” رسالة إلى نفسي ” بقلم الدكتور أنور الزبن

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 8 أكتوبر 2018 - 9:56 مساءً
” رسالة إلى نفسي ” بقلم الدكتور أنور الزبن

رسالة إلى نفسي
……………………..
تحية وبعد :
من سنين وأنا أحاول أن أقنع نفسي بأن الكتابات على الجدران وحرق الإطارات ووضع حاويات الزبالة في الشوارع وإغلاقها بالحجارة عمل وطني
وأحاول أن أجد المبررات وأقول إنه عمل مقتبس من مناضلين حرروا بلادهم في مثل هذه الأعمال لكن دون جدوى
فيا نفسي لقد تعلمت من التاريخ أن للعَلَمِ حُرْمَة فلقد سقطوا قادة لأجله قبل أن يسقط
وأما اليوم فلا حُرْمَةٌ ولا قُدْسِيَّةٌ لشيءٍ أمامَ الفهمِ الخاطيء للوطَنِيةِ والدين
وبصراحة
إن جسدي المنهك من الأوامر عجز عن إقناع نفسي
فكيف يسمع العالمُ صوتي ويراني إن لم أعمل مثل هذه الأعمال
فهو النضال السلمي الذي آمنوا به وآمنت به
وهو الطريق الوحيد الذي يوصلني للقدس ثم إلى حيفا ويافا والبحر
ولازلتُ في معركةٍ بيني وبين نفسي فاجلدها حتى توافقني الرأي ولو كرهاً لكن دون جدوى
فهي تصرخُ في وجهي كلما رأيتُ حاويةً مقلوبةً في الشارعِ أو أكواماً من الحجارةِ والحديدِ متناثرة
ففي صباحِ يومٍ دَخَلَتْ إحدى الدورياتُ العسكريةِ الإستفزازيةِ للقرية
فنزل السائق العربيُ إبنُ القريَةِ يفتحُ الطريقَ ومعهُ إمرأة متمددة على الكرسي الخلفي في ساعةِ ميلادها وبعد عشرات الأمتار كان الحاجز العسكري على مدخل القرية فأعاقوا حركة السير فولَدَتْ المرأةُ على كرسي السيارة ومات الطفل قبل أن تصل المستشفى فمن المسؤل يا نفسي
و حالة أخرى لمريض إرتفع الضغط عنده مما يرى من أعمال لا تليق بشعبنا ولا يستطيع الكلام إلى أن اصبح ارتفاع الضغط لدى الشعوب مرض هذا العصر
وأصبحت هذه الظاهرة عدوى في الشارع العربي والفلسطيني خاصة لا أحد يستطيع أن يصدق أن هذه القرارات التي تصدر من الفنادق للعامل الكادح الذي لا يملك في معظم الأحيان قوت اسبوع أو للموظف الذي أنهكته الديون والمكره على تصديق هذه القرارات والعمل بها وإلا فيُتهم بالخيانة العظمى بينما المتنفذ في القرار والآمر الناهي وهم كثر الذين يكتبون القرارات ويجتمعون مع الخواجات في فنادق خمس نجوم أو إحد الشاليهات في دول أجنبية والذي إن مرَّ عنها العامل يتمنى فيها جلسة ولو لعشر دقائق كي يرتاح قليلاً في ظل شجرة ليجف عرقه
فهم فقط من يسمون أنفسهم بالمناضلين في هذا الزمان ولا يحق للعبيد أمثالنا تجاوزهم
فتأنبني نفسي وتقول لي إن مثل هذه الأعمال هي التي أوجدت الشرخ بين الشعب الواحد واصحاب القرار المنتفعين والمتنفذين أينما تواجدوا على ارضنا العربية والفلسطينية فهم لا يشعرون بما نشعر فيه وكأنهم على كوكب آخر
فهذه حقيقة الأمور التي قسمت الشعب إلى قسمين والأمة إلى أمم وشعوب متناحرة
إنها دكتاتورية الإنفراد في القرار والإستعلاء والإرهاب الفكري والجسدي دون أي إعتبار لقيم وعادات وأخلاق ودين
يا صديقي الجسد ويا أخي الذي ولدت معي من رحم واحد إرحم نفسك ولا تقنعني بأنك أقنعت العالم بهذه الأعمال وأن العالم يقف معك
فقد أرهقتني بثرثرتك أي عالم وأي دول تقف معك
لماذا يسكتون عن قتل ألأطفال في العراق وسوريا واليمن وفلسطين والحبل على الجرار؟
من دمر البلاد وقتل العباد ؟
أليس هذا العالم المتحضر الذي استعمر البلاد قرون ولا يزال إحتلالهم مشنقة حول أعناقنا ؟
أليسوا هم من أوهموك بالمقاومة السلمية التي لا أصل لها في تاريخ الشعوب المتحررة ؟
اليست احزابهم وتنظيماتهم ومنظماتهم التي تسكت عن مصادرة ارضنا كل يوم ؟ فتبني في كل موقع خيمة للتسحيج والتصفيق ولتلميع شخصية جديدة
قل لي بربك ؟
قل لي ولا تسكت أيها الجسد المحنط فرغوك من كل مضمون حتى أصبحت كالطَبْلِ الأجوف ؟
أنا نفسك التي تريد أن أطاوعك في كل شيء
لكن أبداً سأمزق رسالتك إن أمرتني بأي فعل من هذا
أعتذر لك ولن أوافقك
و من يقول أن الشعب إنقسم إلى قسمين فهو مخطيء ويكذب على نفسه كما أكذب أنا عليك نفسي وأحاول إقناعك بأن حرق الإطارات وسط المدن وفي القرى والمخيمات وفي الشوارع التي كلفت العشرات ومئآت الألوف من الدولارات والدنانير واليورو وأن الكتابة على الجدران والأَسوار التي خصصت لحماية البيوت وسترها أصبحت ألواحاً وسبورة كتابة في بعض المناطق وأصبحت للشعارات فهي ملك من توسدوا الأمر بجهالة وتورث الضرر بيئياًً واقتصادياًً ومن يقول بأنه عمل وطني وأسلوب تحرري فهو مخطيء وكذب على الدقون أقول إن مثل هذه الأعمال هي التي قسمت العرب عربين وحتى القسمين أبداً لم يبقوا قسمين فكل قسم منهما إنقسم لأقسام لكن لا نرى إلا الظاهر لنا والمخفي أعظم
فمن لم توحدهم ظروف شعبهم ومعاناته لن توحدهم الإطارات والإضرابات وكتابة الشعارات فبالحب يحيا الشعب وبالتضحية والعمل
وما سواه فهو تلميع لبعض المنتفعين والمتنفذين الذين أتخمت كروشهم على حساب شعبنا المحاصر أينما كان في أرضه حتى في فكره ولقمة عيشه
فالعقل يقول أن شعبنا كأرضنا لا تتجزأ
لأن الدين لله والوطن لله وما نحن إلا مؤتمنين عليهما فلماذا الإنقسام وأنتم لا تملكون شيء
فيا نفسي وياعقلي عودا إلى رشدكما عودا إلى الجسد الواحد
فالدين والوطن بحاجة لكما متوحدين غير منقسمين
وإلا فلا حاجة للأرض بجسد ميت
د. أنور الزبن (شاعر النقب)
رئيس مجلس الكتاب والأدباء والمثقفين العرب
فرع فلسطين

 

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

رابط مختصر