زبد الليل

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 24 ديسمبر 2014 - 5:12 مساءً
زبد الليل

     أثقل النعاس أجفاني، فتمدّدتُ في فراشي، سابحاً في ظلال ضوء الشّمعة الوحيدة، المُستوحشة في ركنها البارد الخشن، مهوّماً مع أنغام العزف المتواصل بفوضى مستقرة من مزامير رفاقي النائمين منذ ساعة أو أكثر . 

      أحسستُ بجاري، من جهة اليمين، يتقلّب في فراشه، وسمعته يئنُّ أنيناً خافتاً موجعاً، كأنّما يبكي، في حين ظلّ جاري من جهة اليسار، ذائباً في ظلمة النوم ، مستأثراً، وحده، بسكينة تشبه سكينة الأموات .

     ولا أدري ما الذي جعلني أفتح عينيّ، وأنظر في عقارب ساعتي التي وجدتُها تدنو من الحادية عشرة، حين وصلتني، على إثر ذلك، أصواتُهم المدمدمة في الخارج، وأفزعت طيور النعاس التي كانت تحوم في رأسي ؛ فقفزتُ من فراشي، ودُرت سريعاً على جوقة العازفين، الّذين أخذوا يتوقّفون عن عزفهم واحداً تلو الآخر، إذ كان يكفي أن ألمس الواحد منهم، حتّى يفتح عينيه على وسعهما، ويفهم على الفور، من تعبير وجهي، وحركة سبّابتي على فمي، أنّنا دوهمنا .

     ونفختُ على الشّمعة، فساد الظّلام التّام .

     وقبض كلّ واحد منّا على أنفاسه قبضاً، حتّى تلاشى كلّ أثر يدلّ على وجودنا في ذلك الملجأ المنيع، تحت العمارة الكبيرة قيد الإنشاء، والتي كنّا نعمل فيها نهاراً، وننام في ملجئها ليلاً، خارقين القانون الذي لا يُبيح لنا النّوم في بلادنا التي لم تعد بلادنا منذ أن وُهبت لغيرنا بأريحيّة مخمور يجود بالدّنيا ! ..

     وإذ لـم أعرف كيف اكتشفوا وجودنا في الْمَلجأ رغـم حرصـنا الشّديد علـى عدم الخروج بعد المغيب، فقد وجدتُ نفسي أفكّر في هذه المفارقة العجيبة، التي جعلتنا نسبقهم إلى استخدام الملجأ، الذي أشادوه بسواعدنا، ليحتموا به منّا ، عندما نُهاجمهم بطائراتنا وصواريخنا ذات يوم بعيد .. قــد يجيء وقد لا يجيء !! ..

     وسمعناهم يتراطنون .

     تقترب أصواتُهم وتبتعد، ثمّ تقترب من جديد، حتّى نسمعهم بوضوح، وهم يؤكّدون وجودنا، مردّدين كلمة ( عربيم ) كما لو كانت شتيمة قذرة، ينفّسون بها عن كربِهم . تتخلل الكلمة جدران الملجأ المدفونة في الرّمال، وتخترق صمتنا المطبق كما يخترق الرصاص عظم الجمجمة .

     ولم يعد لـدينا أدنى شكّ في أنّهم من (( رجال القبّعات الخُضْر )) ، المختصّين بالتّفتيش عنا في كلّ مكان، .. ولكنّنا كنا عاقدين العزم على الصّمت والصّمود حتّى النّهاية، ذلك أنّنا كنا في حصن حصين من هندسة خوفهم، وعبقرية وسواسهم، حيث باب الحديد المصفّح، الذي أحكمنا إغلاقه من الداخل، برتاجاته الفولاذيّة الغليظة، والذي يستحيل فتحه من الخارج، حتّى لو استخدموا ما بحوزتِهم من متفجّرات ..

     وشرعوا يخبطون الباب بقوّة، وينادون علينا : هيه .. أنت يا محمد .. يا أحمد .. يا محمود .. افتح الباب أحسن لك !! ..

