حديث الجمعة…مقال بقلم علي الشافعي

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 20 نوفمبر 2020 - 11:24 مساءً
حديث الجمعة…مقال بقلم علي الشافعي

حديث الجمعة بقلم علي الشافعي
عالم التقزيم والاختزال مقال
يطلق على عصرنا هذا ــ يا سادة ــ عصر السرعة , وفي هذا العصر تنتشر ظاهرتا التقزيم و الاختزال , والتقزيم ظاهرة زراعية تعني تصغير حجم الشجرة الكبيرة , تدخل أي بستان او مزرعة فترى اشجار التين واللوز والتفاح والمشمش وحتى الزيتون صغيرة الحجم , لا يتعدى طولها المترين , تسأل فيقال لك انها مقزّمة , ليستوعب الدنم منها اضعاف ما يستوعبه من الشجر الكبير , وبنفس الوقت يكون عمرها قصيرا , يمكن خلعها في أي وقت وابدالها بنوع جديد من الاشجار , حسب طلب السوق .
اما الاختزال ــ يا دام سعدكم ــ فبحسب قواميس اللغة يعني تقليص حجم العبارة بكلمة او حرف , كأن تكتب(صلعم) بدل صلى الله عليه وسلم , (ض) بدل رضي الله عنه , ونقول (بسملة ) بدل بسم الله الرحمن الرحيم , و(حوقلة) بدل لاحول ولا قوة الا بالله . وقد انسحبت هاتان الظاهرتان حتى على الافكار والقيم والمبادئ , حيث اصبحت المعاني الكبيرة لبعض القيم تختزل في معنى ضيق واحد , فالصدق مثلا اصبح مختزلا بعكس الكذب في القول , اما صدق الافعال والمواقف فلا احد يتحدث عنه . وكذلك الامانة صارت عكس السرقة مع انها اكبر من ذلك بكثير .
لعل اكثر قيمة قزمت واختزلت في عصرنا ــ يا دام فضلكم ــ هي الشرف , فبمجرد ان تقرأ او تسمع هذه الكلمة ينصرف ذهنك فقط الى العلاقة غير البريئة بين الرجل و المرأة , خاصة وان وسائل الاعلام لا تركز في اخبارها ومقالاتها الا على هذا المعنى , فتكتب في عناوينها (جريمة شرف , قتل من اجل الشرف , خصام بين عشيرتين على خلفية شرف… وهكذا) . والمشكلة اننا نحمّل تبعات الشرف للجانب الاضعف (لمرأة ), والتي تتربى طوال حياتها في اغلب البيوت على الضعف وسلب الحقوق والارادة , ولا تكاد تسمع كلمة حنان واحدة من والديها ودائما الولد مقدم عليها , ثم يحملونها هذه المسؤولية الخطيرة , فاذا وقعت فريسة ذئب بشري يعرف من اين تؤكل الكتف ؛ اصبحت ضحية مجتمع لا يغفر واهل لا يرحمون , فتكون اول الضحيا دفاعا عن شرف العائلة , وعلى راي المثل العراقي تصبح مثل (الجمل لو طاح كثرت سكاكينه ) وفي العادة يفلت الرجل من جريمته وكان شيئا لم يكن .
عودة الى موضوعنا فمعنى الشرف اكبر من ذلك بكثير : كلمة شرف ــ يا سادة ـــ في اللغة مصدر الفعل الثلاثي شرُف بمعنى ترفع وتعالى عن كل نقيصة . فالشريف اذن هو من ترفّع عن النقائص . الشرف عباءة مُقصّبة جميلة جليلة , يلبسها كل من حاز الصفات الحميدة والخصال الكريمة , كالصدق والكرم والامانة والعفة والنخوة والشجاعة والشهامة والرجولة الى غير ذلك .
اذن هذه العباءة لا يلبسها التاجر الذي يأكل اموال الناس بالباطل , ويتلاعب في قوت عيالهم , سواء باحتكار السلع او افتعال الازمات لرفع الثمن , ولا يلبسها المزارع الذي يضيف الهرمونات والمبيدات المسرطنة للنبات , من اجل اكثار المحصول وانضاجه في اسرع وقت , ولا يلبسها الصانع الذي يغش منتجه لزيادة ربحه ثم يتعطل الجهاز عن العمل بعد يومين من شرائه . ولا العامل الذي لا يتقن عمله او يغش صاحب العمل , مع استيفائه اجره كاملا . ولا يلبسها الموظف الذي يبدد المال العام بصفقات مشبوهة او سفرات مشبوهة . وكذلك المواطن الذي يماطل في دفع ما عليه من التزامات يتلاعب بعدادات الماء او الكهرباء تحت أي ذريعة .
في رايكم ــ يا دام سعدكم ــ هل يلبسها من يجوّع شعبه , من يقتل شعبه , من يفرغ جيوب شعبه تحت ذريعة الضرائب والجمارك . هل يلبسها من شرد شعبه , من يساوم على تاريخ شعبه , من تامر مع الاعداء على شعبه . من هدم البيوت وقتل وسبا حرائر شعبه , من ادخل الاجنبي الى بيته ثم صرخ في حريمه لا يريد ان يسمع اصواتهن . وهل وهل وهل .. هل عرفتم الان ـــ يا دام عزكم ـــ سعة هذه العباءة , ومن يحق له ان يلبسها . طابت اوقاتكم

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

رابط مختصر