” رهينة الماضي ” بقلم الأستاذة عالية العياصرة

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 4 نوفمبر 2018 - 8:01 صباحًا
” رهينة الماضي ” بقلم الأستاذة عالية العياصرة
« رهينة الماضي » للكاتبة : عالية العياصرة

إنتظرته طويلآ على مائدة العشاء ، تنظر بسبات عميق لأطباق الطعام بأشكاله المتنوعة ، وبداخلها غصة واضحة المعالم ، تنهش بها بأصوات صارخة ، لكنها مكبوتة تنتفض من واقع اليم .

كانت تشبه تمثالآ متحركآ كالأفلام الكرتونية ، جسد بلا روح ، يسترسل شعرها الخروبي على كتفيها ، بوجهها المستدير ، وبلونها الحنطي الذي يفيض نعومة ورقة ، وصوتها الناعم الذي يكاد لا يسمع .

لم يكن يشعر بها ، بل كانت لديه أشبه بدمية لا قيمة لها ، خادمة لا أكثر ، تستخدم متى يشاء وترمى متى يشاء .

قاربت الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل ، أمسكت بهاتفها للإتصال به ، لكنها سرعان ما لبثت لترمي به على الطاولة ، وكأن مسآ من الجن قد أصابها .

إرتخت على الكرسي الخشبي ، شعرت بالتعب وبدأ عقلها الباطن يأخذها لماضٍ تتهرب منه ، يؤلمها لا بل يقطع أجزاءها لقطع لتنثر على جوانب ذاك الطريق .

كان يومآ عاصفآ ماطر بأصوات يتبعها رعد وبرق ، وما بين خوفها عليه وبين كرهها له تبقى إمرأة ، والزوج بالنسبة لها ستر وسند للحفاظ عليها وعلى شرفها من كلاب ظالة لا تخشى باب الرحمة والغفران .

بدأت تحاول ان تشغل نفسها كي لا يعصفها الماضي ، لكن شيئآ بداخلها يستجمع قواه لتتذكر ، ذاك اليوم العاصف حينما هدم منزلهم في حرب العراق « الفلوجه » لتبقى وحيدة شاردة ، تستلقي تحت شجرة كبيرة باكية صامتة مستسلمة ، تتبع عيناها الجثث الملقية على الأرض لتنهض مسرعة مهرولة الخطوات ، هاربة لواقع آخر لعلها تجده لكنها كانت تعلم ان القادم أصعب ، وواثقة أيضآ ان رحمة الله تتسع ليأتي الفرج من السماء .

بقيت على ذاك الحال تنام بالأزقة تبحث عن طعامها تمد يدها لأهل الخير او تلتقط ما يرمى أرضآ من بقايا « الخضرجي » لتسد حاجتها ، أيام عدة لتنتقل بعدها إلى بغداد لعلها تحصل على عمل يقيها شر الأيام القادمة .

نهضت مسرعة للمطبخ تعبث بكل ما فيه ، لكن بلا جدوى ماضيها يحاصرها من كل جانب ، دخلت غرفة نومها لتلقي بجسدها المنهك على السرير ، لتغمض عينيها محاولة الهروب لكن الليلة الماطرة كانت أقوى منها لتشعل ما بداخلها من جمر ليثير جدلآ واسع بمساحات عقلها .

نهضت لتتجه الى غرفة الطعام ، لتلتقط هاتفها بيد مرتجفة ، لتدق على « قاسم » اسوأ من قابلت بحياتها ، ذاك الرجل الذي حطم بداخلها كل شيء يندرج تحت إسم أنوثة ، ليخيل لها أحيانآ هي من تكون ؟!

– الو
– خير
– الطقس بارد
– وما شأنك أنت !
– أخاف عليك
– لـِمَ
– زوجي ، من حقي ان اتتبع قدومه ، تأخرت كثيرآ
– لست من الأزواج اللذين يسألون ، فكيف من إبنة شارع بإحدى ازقة بغداد
– كم أنت قاسٍ
– لا شأن لك بي ، وان لم يعجبك عودي من حيث أتيتي

أقفل سماعة الهاتف بوجهها ، أصابها ذهول بالغ لا تدري عن مشاعرها بتلك اللحظة ، صوت المطر بايقاعه ، صوت الزينكو يضرب براسها ، صراخ الأطفال والأمهات ، اقلاع طائرات ، دماء واموات كل هذا بدأ لها كانها أشياء عادت .

ارتجفت لترمي بالسماعة لتركع على قدميها ، اغرورقت عيناها بالدموع ودون شعور منها ، فتحت الباب خارجة تحت المطر لم تشعر بالبرد حتى بنفسها ، لم تجرؤ ان تبقى وكأنها إستسلمت لمجهول قادم باحثة عن نفسها .

منتصف الليل ببلد الدمار ، مر عليها عام كامل لمأساتها اللعينة وقدرها المعتم ، تسير مرة أخرى بشوارع العراق ، شبيهة ليلتها بتلك لكن الفرق دم واموات وقصف اما ليلتها حرب أيضا لكنها بين خلجات صدرها ، وموت طموحها بالإستقرار والدم موت الرجولة برجل يفتقر للرجولة مجرد ذكر محسوب على مجتمعه .

الى أين ؟ لمتى ! لا تدري …

سمعت صوتآ قادم قرع أقدام ، وضحكات يتبعها كلمات ، توقفت عن المسير ، واذا بشابين بمقتبل الثلاثين من العمر
– من أنت ؟
صمتت ليعاد عليها السؤال ؟
– من أنت ؟ كيف تخرجين من المنزل بذاك الوقت والطقس
لم تجب لكنها بكيت بمرارة بالغة وهما ينظران اليها بعجب … !!
– يا هذه ماذا ألم بك ؟ قولي أي شيء
– أنا ، أنا ، رهينة الماضي

ركضت مسرعة بين الأزقة ، عجز الشابين عن الكلام « رهينة الماضي » كان وقع تلك الكلمة له أثر بالغ
مضى احدهما راكضآ ورائها لكنه أضاعها بين الضباب …

تمت

الكاتبة : عالية العياصرة

 

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

رابط مختصر