     لكنّنا مكثنا صامتين دون حراك، فظلوا يخبطون الباب، ويُنادون علينا بأصواتٍ تتداخلُ وتتعالى ، حتى توقّفوا أخيراً، وشعرنا بهم ينسحبون ويبتعدون، فغَمَرَنا هسيس الفرح: (( راحوا . راحوا ))، معتقدين أنّهم يئسوا منا، وأنّهم رحلوا بلا عودة، ولكنّ فرحنا ذاك لم يطل، إذ سرعان ما فاجأنا الماء، وهو يتدفّق علينا من كوّة التّهوية المستديرة، العالية من الدّاخل، الموازية لسطح الأرض من الخارج، حيث كانوا يقفون ، وكان واضحاً لنا أنَّهم سحبوا خرطوم المياه الطّويل الخاصّ بالورشة، وفتحوا صنبور الماء عن آخره علينا .

     وقد سمعناهم يضحكون، ساخرين منّا، وهم ينادوننا ويتوعّدوننا : 

     (( سنغرقكم بالماء يا عربيم حتى تموتوا كالصراصير  )) ..

     غير أنّنا صمدنا، مضحّين بأفرشتنا وأغطيتنا، أكثر من ساعتين كاملتين، لعلّهم ييأسون ويذهبون، ولكنّ المياه ارتفعت على أرض الملجأ المعمولة من الأسمنت المسلّح، وغمرت أقدامنا وجزءاً من سيقاننا، دون أن يرحلوا ..

     وهتف أحدنا مُخوّضاً في الماء نحو الباب : لا فائدة . يجب أن نفتح .

     وتركناه يمضي من غير أن يُعارضه أحد، ربّما لأنّنا كنّا جميعاً نفكّر في تلك اللّحظة بفتح الباب، من دون أن يمتلك أيٌّ منّا جرأة المبادرة ..

     وما إن صرّ الباب صريره المستغيث الباكي، حتّى باغتنا ضوء الكشّافات في أيديهم، فأخذنا نذوده عن عيوننا بأكفّنا، ونحن ندور في أماكننا وسط الماء، مرتبكين ضائعين، لا ندري ماذا نصنع !! ..

     كنّا أكثر من خمسة عشر شخصاً، جَمَعَنا الكدح، وصَهَرَنا في بوتقته الهلامية، فبدونـا متشابِهين، على الرّغم من اختلاف سحننا، وتفاوت أعمارنا، حيث لم يزد أصغرنا عن الثّالثة عشرة، بينما كان أكبرنا قد تجاوز الستّين بأعوام … وقد أخرجونا واحداً تلو الآخر، مُرغميننا على رفع أيدينا فوق رؤوسنا كأسرى الحروب، أو كأفراد عصابة خطيرة من المجرمين المحترفين!!.

     وفي الخارج ،

     حيث كانت الرّيح الباردة تُصفّر، وتصفع جدران العمارات غير الجاهزة، المُحْدِقة بنا من جميع الجهات، أمرونا أن ننبطح على بطوننا فوق الرّمل المزروع ببقايا موادّ البناء : من حطام الطّوب، والحصى، وقضبان الحديد ، والمسامير، الكبيرة منها والصّغيرة، والأسلاك المجدولة، وتلك التي بلا جدْل .. ونحن نرتجف من الرّيح، ومن بَلَل الماء، الذي اكتشفنا أنّه لم يبلّل سيقاننا وأطراف بناطيلنا السُّفليّة فحسب، وإنّما بلّل كذلك بناطيلنا بالكامل، وأجزاء من قمصاننا، فأخذنا نتراقص من برودة الأرض تحتنا، ومن لسعات الرّيح، التّي ظلّت تقفز فوق أجسادنا بعبث صبيانيّ لا يَهدأ ولا يتوقف .

     أنا شخصيّاً كنت أحسُّ بأنّني أتجمّد من البرد، أرتجف متشنّجاً، وأسمع وحوحات رفاقي ، فيزداد شعوري بالبرد، حتّى ينقبض قلبي، ويكاد يتوقّف عن الخفقان، ومع هذا لم أكفَّ لحظة واحدة عن التّفكير في مغزى ما يفعلونه بنا : ماذا يبتغون من بطحنا على الأرض ؟! وما هي خطواتُهم التالية ؟! .

