بقلم علي رائد ناهي

Spread the love

 

كتب //علي رائد الناهي
((هي الشمس في كبد السماء مقرها ،، فكيف لي براق نحوها ببراق ))
هي الشمس التي أشرقت على الدنيا ضياءً فأنارت من نورها مواطن العلم و الثقافة هي التي تزاوجت و الكتب عرساً لم يشهد له العلم مثيلاً فأنجبت منه حباً و ثقافة و سلاماً .
هي التي وقفت كل البطولات على بطولتها هي الرائعة عالية محمد باقر التي خاطرت بنفسها لا من أجل بطولة و لا من أجل شهرة و انما لشعور بداخلها ان تلك المكتبة و ما تحتويها ابناء لها و كيف لام لا تخاطر من أجل انقاذ اولادها حتى لو كانوا تحت براثم الاسد .
عندما نذكر عالية محمد باقر تعود بنا الذكريات المؤلمة إلى ٢٠٠٣ تلك السنة المشؤمة على مكتبة البصرة بسبب محافظها الذي جعل منها مقرا له بدلا من مقر المحافظة خوفاً على نفسه من القتل و ما خاف على العلم او تراث البلد و لا مخطوطاته النادرة التي تعود إلى ما قبل التاريخ و أكتفى بأن يتعجرف بنفسه رافضا كل المحاولات لنقل الكتب من المكتبة و هذا بالفعل ما طلبته عالية محمد باقر منه إلا انه أبا و رفض قائلا أنا ادرى بعملي وهو لا يعتني الا بحياته القذرة التي وصلت قذارتها إلى تلويث الكتب و حرم الام من اولادها .
في تلك السنة دخلت الجيوش البريطانية الى اراضي البصرة و كان حينها وليد توفيق وهو محافظ البصرة في زمن النظام المخلوع و من خيفيته على نفسه لانه كان يتوقع ان اول دخول للقوات المسلحة البريطانية ستقصف مبنى المحافظة فأنتقل و من معه من الشراذم إلى مكتبة البصرة و بالفعل قُصف مبنى المحافظة و هنا ازداد خوف عالية محمد باقر على كتبها و مكتبتها من القصف فتدمر و يدمر مافيها من تراث يعود الى ما قبل التاريخ و كتب كان عددها ٦٠ألف كتاب فذهبت مسرعة إلى المحافظ سائلة اياه نقل الكتب إلا انه بكل عجرفة امتنع إلا ان عاليه ايضا امتنعت الانصياع الى ذاك الهراء و اللامبالة بحياة المكتبة التي تمثل البصرة و اهلها المثقفين فأستغلت فرصة عدم قدوم المحافظ إلى المكتبة و بدات على نفقتها و مسؤوليتها الخاصة تحميل الكتب في شاحنات و نقلها إلى منزلها و لكن أُتخم المنزل بالكتب حتى انها قالت كنت أضع الكتب على حافة النافذة فأمتلئت و لم يبق مكان في المنزل و قالت ايضا هنا موقف لا انساه من صاحب المطعم المجاور للمكتبة وهو مطعم حمدان اذا انه قال له انقلي الكتب إلى المطعم و تقول بالفعل بدأت العملية الثانية و قمنا بأنزال ستائر المكتبة و كل الاكياس الموجودة هناك و نعبئها و ننقلها ثم نعود نعبئها و ننقلها حتى استمر الحال هو الحال الى ما يقارب الثمانية و العشرين يوماً و أستطاعت حينها بنقل ٣٠ألف كتاب من أصل ٦٠ألف كتاب و هنا بعد هذه المدة من الايام المتواصلة بالعمل من الصباح حتى المساء تقول جاء هاتف إلى زوجي