شكوى المنافي..قصة قصيرة بقلم الكاتب: أحمد سليمان أبكر

قصة قصيرة:


شكوى المنافي
في يوم من أيام الصيف المملوءة بتأوه الطبيعة، جلست في حديقة الدار تتأمل باضطراب أوراق الأشجار المصفرة التي تواجه شبح السقوط، الزهور الذابلة التي أصبحت تستودع التراب بذورها مثلما تفعل النساء بالجواهر والحلي أيام الثورات والحروب.
وإنها لكذلك إذ دخل الحديقة أحد مساعدي والدها، وهو رجل من الرجال الصالحين المخلصين، تقدم نحوها حزينًا متعثرًا، قال لها بصوت تخنقه العَبرة: قد أمرني سيدي قبل أن يُعتقل أن أُسلمك هذا الكتاب..ثم انصرف.
عادت إلى داخل الدار ونفسها تسيل لوعةً وأسًى، فما بلغت غرفتها حتى ألقت بالكتاب على المنضدة وتهافتت على سريرها باكيةً منتحبةً، فهرعت إليها والدتها تسألها ما شأنها، فأشارت إلى الكتاب، أنشأت الأم تقرؤه وفؤادها يتمزق لوعةً وأسًى،ثم عجزت عن امتلاك نفسها وقد اختنق صوتها بالبكاء،وما أتت على آخره حتى عرفت كل شيء،فسقطت مغشيٍّا عليها تعالج من الحزن والهمِّ ما يعالج المحتضر من سكرات الموت. فما استفاقت من غشيتها حتى صارت تهذي هذيان المحموم، ولبثت على هذا الحال بضعة أشهر تمرض ثم تُبلّ، ثم تمرض ثم تُبِلّ حتى أدركتها رحمة الله فمرضت مرضًا لم ينقض إلا بانقضاء أجلها.
تخرّجت من الجامعة، بعد أن فقدت والدها في حملة التطهير الكبرى التي قام بها النظام الحاكم الجديد، وماتت والدتها كمدًا على ذلك. أما هي وبسبب احباطها وحزنها وخوفها من المجهول قبلت مكرهة الزواج من أحد الموظفين الموالين للنظام الجديد،غير أن الأمان الذي توقعته لم يكن وارء باب الزوجية، بل طالعها الشقاء والمعاملة القاسية من حماتها التي اعتبرتها مجرد خادمة في الدار،ومن زوجها الذي أردفها على حدة، وهو يمن عليها بتخليصها من الشر الذي كان سيطالها جراء مكانة أبيها المحسوب على النظام البائد.
مع تغير الأحوال وانفراج مساحة من الحرية، وجدت فرصة للعمل في إحدى المنظمات الدولية، سافرت إلى الخارج، التقت أناس مهمين، قدروها وقدروا مقدراتها حق تقدير، الأمر الذي سبب إزعاجًا عظيمًا لزوجها الذي ظل قابعًا في وظيفته المتواضعة ذاتها ، نشب الخلاف بينهما، طالبته بالانفصال،تعنّت ورفض، ذهبا إلى المحكمة، تهلل وجهها بشرًا وسرورًا، ولم تدع كلمة من كلمات الشكر والثناء إلا أفضت بها شكرًا لله على خلاصها من قهر ذلك الزوج القاسي الذي حرمته المحكمة حتى من كفالة ابنيه فعادا إليها، لقد أنساها السرور والاغتباط ألم الضربة التي أصابت كبدها، واستحال حزنها واكتئابها إلى راحة وسكون.
بعد عشرين عامًا من الهجرة، عادت إلى أرض الوطن، عودة سببت لها حربًا مع الذاكرة، حيث الماضي يرتطم بحاضر مناوئ جاحد،الأسئلة تحولت إلى كوابيس، ما هي الهوية؟ ما هو التاريخ؟ أين هي أشياء الذاكرة؟ كل شيء تغيّر حتى الجدران، الكلام،البشر الشوارع، البيوت، الأقارب، المعارف، الأصدقاء، لا شيء في مكانه ولا على حاله، الزمان الحاضر يجهل الزمان الماضي، الوطن ينكر المواطن، الغربة الداخلية تتفجر في وجه الحنين كالبركان،إنه التمزق الوجداني الذي يعرفه ويحسه تمامًا، كل من أجبرته الظروف القاهرة على مغادرة الوطن.


بقلم الكاتب: أحمد سليمان أبكر

تعليقات الفيس بوك

التعليقات