ضبابية ثقافة العيب بقلم الكاتبة عايدة رزق الشغنوبي

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 3 مايو 2017 - 8:49 مساءً
ضبابية ثقافة العيب بقلم الكاتبة عايدة رزق الشغنوبي

ضبابية ثقافة العيب
بقلم الكاتبة \ عايدة رزق الشغنوبي

ثقافة العيب هي مصطلح مطاط يحمل الكثير من المعطيات التي تخضع له كمفهوم , فهو يعد من قيم المجتمع الذي يصنف التعامل والرؤية العامة للعديد من العادات والمعتقدات والمهن والوظائف ويندرج تحت ميزان القبول والرفض للاشخاص الذي يتعاطون ويمارسون هذه المفاهيم .. غالبا ثقافة العيب تعد ميزانا غير عادل .. ربما لانه اصلا بني من قديم الزمان على معتقدات بليت وما عادت تتوافق مع المعطيات الحديثة للعالم الان .. بل انه يتجاوز احيانا ليكون ظالما لبعض الفئات في المجتمع والتي اصلا تعاني في بنيتها الدينية والاقتصادية للتشدد او الفقر والحاجة .. ولا تملك هذه الفئات الا ذلك التصنيف الوهمي (العيب) ليمنعها عن ممارسة حقها في ما تود وترغب
لكل مجتمع قيمه وعاداته وتقاليده أو تشريعاته و قوانينه التي تحكمه وتحافظ على سيره وتشكل العلاقات بين أفراده . وبالمجمل جميع هذه المجتمعات تعتمد في تعاليمها على التجارب الاجتماعية والموروثات الاخلاقية والقوانين الوضعية التي يضعها المجتمع بنفسه لنفسه .. وغالبا بالرجوع للاديان السماوية او المجتمعات الاقوى منها والتي فرض عليها قوانينها بحجة انها تضمن الاستمرارية والبقاء كما انها تصبح مع مرور الزمن هي المعيار الصواب للصح والخطأ لتنظيم التعامل بين افراد المجتمع .
وثقافة العيب تستهدف وظائف شريفة تقدّم لأصحابها مصدر دخل يكفيها العوز والفقر ومدّ اليد، وهذا الاستهداف يجعلها غير مقبولة اجتماعياً، ويضع حولها جداراً.. من اقترب منه خالف قيم المجتمع، لكنّها ثقافة لا تقدّم بديلاً يقوم مقام الفقر والبطالة، ولا تقدّم له شبكة لأمنه الاجتماعي، فهي قانون يحظر على فئات من المجتمع الاقتراب من بعض الوظائف، لكنّها لا تحظر عليهم الاقتراب بل الانغماس في الفقر والحاجة، أي صناعة محظور وهمي مقابل ثمن ملموس، ولو كانت ثقافة العيب تقتصر على فئة محدودة من المجتمع لكان ضررها محدوداً، لكن المشكلة تكبر عندما تصبح إطاراً اجتماعياً واسعاً، فعندها تصبح ثقافة معطلة لحركة المجتمع، وقيداً أمام حلول مشكلات المجتمع الاقتصادية والمعيشية.
مع مرور الوقت والزمن يتم توارث هذه القيم والمفاهيم من جيل لجيل وتصبح هذه المفاهيم كأنها قوانين وضعية صارمة تفوق في قوتها وتأثيرها حتى القوانين الشرعية .. ويصبح مفهوم العيب هو المعيار الاصوب للحلال والحرام وقد يقف المجتمع او الافراد عاجزين احيانا امام هذه المفاهيم وصرامتها وتصلب الكبار في السن عادة امامها واعتبارها شرائع لا يجوز تخطيها او التجاوز عنها .رغم انها كثيرا ما تكون مخالفة للشريعة .
للاسف رغم ان المجتمعات العربية تحديدا هي اكثر الممارسين لمطلح العيب رغم انه يمثل مستوى متدني لا يجب على الانسان ان ينفذه بدون تفكير او اعتراض ان كان خطأ .. حتى وان كان هناك محاولات للتمرد والخروج عن المألوف الا انها ليست كافية او شافية لما يحدث بشكل عام .حتى وأن كانت في بعض المجتمعات التي تأثرت كثيرا بالمتغيرات والعولمة قد شارفت فيها هذه الظواهر السلبية على الاندثار
