ذكرى استشهاده السابعة والثلاثون..بقلم الكاتب هاشم عقل

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 21 أغسطس 2019 - 7:52 مساءً
ذكرى استشهاده السابعة والثلاثون..بقلم الكاتب هاشم عقل

ذكرى استشهاده السابعة والثلاثون
علي فودة الشاعر الشهيد والاغاني الباقية:
إني اخترتك يا وطني حباً وطواعية
إني اخترتك يا وطني سراً وعلانية
إني اخترتك يا وطني
فليتنكر لي زمني
ما دمت ستذكرني
يا وطني الرائع.. يا وطني

ولد الشاعر الشهيد علي فودة في قرية قنير في حيفا سنة 1946، وهجّر بعد أقل من عامين الى مخيم جنزور قرب جنين، وبعدها بعامين انتقل أهالي المخيم إلى مخيم نور شمس في طولكرم، وفي سن السابعة فقد أمه.. أكمل تعليمه، ودرس في معهد المعلمين في حوارة ثم في إربد، وعمل مدرساً في أم عبهرة- مرج الحمام بالقرب من عمّان.

في منتصف آب/ أغسطس 1982، وفي ذروة اشتداد القصف الإسرائيلي لبيروت من الجو والبر والبحر، كان علي فودة يوزّع على المقاتلين في عين المريسة ببيروت، جريدته التي أسسها مع زميله رسمي أبو علي، وأطلق عيها اسم “الرصيف”. سقطت قذيفة على علي فودة فأصيب بجروح خطيرة، ليستشهد بعدها بأيام، ويكون من القلائل الذين قرأوا ما كتب فيهم من رثاء قبل موتهم، حيث أعلن استشهاده وهو حي.

36 عاما هي السنوات التي عاشها فودة، وهو ذات العمر الذي عاشه الأديب الشهيد غسان كنفاني، الذي استشهد في بيروت أيضا.

يقول الأديب جهاد صالح في مقالة له بعنوان “علي فودة.. خبأ القنابل في دمه”: عرفته، عندما كنت قائداً لمحور “رأس النبع” في بيروت، بيده اليمنى رشاش المقاتلين، وفي اليد الأخرى مجلة “الرصيف” يوزّعها على المقاتلين الفلسطينيين واللبنانيين، وكان يُكثر من ذكر مخيم “نور شمس” والمخيمات الأخرى، والتقيته في “مطعم أم نبيل” في الفاكهاني، وعندما أعلنت له عن تحفظي على “فكرة المخيم” الذي بدأ يتصاعد في ظل بروز الهوية الفلسطينية النضالية، ضحك كثيراً، وقال: لا أعتبر المخيم سوى عنوانا للتشرد والمنفى. ولا يمكن أن يكون وطناً لنا.

في صيف عام 1977، اتصل بي الأخ هادي حاوي، وكان مديراً عاماً لصحيفة “النداء” الناطقة بلسان الحزب الشيوعي اللبناني، وأخبرني أنه سيزورني مع الفنان مارسيل خليفه. رحبت بهما، وطلبا الاجتماع مع علي فودة، لأن مارسيل قد وقع اختياره على نص في قصيدة علي فودة “الغضب، الفهد” في ديوانه “عواء الذئب”. حضر علي فودة، وتم الاتفاق على اختيار مقطع:

إني اخترتك يا وطني حباً وطواعية
إني اخترتك يا وطني سراً وعلانية
إني اخترتك يا وطني
فليتنكر لي زمني
ما دمت ستذكرني
يا وطني الرائع.. يا وطني

وما أن غناها مارسيل خليفة، حتى ارتفع صيت علي فودة، خاصة بعد أن غنّاها مارسيل في قاعة جمال عبد الناصر، في الجامعة العربية ببيروت، وعندما علا تصفيق الحاضرين، ما دفع بمارسيل أن ينزل إلى القاعة، ويصطحب معه علي فودة ليعلن أنه صاحب هذا النص، فعلا التصفيق مرة أخرى.