     وقد انقسموا إلى فريقين : فريق من أمامنا، وفريق من خلفنا، وأخذوا ينتهروننا، مُحذّريننا من رَفْعِ وجوهنا عن الرّمل، أو الإتيان بأيّة حركة مهما صغرت .. حتّى السّعال أو النّحنحة، منعونا إيّاهما، صارخين في كلّ واحد يجرّب تسليك حنجرته، راكلينه في خاصرته، كما يركلون حشية ليّنة، ليقذفوا بها أبعد ما يستطيعون، ثمّ إنّهم لم يكتفوا بِهذا، فقد شرعوا يمشون، بأحذيتهم العسكريّة ذات النّعال المُسنّنة، على ظهورنا، وكأنّنا جسر مشاة يعبرونه من ضفّة إلى أخرى، وحين عبرَنا آخرهم بدا قياساً إلى من سبقوه، خفيفاً جدّاً، حتّى أنّنا لم نكد نشعر بمروره من فوقنا، فلم نتوجّع، ولم نتأوّه، ولعلّ هذا ما أغاظه منّا، فما إن فرغ من عبورنا، حتّى عاد ثانية، وأخذ ينطّ فوق ظهورنا، قافزاً في الهواء، ساقطاً علينا بكلّ قوّته، وكأنّه يريد أن يدكّنا في الأرض دكّاً، وقد كسّرَنا، وسحق عظامنا، فرحنا نصرخ ونصيح، ونحن نتلوّى في أماكننا، ولكنّه لم يكترث، ولم يَهتزّ، بل واصل قفزه وسقوطه علينا، حتّى هدّه التّعب ، ولم يعد قادراً على حفظ توازنه فوق أجسادنا، فتوقّف وهو يلهث، وصرخ فينا :

   (( يا الله .. قوموا ، وقفوا في أماكنكم ! ))

   فقمنا ونحن نلملم أنفسنا، وعظامنا تُطقطق، كأنّها عيدان تتكسّر، فأَمَرَنا أن نقف معتدلين، ونعقد أيدينا وراء ظهورنا، وينظر كلُّ واحد منّا أمامه مباشرة، في خطّ مستقيم، لا ينحرف يميناً أو شمالاً، كما أمرنا أن نكفّ عن تأوّهاتنا وطقطقة عظامنا، لأنّها تُغيظه وتُثيرُ أعصابه ! ..

     ثمّ إنّه التقط من أحد زملائه كشّافاً كهربائيّاً كبيراً، وأخذ يُسلّط نوره على وجوهنا، وجهاً فوجهاً، ويسأل مكرّراً السّؤال : من منكم يحمل سكّيناً ؟! ..

     وراح يتأمّل صمتنا وجمودنا مدّة من الزّمن، ويَهزّ رأسه، كأنّه يتوعّدنا، ثمّ انتفض فجأة، كمن خطرت له فكرة، وصاح، رافعاً سبّابته، في وجوهنا : آه.. أيّها الملاعين، انتم لا تريدون الاعتراف . لا بدّ وأنّكم تُخبّئون السّكاكين في ملابسكم !! ..

     وطاف علينا بنور كشّافه مرّتين أو ثلاث، قبل أن يأمرنا بخلع ملابسنا لتفتيشها . أحدنا همس : (( بَرْد !!))، فسمعه، وجرّه من بيننا، وقذف به إلى زملائه، الذين تلقّفوه سريعاً، وانْهالوا عليه بأيديِهم وأرجلهم ، فما كان من سبيل أمامنا إلاّ أن نمتثل للأمر، ونخلع ملابسنا التي أوشكت على الجفاف، فعدنا نتراقص من جديد في مهب الرّيح ..

     ولكنّه انتهرنا، وزعق فينا : هُسْ .. ولا نَفَس !! ..

     وأخذ يمرّ من قدّامنا كأنّه يستعرضنا ،

     ولا أدري .. لماذا توقّف أمامي، وجعل يتأمّلني، مُسلّطاً نور كشّافه على وجهي !! ..

     لعلّه اكتشف ذلك الاختلاف الطّفيف في شكلي عن سائر زملائي ، شكلي الـذي اكتسبته خلال سنوات دراستي الطّويلة، التي انتهت بتخرّجي في الجامعة، والذي عدتُ فخسرته من جديد، خلال سنوات عملي في البناء، ولم يتبقّ منه سوى هذا الأثر الهزيل، الذي قد يكون لفت انتباهه، وجعله يتوقّف أمامي ..

     سألَني بالعبريّة : أنت .. ماذا تعمل هنا ؟ ..

     تظاهرتُ بعدم الفهم، وقلت إنّني لا أفهم العبريّة، فلطمني ، وزمجر في وجهي: أنت لا تفهم  العبريّة؟! .. فماذا تفهم    إذن ؟! ..

     قلت بالعبريّة، وقد اشتعل صدري : إنّني أفهم العربيّة والإنجليزيّة  أيضاً .