على سبيل المثال في مجتمع كالاماراتي مثلا من العيب ان يعمل الشاب في مهنة حرفية وذلك لاعتبار هذه المهنة اجتماعيا غير لائقة وبالتالي حتى لا يخضع لثقافة العيب فهو يرفض هذه المهنة حتى وان بقي بلا عمل ولقب بالعاطل عن العمل .. في حين ان في مجتمع كالسوري لا يخجل الشاب من القيام بعمل حرفي لانه تجاوز فكرة العيب اولا ولان الظروف الاقتصادية فرضت عليه القبول بأي نوع من العمل ليكفي نفسه حرج البطالة .
اغلب ثقافة العيب تخضع لقوة.. القيل والقال .. وخوف الناس من ان يكونوا موضوعا للحديث والتداول بين افراد المجتمع وللاسف تعتبر الالسن اللوامة ايضا من الافكار الخاطئة والعادات القديمة والموروثات المتأصلة في المجتمع والتي يتم تناقلها من الاجداد الى الاباء ومن ثم للابناء وتبقى تدور في حلقة مفرغة في مجتمع ادمن البقاء على حاله .
وحتى اليوم ما زالت ثقافة العيب تسيطر على اغلب قضايا حياتنا اليومية .. علما ان الاغلب اصبحت لديه مؤشرات ثقافة تمكنه من التعامل مع هذه المفاهيم البالية الا انه في النهاية يخضع للعرف السائد ويصمت .رغم ان ثقافة العيب بعيدة كل البعد عن الاحكام الشرعية ومبادئ الدين وتعليماته .. بل هي احيانا تكون مقوضة وضد الشرع .
هذا وما زال بعض الناس يخلطون الاوراق ما بين ما اباحه الدين وما حرمه وبين ما اباحته العادات والتقاليد وما حرمته .. فمثلا من العادات الموروثة زيارة النساء للقبور في المناسبات الدينية والاعياد رغم ان الدين نهى عنها ولكن يبقى هناك الخوف من القيل والقال وان يعاب عليها من بقية افراد المجتمع انها قصرت ولم تلتزم العادات والتقاليد هذا ما يجعلها تخالف الدين حتى لا تخالف العيب وان كان برايي الشخصي ان الامور لدى الكثير من الناس اختلطت اوراقها ببعض فما عادوا يميزون العيب من الشرع .
وعلى ابسط الاشياء احيانا وفي ابسط امثلة الحياة , مثلا حين يخطئ الطفل حتى على مستوى ان يقاطع لسبب ما احد اثناء الكلام فاننا بسرعة ننطق كلمة (عيب يا ولد ) نحن هنا لا نبين له الخطأ من ناحية احترام كلام الكبار ولكن نفرض عليه كلمة عيب ان قاطع احد اثناء الكلام .وهذا ما يخلط الامور عند الطفل بين العيب كتصرف خطأ او بين تصرف خطأ لانه حرام .ولهذا فأن من الممارسات الخطأ التي نقوم بها عفويا اننا نردد كلمة عيب وحرام دون وعي او ادراك ودون الرجوع حتى للشرع .. نكتفي بأن من سبقنا رددها في حالات معينة ونكرر نحن ما كان عليه الاباء ..
هذه الضبابية في التعامل مع المفاهيم هي التي خلقت لنا واقعا يعيق التميز بين الصح والخطأ , فمثلا الطلاق هو حل شرعي لمشكلة اجتماعية تفاقمت فما عاد لها حل واعطانا الله الطلاق لينهي المشكلة كحل سليم رغم اثاره السلبية .. شرعا هو امر الله وان كان مكروه اما في مجتمعاتنا يبقى الطلاق امر معيب وغير مقبول مطلقا ولا يستسيغه لا الاهل ولا المجتمع ولهذا فهو حل يتجنبه الكثير الى ان تصل المشكلة الى ذروة تكون قد دمرت كل شيئ بما فيه الابناء .
ثقافة العيب رغم ان لها احيانا بعض المحاسن الا انها في المجمل ثقافة ما عاد لها مكان في المجتمع ويجب تجاوزها .فنحن اصبحنا في سباق مع العولمة والزمن والحياة تركض حاملة معها مفاهيم مختلطة وعادات مكتسبة وما عاد لنا في هذا السياق الا التمسك بموروثاتنا التي تحمينا .

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

رابط مختصر