من احد موظفي المكتبة الذين ساعدوني في نقل الكتب قائلا له أخبر السيدة عالية بالقدوم إلى المكتبة فاخبره زوجي انها تأتي كل يوم فقال له دعها تأتي اليوم مبكراً و هنا تقول عالية دخل الشك قلبي و بقيت في خيفة و توجس فركبت سيارتي مع زوجي و ذهبت على عجالة من امري حتى وصلت و اذ بي اخر مصدمة من هول الموقف و الدخان يتصاعد من ابنية المكتبة فدخلت مسرعة إلى المكتبة و انا فاقدة لوعي أحتضن الرماد الحارق وسط الدخان و لم اكن اشعر في حينها بحرارة ذلك الرماد سوى حرارة قلبي الذي تمزق و لم أكن أشعر بقدمي التي احترقت فأسرع زوجي بسحبي من وسط ذاك الرماد و من حينها دخلت إلى الانعاش ما يقارب الثلاثة أيام لان موقف كهذا ما كان ليتحمله قلب أم على أولادها الذين احترقوا و كأني بهم اسمع لسان البحر ينادي و تاج العروس تلومني على اني لم أخذها معي و باقي الحروف تبكي معي على فقد كتبها .
حتى بعد عشر سنوات من الموقف كانت السيدة عالية محمد باقر تبكي حينما قصت لي خبر حرق المكتبة ثم عادت لتستطرد بالحديث قائلة : عندما كنت بالانعاش و بعدما تحسنت حالتي قليلاً جاءت لي صحفية لم أكن أعرف من هي حتى روت لي قصتها و هي الصحفية شيرلا ديوان التي كانت تعمل في صحيفة نيويورك تايمز الامريكية و قالت لي : أنا كنت أراقبك من شباك فندقي المطل على المكتبة و رأيت بطولتك الفذة في انقاذ الكتب و كنت أعتقد في بادئ الأمر ان المكتبة تُسرق كما سُرقت الكثر من المباني حتى سألت فقالوا لي هذه هي امينة مكتبة البصرة تحاول انقاذ الكتب فبقيت ارقب تحركاتك من نافذتي المطلة على المكتبة مدة شهرا كامل حتى احترق المكتبة لأسجل بطولتك الرائعة في مقال في صحيحة نيويورك تايمز
ثم قالت عالية محمد باقر و بالفعل عادت شيرلا ديوان إلى أمريكا و قامت بنشر المقال لتأتي جانيت ونتر صاحبة شركة لانتاج قصص و رسوم الاطفال لتحويل المقالة إلى قصة للاطفال كي تعلمهم كيف يحمون الكتب كما فعلت عالية محمد باقر و بعد اكتمال القصة التي لم أكن أعلم بها حتى أتاني خبر من مهرجان في ايطاليا لتكريمي و تكريم الصحفية شيرلا ديوان على كتابتها المقال لان القصة التي كتبتها جانيت ونتر قد تُرجمت إلى الايطالية و فازت في مهرجان قصص الاطفال و بعد ان تم تكريمي في مهرجان ايطاليا أنتقلت القصة إلى مصر فتمت ترجمتها إلى العربية و بالفعل قد تم استدعائي من قبل مكتبة الاسكندرية لتكريمي و كانت المفارقة الجميلة ان السيدة سوزان مبارك هي المسؤولة عن مكتبة الاطفال و قد كرمتني هي بنفسها ….هكذا سطرت السيدة عالية محمد باقر موقف بطولي لا يستطيع التاريخ ان ينساه فهي المناضلة التي لم تخف على حياتها اكثر ما خافت على حياة الكتب و مصيرها فأستحقت منا كل الشكر و التقدير و الثناء على ما قدمته في سبيل المكتبة العراقية