     فرمقني، للحظة، بنظرة حمراء متوحّشة، ثمّ انفجر باصقاً في وجهي :

     (( كلب . عربي كلب ))

     وانفتل من أمامي سريعاً، دون أن ينتظر ردّة فعلي، كأنّما أحسّ بغلياني، وخشي ممّا يمكن أن يصدر عنّي، ولعلّه لمح في عينيّ طيوف الطّيش وهي تتصارع، فآثر أن يُسرع من أمامي، ومضى مُخلياً السّاحة لواحد من زملائه، كان ومنذ البداية، قد مكث بعيداً عنّا، مُكتفياً بمراقبة ما يجري بصمت وعبوس، وكأنّه غير راض عمّا يفعله زملاؤه بنا، حتّى أنّني توقّعت أن يُشفق علينا، ويسمح لنا بارتداء ملابسنا، التي داسوها، في ذهابِهم وإيابِهم، مرّاتٍ ومرّات، من دون أن يُفتّشوها أو يلتفتوا إليها أيّ التفات، .. ولكنّه اقترب كما لو كان يبدأ فصلاً جديداً من ملهاتِهم الليليّة المُطوّلة، وأخذ ينتقي، ويسأل كلّ واحد منّا ذلك السّؤال الذي بدا متأخّراً جدّاً : ألا تعرف أنّ النّوم ممنوع  هنا ؟!

      وكان كلّ واحد منّا يُجيبه : لا،  لا أعرف يا خواجا !!

     فيلطمه، ويركله بركبته بين ساقيه، صائحاً في وجهه : أنت كذّاب . كذّاب كبير !! ..

     وعندما جرّب أحدنا، وأجاب مغمغماً كولد مهذّب يعترف بزلّته الكبيرة : (( نعم . أعرف هذا يا خواجا )) ، لطمه أيضاً، وركله كما ركل كلّ واحد منّا، وزعق في وجهه : ولماذا إذن .. لم تذهب لتنام في بيت أمّك أيُّها الحمار ؟!! ..

     ولقد ابتسمت ، وشعرت بابتسامات الآخرين ترفّ بأجنحتها من حولي، وبصدى ضحكاتِهم يتردّد في صدري، ضحكاتِهم الكبيرة، التي كان من الممكن لها أن تنفجر في أيّة لحظة، برغم أنف الليل، القابض، بعصبته وزمهريره، على كلّ شيء، لولا أنّنا انشغلنا بالسيّارة الكبيرة، التي برزت من منعطف الشّارع الموازي لمكاننا، وهجمت علينا بعيونها الحمراء المرعبة كعيون السّعالى،  وزمجرت نافثة دخانَها كذيل طويل، ثمّ توقّفت أخيراً قرب سيّارة ( الجيب ) الخاصّة بمعذّبينا الذين تعبوا، وفتحت أبوابَها كأنّما لتفترسنا، وقذفت ثلاثة متحمّسين، تراكضوا نحونا، ووقفوا على بعد خطوات منّا، وهم يتطوّحون مقهقهين، يُشيرون إلى أجسادنا العارية المنكمشة، ويلوّحون بأيديِهم في الهواء بحركات عشوائيّة خرقاء، ضاربين أكتاف بعضهم بعضاً، دون أدنى سيطرة على أنفسهم أو  أعضائهم، فبدا لنا أنّهم لن يكفّوا، ولن يتوقّفوا، وأنّ سهرة جديدة قد بدأت ..

     ولكنّ الليل كان قد أدبر وولّى لاهثاً من التّعب، فأمرونا بارتداء ملابسنا، التي هجمنا عليها غير مصدّقين، ورحنا نلبسها على عجل، دون أن نبالي بتنظيفها، أو نفضها ممّا علق بِها من رمل  وسواه .

     وأخيراً، أخيراً جدّاً، ساقونا للسيّارة الكبيرة، التي ابتلعتنا سريعاً، وانطلقت بنا تشقّ طريقها عبر الشّوارع الصّامتة المقفرة، ونحن نرمّم أجسادنا، ونتمتم لبعضنا بعضاً ، مُتظاهرين بعدم الاكتراث : (( سجن . سجن !! )) ، ونرنو عبر غبش الزّجاج إلى الفجر الدامي الذي كان يطلع !! ..

لـ الشاعر والقاص الفلسطيني خالد الجبور

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

رابط مختصر