الكاتب اللبناني إلياس خوري في روايته “باب الشمس” رصد استشهاد فودة، قائلا: “أذكر أنه جاء جريحاً إلى المستشفى، جلبوه مع جريح آخر، وكان الدم يغطيهما، الجريح الأول كان شبه ميت، ودمه متجمد على جسده اليابس. لا أعلم من كشف عليه وأعلن وفاته. فتمّ نقله إلى براد المستشفى تمهيداً لدفنه. ثم اكتشفوا أنه حيّ، فنقل على عجل إلى غرفة العناية الفائقة، وهناك اكتشفنا أنه كان شاعراً. الصحف التي صدرت في بيروت أثناء الحصار، نشرت عنه المراثي الطويلة، وعندما استيقظ الشاعر من موته، وقرأ المراثي شعر بسعادة لا توصف. كان وضعه الصحي ميؤوساً منه، فقد أصيب في عموده الفقري وتمزقت رئته اليسرى، لكنه عاش يومين، وهو ما كان كافياً ليقرأ كل ما كتب عنه، قال إنه سعيد، ولم يعد يهمه الموت، فلقد عرف اليوم معنى الحياة، من خلال الحب المصنوع من الكلمات. كان علي – وهذا هو اسمه- الميت السعيد الوحيد الذي رأيت في حياتي كأن كل آلامه امّحت. عاش في سريره، وسط أكوام المراثي، يومين جميلين، وحين مات، كان كل شيء قد سبق أن كتب عنه، فنشر نعيه الثاني في أسطر قليلة في الصحف”.

ويقول الكاتب نضال حمد: يوم أحضروا علي فودة الى مستشفى الجامعة الأمريكية ببيروت، كنت صدفة في المكان، رأيته مضرجاً بدمه، شعره الشائب الأبيض وسرواله الكحلي المعروف.. قالوا إنه ميت، لكنه كان حياً، عاش لأيام ثم استشهد متأثراً بجروحه.

كتب الصحفي أمجد ناصر في علي فودة: كان مولعا بالضحك العالي. يوزع الفوضى والضحكات العارمة. ودودا وإنسانيا على نحو لا يصدق.

كان ثمة إشعاع حي في إحدى عينيه، لمعة حياة غريبة، بدا وكأنه يبتسم من خلال فمه الذي هشمته الشظايا، مغطى كله بالشاش الأبيص، وأشرطة وأنابيب رفيعة تتداخل في مواضيع مختلفة من جسمه، آلات تنبض، أخرى ترسم خيوطا بيانية.. إصابته بليغة جدا، ولكن من المحتمل أن يعيش.

وكتب الكاتب ناهض حتّر: والآن مات علي مقاتلا، ليس علي فودة شيئا هيّنا في حياتي، علمني فلسطين والحياة والشعر.

ولد في قرية قنير في حيفا سنة 1946، وهجّر بعد أقل من عامين الى مخيم جنزور قرب جنين، وبعدها بعامين انتقل أهالي المخيم إلى مخيم نور شمس في طولكرم، وفي سن السابعة فقد أمه، وتزوج والده، فشعر علي بالغربة والضياع، لكنه أكمل تعليمه، ودرس في معهد المعلمين في حوارة ثم في إربد، وعمل مدرساً في أم عبهرة- مرج الحمام بالقرب من عمّان.

ويروي الكاتب صبحي فحماوي أن فودة انتقل بعدها إلى التدريس في جبل النظيف، وفي الأشرفية والتاج والقلعة، وكان يسكن في طلعة المصدار في السبعينيات، في شقة تسوية مظلمة رطبة، تحت مستوى الأرض. نفى علي فودة نفسه من عمّان إلى الكويت عام 1975، فشعر بمزيد من الغربة هناك، فنفى نفسه اختيارياً إلى بغداد، حيث أقام فيها عامي 1976 و1977، ثم تمرد على واقعه، فانتقل إلى منفى عاشر وهو بيروت، حيث أصدر جريدة الرصيف مع رفاق له، والتي استشهد وهو يوزعها على الرصيف، ففي ديوانه “فلسطيني كحد السيف”، يقول واصفاً صف اللاجئين، المنتظرين استلام مساعدات المؤن الغذائية، من وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا):‏ واقف، وكيس الخيش بين يديّ واقف.. وصف العار كالأفعى، ومنذ الفجر واقف.. ‏وبين الصف من كانوا ذوي عز وجاه، والمعارف.. وشرطي يصرخ: لا تخالف! ثم يقول: “بعيداً عنك يا قنّير إني لم أنم أبداً.. ولم أحلم فعمري

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

رابط مختصر