زمن القمباز..مقالة علي الشافعي

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 11 سبتمبر 2020 - 2:47 مساءً
زمن القمباز..مقالة علي الشافعي

حديث الجمعة بقلم علي الشافعي
زمن القمباز مقالة
ساق الله ايام القمباز والسهرة عالبيادر
وجدّي يلوِّح بالعكاز على نغمات السامر
القمباز ــ ايها السادة الافاضل ــ او الدماية , واحيانا يسمى الكِبر بكسر الكاف والباء او الروزة , هو لباس تقليدي للرجال في بلاد الشام ( فلسطين والاردن وسوريا ولبنان ) على عهد ابائنا واجدادنا , وما يزال بعض كبار السن خاصة في القرى يلبسونه , ويقال انه من زمن الكنعانيين والفينيقيين .
والقمباز رداء طويل يشبه الجلابية ضيق من عند الصدر ويتسع ابتداء من الخصر إلى القدمين مبطن من الداخل بقماش رقيق ناعم , مفتوح من أعلى إلى أسفل ، من الأمام مثل الروب , ويربط طرفه الايسر في داخل الطرف الايمن بقيطان ، ثم يُرد الطرف الايمن فوق الجهة اليسرى ويُربط بقيطان أيضا ويكون فوقه حزام من الجلد . وتختلف نوعية القماش الصيفي عن الشتوي , وكل منطقة ولها طرازها الخاص وتسميتها الخاصة , تماما مثل الدشداش الخليجي فالكويتية غير السعودية والقطرية غير الاماراتية او العمانية .
والقمباز او الدماية انواع منها : الدمايه العادية : من القطن أو الكتان وتلبس في البيت أو العمل , دماية الروزة ذات اللون الأصفر الفاتح : تصنع من قماش فاخر : وتلبس في الأعياد والمناسبات , دماية الأطلس : وهذه خاصة بالمدن والقرى الفلسطينية , وتصنع من قماش سميك مخطط يشكل طولي بالخطوط السوداء أو الزرقاء على أرضية بيضاء , يسمى الأطلس او السرطلي , ودماية الصوف او الجوخ وهي لكبار رجالات البلد ( علية القوم ) كالشيوخ والمخاتير وكبار التجار .
السروال أو الشروال : ويصنع من قماش قطن البفت الأسود أو ألابيض، وهو واسع فضفاض وله رجلان ضيقتان و دكه من الخيط القوي يشدها الرجل ليحزم بها الشروال حول وسطه .
عند العمل في الحقل أو أثناء الدبكة او المشي يتم رفع طرفي القمباز وضعهما تحت الحزام الذي يلبسه الرجل فيظهر الشروال الفضفاض ويسمى رفع الجوانب ” تشكيل الدماية ” لتسهيل الحركة , وعادة ما يلبس تحت الدماية قميص أبيض من القطن , و جبة قصيرة تلبس فوق القنباز ( جاكيت) كمّاها طويلان.
هذا هو ــ يا دام سعدكم ــ اللباس التقليدي , والذي كان يفرض على الرجل بمجرد ارتدائه ان يتصرف كرجل , حتى لا يهين شرف القمباز , فارتداؤه يعني انه وصل مرحلة الرجولة , وذلك في سن الرابعة عشرة تقريبا , فيصحبه ابوه الى مجالس الرجال , ليتعلم فيها فن الحديث وفن الاستماع وادأب المجالس , لأن المجالس كما يقال مدارس , فعليه اذن ان يضع كل كلمة في مكانها الصحيح , ويحاسب على الجلسة او الضحكة .
كان القمباز يمثل شرف الرجل , وصدق تعاملاته مع الاخرين , وصدق وعوده وعهوده , ويمثل هيبته وسلطته على اهل بيته , اعالة وحماية وامنا . فالرجل رجل بكل معاني الكلمة . اما عن ماذا خسرنا عندما خلعنا القمباز ولبسنا القميص والبنطال , وجرينا خلف ما تنتجه بيوت الازياء العالمية , سأقول لكم وامري الى الله , بعد ان توحدوه وتصلوا على النبي :
يعد لباس الامم التقليدي جزءا من تراثها وتاريخها وهويتها وثقافتها , فعندما خلعنا اللباس التقليدي , وزين لنا لباس الافرنج بقصد ان ننسى التراث والتاريخ والهوية , زالت ورقة التوت وبانت سوءاتنا للعيان . ومن ينسي التاريخ ايها السادة يمكن ان ينسى الجغرافيا .
