حديث الجمعة .. قصة بقلم علي الشافعي

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 28 أغسطس 2020 - 3:46 مساءً
حديث الجمعة ..    قصة بقلم علي الشافعي

حديث الجمعة بقلم علي الشافعي
الدرس الاول
مالت بنا سيارة الجيب (لاند روفر) الحكومية قليلا على جانب الخط الصحراوي , عند نُزُلٍ كتب عليه وزارة الزراعة , نزلنا من الجيب بعد مكابدة ثماني ساعات في طريق صحراوي غير معبد . كنا اربعة معلمين ومندوبا من مراقبة تعليم (غات ) في اقصي الجنوب الغربي للجماهيرية اللبية . نزلنا الواحد تلو الاخر , دخلنا فوجدنا كبار اهل البلدة في استقبالنا على نحو لم نتوقعه , مما خفف علينا مشقة السفر . بعد السلام اجلسونا في صدر المجلس واخذوا يرحبون بنا بلكنة عربية مكسرة تشبه لكنة الاجانب عندنا , استغربنا شكل ملابسهم وطريقة سلامهم , فأشار الينا المندوب انه سيوضح ذلك لنا لاحقا , بعد برهة قليلة اتي احدهم بصحن وابريق نحاسيين , فطلب منا المندوب ان نغسل ايادينا ونحن جلوس ثم أُعطينا منشفة فجففناها , وعلى الفور حضر رجل اخر ومعه سيخُ طويل فيه قطعٌ كبيرة مشوية من كبد الغنم , فتناول كلٌ منا قطعة . بعد فترة قصيرة أُحضِر الطعام وهو عبارة عن الطبق الشعبي في بلاد المغرب العربي (الكسكسي ) يشبه قليلا المفتول عندنا لكن حبته اصغر . قال كبير الحاضرين بلهجة ليبية : ( باهي توَّ تْفَضْلوا الغدا ) , وذلك بين تهليل وترحيب الاهالي , بعد الاكل احضروا لنا الصحن والابريق النحاسيين وغسلنا ايدينا مرة اخرى ونحن جلوس , ثم احضر لنا الشاي المغلي جيدا والمحلى كثيرا حتى صار كثيفا مائلا للسواد , في اكواب صغيرة الحجم بطول حوالي 3سم . بعد ذلك استأذن المندوب ليأخذنا الى نزل المعلمين الخاص , وصلنا هناك فكان النزل عبارة عن ثلاث غرف حديثة البناء مع منافعها في كل غرفة ثلاثة اسرة , جلس معنا المندوب يحدثنا فقال :
انتم الان في بلدة العوينات , وهي بلدة هادئة تقع على الخط الصحراوي الذي يربط بين سبها (عاصمة اقليم فزان ) وغات و طوله 560كم , منها 200 كم حتى مدينة (اوباري) معبدة , والباقي 360 كم طريق ترابي صحراوي كما ترون والحكومة تعمل على تعبيده بإذن الله . تبعد العوينات عن المركز ( غات) باتجاه (اوباري) 120كم , سكانها من الطوارق , لهم لغتهم الخاصة بهم وتسمى (التارغي او الهاوْسِن ) والحكومة تسعى جاهدة لنشر اللغة العربية بينهم , وتعليمهم والنهوض بهم من حالة البداوة والتصحر الى حالة المدنية الحديثة , وهذا يقع على كاهلكم انتم ـــ ايها الشباب ــ وان شاء الله انتم على قدر المسؤولية, تحاول الحكومة جاهدة اقامة اسكانات وعمل مشاريع زراعية لتسكين الذين يقطنون في الصحراء . الناس هنا هادئون طيبون يحبون الغريب , واكثر ما يحترمون المعلم فهو عندهم مقدس ومبارك , اما اللباس الذي شاهدتموه فهو اللباس التقليدي الذي يحرص اهل البلدة على لباسه في الاحتفالات وعند استقبال الضيوف المهمين , و يتكون من الثوب السروال الفضفاض والعمامة ( بطول حوالي خمسة امتار) التي تلف على الراس ثم يغطى بجزء منها الفم والانف ولا يظهر سوى العينان , وكل اهل البلدة مسلمون متدينون , في البلدة مخبز واحد وفيها جمعية تعاونية لشراء حاجاتكم والجمعية هي ملك الحكومة اذ لا ملكية فردية عندنا , تبيع المواد الاساسية بسعرها في العاصمة اما الخضار فهي شحيحة لان المشروع الزراعي لم يكتمل بعد . المدرسة هنا مختلطة حتى الصف التاسع وعدد الطلبة حوالي 200طالب . سأترككم الان ترتاحون وفي الصباح يحضر مدير المدرسة ليصحبكم اليها , ويعرّفكم مرافقها ويوزّع عليكم المهام .
استلقيت على السرير ورفعت عيناي في السقف , دارت في مخيلتي هذه الرحلة العجيبة السريعة ففور تخرجنا كانت البعثة الليبية في الانتظار لاستقطاب اكبر عدد ممكن من المعلمين منافسة لدول الخليج , لملء الشواغر في مدارسها , في بلد مساحته حوالي مليون و750 الف كم2 , ابان النهضة والثورة الثقافية التي أُعلنت آنذاك , وسرحت في ركوب الطائرة لأول مرة من عمان الى طرابلس الغرب ثم من طرابلس الى سبها عاصمة اقليم فزان والمسؤولة عن كل مراقبات التعليم في الجنوب الغربي الليبي , ثم رحلة الحافلة التي استغرقت 24 ساعة لقطع مسافة 560كم منها 360كم طريق صحراوي غير معبد تتخلله كثبان رملية متحركة , ثم العودة مرة اخري على نفس الطريق باتجاه العوينات , كل ذلك في 3 ايام . قلت : سبحان الله فعلا كما يقال في المثل الشعبي( الانسان طائر بلا جناح ). ثم رحت في سبات عميق
في الصباح حضر مدير المدرسة ورحب بنا , ثم صحبنا الى المدرسة بكل ذوق واحترام , وعرفنا المرافق والصفوف , ووزع علينا المهام و النشاطات مع باقي الزملاء القدامى . اسند الى نشاط الاذاعة المدرسية باعتباري معلم اللغة العربية . قرع الجرس واصطف الطلاب بكل سهولة ويسر , تفاجأت بان بعضهم في مثل سني تقريبا , فعلمت ان التعليم وصل اليهم متأخرا فالتحقوا بالمدارس في سن كبيرة , بدا النشيد الوطني وهو النشيد المشهور (الله اكبر يا بلادي كبري ) احسست بشيء يهزني من الداخل , انا اذا في بلد عربي رغم السحنة الافريقية السوداء واللكنة التي اسمعها . وصممت ساعتها ان ابذل كل ما في استطاعتي ليكون لي بصمة في نشر العربية في تلك البلاد . بعد انتهاء النشيد سلمني المدير الميكروفون وقال : الان مع الاذاعة المدرسية اذكر انني اخذت الميكرفون , ولا ادري لم خطرت على بالي بالذات فواتح سورة الفتح (انا فتحنا لك فتحا مبينا ….) فتلوتها, ثم كلمة ترحيبية بالطلبة في بداية العام الدراسي . دخل الطلاب الصفوف وكانت الحصة الاولي لي عند الصف التاسع . اول قطعة طباشير امسكت بها وانا معلم , كتبت في اعلى يمين السبورة بسم الله , وعلى الجانب الايسر التاريخ 5/9/1976 . وفي الوسط كتبت الدرس الاول , وتحته بلاد العرب اوطاني , طبتم وطابت اوقاتكم .

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

رابط مختصر