئة…ويأخذ به ليخرجا تحت المطر ويلعبان…ويعلو صوتهما هذه المرة…ولم يخافا الأم لأنها على علم بهما، وتشاركهما علياء….ويعلو صوت الضحكات ..وينافس صوت المطر المنهمر على النوافذ والأرصفة والطرقات.
…وللأسف إته حلم ..وعلا صوت في الحقيقة ، صوت الأم تقول لأحمد اسيقظ…أني ذاهبة بأخيك إلى المستشفى.
وأعطته ظرفا فيه خطاب ليسلمه لمدير المصنع الذي تعمل به …وهو مصنع البلاستيك القريب من الحي……. فيه تطلب أجازة من العمل لرعاية ولدها المريض.
وبالفعل ذهبت الأم بطفلها، قدماها تتحملاها بصعوبة…قلبها يكاد يتوقف عن النبض..
وعندما رأى الطبيب محمودا…نظر للأم بغضب واتهمها بالإهمال في حق ورعايته،….ولم تتفوه بكلمة واحدة…إنما نظرت إليه بنظرة ، إذا وعيها..لندم العمر كله عن سوء فهمه لأمومتها.
وأمر الطبيب بحجز الطفل في المستشفى..و وصف له العلاج….ورضي بالأم مرافقة للولد.
وعلمت الجارة سمية بمرض محمود , فأخذت أحمد وعلياء لزيارته.
.وكانت حالته تزداد سوءا…….وتمكن المرض منه…وأصبح على شفا الموت.
ومر يوم أخر…………وكان أحمد يبيت الليل في حسرة.
وفي تلك الأيام انقطع المطر….وسأل أحمد نفسه:
..هل انقطع المطر حزنا على أخي المريض؟…..هل المطر يبادلنا الحب؟……هل سيرجع إذا شفي أخي؟!!!
قضى ليله يتساءل…حتى غلبه النوم.
وفي الصباح….ذهب مع الجارة سمية إلى المستشفى وبصحبتهم علياء،…..وشاهدوا حالة محمود…..وأحسوا بالفعل …أنه يوم الوداع.
يوم وداع طفل جميل برئ……وداع حب دام تسع سنوات….وداع بسمة لم تنقطع طيلة هذا العمر.
ذبلت الزهرة الصغرى لهذة الأم البائسة….والتي لم تقصر في رعايتها أبدا…وكانت لها الأم والأب في أن واحد.
وتمر الساعات…ويقل السعال…وهم يظنون خيرا…ولكن قلب الأم يحدثها…استعدي للفراق الأبدي…أيتها الأم الثكلى.
ويمر الطبيب ليفحص حالة محمود…وقد عرف أنها بداية النهاية، ولم بفجع الأم،…وأفصح عن قرب موعد الفراق للجارة سمية ..تحسبا للظروف.
كتمت سمية صرخة كادت تفتك بصدرها كله…..وأغلقت قنوات دمعها إجباريا….لكي لا تصدم جارتها .
وجاء الليل…. انصرف الزوار من المستشفى.
استعطفت الجارة سمية..رجال أمن المستشفى في أن تقضي الليلة فقط في فنائها مع الطفلين…وأسرت إلى رجال الأمن بموت محمود الليلة..وأنها لابد أن تقف بجوار جارة العمر،….وسمحوا لها بذلك.
وكان أحمد يجلس تحت النافذة ينتظر خروج محمود عليه و متمنيا سلامته…ليرجعا سويا.
وتحرك محمود في فراشه…وتحركت الأم معه …لتحتضنه بشدة…والقلب يقول:…..أشبعي صدرك ونظرك بزهرتك….إنها أخر الأحضان واللقاءات.
ويسأل محمود عن أخيه أحمد….و تخبره:
إنه ينتظرك بالخارج..
طلب محمود رؤية أخاه أحمد…..وتنظر الأم من النافذة لتستدعيهم…وجرت سمية ظنا منها إنه فارق الحياة.
ولكنها هدأت قليلا بعد رؤيته و قالت الحمد لله.
..سآراه لأخر مرة…أودعه بنفسي ، وداعا يا بني.