 

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

عن لطيفة خالد

لطيفة خالد مواليد لبنان طرابلس 4/2/1964. جبران خليل جبران أبي الروحي , و النابغة الذبياني مثلي الأعلى ". هذا شعارها , و طريق حياتها , و نهجها الأدبي . إنها الأديبة اللبنانية المعاصرة " لطيفة خالد " التي ما زالت تتربع على عرش القلم الفياض بالروائع و الحكم . إنها سليلة مجد لبناني متوارث عبر عقود طويلة , و ما زال صداها و عبقها يكمنان بين ثنايا, بل يعطران, الحياة الأدبية اللبنانية . فجبران خليل جبران , و ميخائيل نعيمة , و مي زيادة , ليسوا إلا أمثلة على قمم شاهقة في حياة الأدب , و الموروث اللبناني العتيد , شعرا كان أم نثرا. طفولتها ليست كطفولة الغير , حياتها ليست كحياة الغير, أيضا. تهوى , بل تعشق القلم منذ نعومة أظفارها , تقرأ كل ما يتيسر من كتابات قراءة نقدية . فطالما طلبت منها مدرستها في مراحل الدراسة الأساسية , أن تقرأ ما يخطه قلمها من نفائس الكلم أمام أترابها , الأمر الذي أثار إعجاب المعلمة , قبل الطالبات , فظنت أنها انتحلت شيئا مما خطه المنفلوطي. زاهية تلك الكلمات التي تسكبها على أوراق الورد , و كراسات الأحلام . مخزون ثقافي , معرفي , و موسوعي متفجر يدوي في الأفاق , و تنوء بحمله أعتى الصفحات. كيف لا, و قد حباها المولى بأخ شقيق يمتلك ناصية أضخم مكتبة تجثم بها أمهات الكتب . فدونها ينبوع المعرفة , تغترف منه , و ترتوي فكرا , و أدبا , و معرفة. تماهت في الشعر , خاصة شعر إيليا ابو ماضي , ذاك الشاعر المهجري الرائع . جعبتها تغص بالدرر النفيسة و فصل القول , و ما ذاك إلا بفضل الأهل – بعد المولى تعالى- الذين يشكلون لها خط الدفاع الأول , و صمام الأمان . هي أسرة عصامية مكافحة, لا هم لها إلا رقي أبنائها . و هاهي الابنة الثالثة ترتيبا في العائلة , تحصد ثمار , و جنى أمل الأسرة. الطابع الإنساني , و القضايا المجتمعية و العدل بين البشر , هو هاجسها الأول و الأخير . لأجل ذلك, و بكل شغف, التحقت بكلية الحقوق في الجامعة اللبنانية , علها تعيد بعضا من الأمور إلى نصابها ؛ نصرة لمن لا ناصر له.لم تثن الحرب الضروس و الطاحنة بين بني الجلدة من عزمها أو عزم الأهل ؛ فهاهم يتنقلون من مدينة إلى مدينة , بل من حي إلى حي بشكل تكتيكي , تفاديا لضربة مميتة – لا سمح الله – قد تقذف بها تلك الحرب الأهلية الهوجاء التي قضت على أمال الكثيرين , بل شردت البعض خارج الوطن . و ثبتت أديبتنا , و أنشبث أظفارها في مرابع الطفولة , بلاد الكرامة والشعب العنيد , كما يحلو لها ان تقول , مرددة قول فيروز. نشرت لها الصحف اللبنانية العديد من المقالات , و الخواطر , كما تبنت المكتبة العربية نشر كتابها الأول " أنا و قلمي " . كما نشرت لها مجلة " المعرفة " العديد من المقالات , ناهيك عن تسابق بعض المواقع الالكترونية , لتزدان صفحاتها بنشر نفائس الأعمال- كتابة و صوتا- لهذه الأديبة الرائعة , الحائزة على لقب " كاتب ماسي " , و ذلك حسب عبور القراء لذلك الموقع و تصفح مقالاتها. و في الآونة الأخيرة , نشر لها موقع " أنهار " رواية بعنوان " ذات الرداء الأبيض " , و هي ملحمة مجتمعية تصور المجتمع الطرابلسي اللبناني بين الأستقلالين , الأول و الثاني , و صولا إلى فترة الربيع العربي . أما مسك الختام , و ليس ختاما , فهو كتاب بعنوان " قصائد نثرية" , حيث تتجلى روعة الأديبة خالد في بث الفضيلة , و مكارم الأخلاق في جميع شرائح المجتمع الإنساني. هذا غيض من فيض , فللأديبة اللبنانية العشرات , و العشرات من المقالات , و الخواطر , و المخطوطات لا تصلح إلا ميثاقاً مجتمعياً و أخلاقياَ للنشئ .
x

‎قد يُعجبك أيضاً

الأدب العربي

Spread the love لو شئت أن أعرف الأدب  لقلْت : إنه عمل ...