زمن القمباز ــ ايها السادة الافاضل ــ كان للرجل كلمته وهيبته في البيت او المجلس , كلمته كحد السيف ووعده نافذ وتعامله صادق , لا يعرف النفاق ولا الغش والخداع ولا الكذب , يكفي ان يقول وعد رجال , او من هالشوارب .
كانت المرأة تهاب رجلها وتحبه فلا تخالف له امرا , ولا ترفع صوتها على صوته , كلمته نافذة وقوله فصل , تعرف حقه عليها , فهو راعيها وابو عيالها وسندها وحامي حماها , والاطفال بوجوده يحاسبون على الضحكة والجلسة ان كانتا في غير محلهما . اما اليوم فقدْ فقدَ الرجل هيبته في البيت , وعلى صوت المرأة على صوته وخالفت امره , وربما استعْدت بنيها عليه , الذين هم بدورهم لم يعودوا يحملون الهيبة والاحترام اللذين كنا نكنّهما لآبائنا . ويخشون امهاتهم اكثر من خشيتهم آباءهم . وينظرون للاب على انه الممول او الصراف , وغالبا ما تقوم الام بهذا الدور , خاصة بعدما نزلت ونافسته في سوق العمل , فأصبح كالذئب الجريح , و النتيجة ما نسمع ونرى ؛ من خلافات اسرية ادت الى ارتفاع حالات الطلاق بشكل مذهل ومهدد للمجتمع . والذين لم تصل حالتهم للمحاكم لا يعني انهم سعداء .
زمن القمباز كان للرجل كلمته في السوق , ما كان الناس يتعاملون بالشيكات او الاوراق , وانما بالكلمة فقط , فهي كافية , ولا يتراجع عن وعد قطعه على نفسه ولو على رقبته , لا يخلف وعده ولا يخون عهده . اما اليوم : فالأمر متروك لتقدير جنابكم ــ دام سعدكم ــ فهل عادت الكلمة ووعد الشرف كافيان لإبرام الصفقات واتمام المعاملات . كم هم الرجال الذين يلتزمون بوعودهم ومواعيدهم , كم من الساعات تضيع هدرا وانت تنتظر شخصا لم يأت على موعده , كم رجل اخذ ديْنا فسدده في موعده , او التزم بأمر فأوفي به .
هل عرفتم ــ يا دام عزكم ــ ماذا خسرنا عندما خلعنا القمباز , خسرنا كرامتنا خسرنا كلمتنا في بيوتنا , في اسواقنا ومجالسنا فما عادت المجالس مدارس , ولا عادت المدارس مدارس . لان من يتنازل عن لباسه وهو ارث ابائه يتنازل عن كل شيء . خلعنا القمباز من على اجسادنا فخلعنا معه هيبة الرجل في بيته ومجلسه وسوقه .
كان الرجل اذا تحدث بحديث لا يشك الحاضرون في صدقه , لأنه لا يقبل هو ان يقال عنه انه كذاب , فلا يكذب . يحضرني قول ابي سفيان عندما استدعاه هرقل الشام ليساله عن محمد وقال له : اصدقني القول في هذا الرجل . فما كذب ابو سفيان بحرف (القصة مشهورة ) رغم انه لم يكن مسلما آنذاك , وقال : والله لا احب ان تتناقل العرب اني اكذب . واليوم كم رجل يصدق في المواقف امام السلطان او في المجالس , ولا يغمز طرف عدو او حتى صديق ان وجد في الغمز مصلحة .
كان الرجل منيع البيت لا يهان من دخله , ولا يعتدي على كرامة امرأة او طفل او شيخ . وهناك ايضا موقف سجله التاريخ لأشد خلق الله عداوة للرسول عليه السلام , انه ابو جهل عندما سئل ليلة الهجرة : لم تنتظر خروج محمد , ولا تدخل عليه وهو نائم في فراشه ؟ قال : والله لا تتحدث العرب ان ابا الحكم روّع بنات محمد . وسؤالي كم من البيوت اقتحمت في منتصف الليالي وانتهكت حرماتها وهتكت استارها , وروعت بناتها وحريمها . طابت اوقاتكم .

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

رابط مختصر