وضحك محمود لأحمد وتعانقا…..وفجأة ظهر صوت نقير على النافذة،…وظهرت ابتسامة كبيرة على وجهي الطفلين….إنه صوت المطر …إنه يعلن عن هطوله…إنه عشقهما …..إنه….المطر.
وهمس محمود في أذن أحمد …هيا نلعب تحت المطر.
ابتسم أحمد وأخذته الرغبة …وقال :…هيا
ونظرت الأم إليهما وفهمت مادار بينهما…وبدأت في الإعتراض،…,لكن جارتها قالت لها..اتركيهما هذه المرة،
وشعرت الأم بأن جارتها تحس بما تشعر به هي!!!!….ولم ترد حرمان محمود من أخر طلب له في هذه الدنيا،
حبست الأم دموعها……وأشارت بالموافقة.
واستند محمود على كتف أحمد….وأمسكت علياء بيده…وخرجوا..إلى الفناء……والأم والجارة تراقبان الحركات ,,,,ويوداعان محمودا……بأخر النظرات.
وكان المطر رفيقا بهم…كأنه يحن على المريض…العاشق للمطر…..وكأنه أيضا يودع هذا الطفل الجميل…..ويبلله لأخر مرة.
ويلعب محمود ويضحك ضحكات مختلطة بصوت السعال….ويمد يديه إلى المطر ويشمهما ….ويقول للمطر…أنا أعشقك….فلا تحرم أخي عشقك من بعدي.
وفجأة يتراخى جسد محمود ويتهادى بين يدي أحمد…ويمسكه أحمد بسرعة ويثقل حسده…وتعاونه علياء……وتنزل الأم مسرعة وتحمله إلى غرفة الأسعافات..تظن أن له بقية أنفاس…وتأخذ سمية الطفلين وتركض خلف الأم.
وهنا أعلن الطبيب….عن وفاته ….وكانت ساعة….أصعب ساعة تمر على الأم…….ورجعت الأم من المستشفى بشهادة وفاة قلبها… الصغير.
وتمر الأيام فيها انقطع المطر أيضا…وفي ليلة من الليالي نزل المطر..واستيقظ أحمد من النوم..ونظر من النافذة…على مكان لعبه مع أخيه….وبكى…واشتد بكاؤه….وسمعته الأم التي استيقظت منذ وقت قصير على صوت هذا المطر…وكانت تبكي طفلها…عاشق المطر.
وأحست الأم بخروج أحمد إلى الشارع…وتركته ..لأنها تعلم أنه يناجي المطر ويسترجع ذكرى أخيه فيه.
ولم يلعب أحمد هذه المرة..بل كان يبكي…ويختلط دمعه مع ماء المطر، ويخرج منه أنين …غص المرارة في حلقه،…إنه يطلب أخاه ليلعبا تحت المطر.
وتراه جارته سمية خفية…ولم تظهر له….وبكت في صمت هي الأخرى…واستيقظت علياء…وطلبت من الأم أن تشارك أحمد اللعب تحت المطر قليلا….ووافقتها بشرط الرجوع سريعا….فرحت علياء وخرجت لأحمد,…فرح أحمد…أنه وجد من يشاركه المطر….وخاف على علياء أن يصيبها مرض أخيه….واكتفى بقليل من الوقت تحته…وأنصرف كل منهما إلى بيته..ليجد الأم تحتضنه..ويترحما على محمود.
وتعودت علياء اللعب تحت المطر وأصبحت عاشفة للمطر هي الأخرى…..ويمر الزمان..ويكبر العاشقان…..ولا ينسيا العاشق الأول للمطر……………محمود.

((( زرقاء اليمامة المصرية ))) سالمة

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

عن محمد صوالحة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لأني أحبك

Spread the loveولأني أحبكَ .. ألِفْتُ شوقيَ الجائع على بابِك يتسولُ خبزاً ...