الرئيسية / آخر الأخبار / بعضٌ من حكيٍ… رواية سعدية بلگارح

بعضٌ من حكيٍ… رواية سعدية بلگارح

Spread the love

بعضٌ من حكيٍ…

اَلـقَتيلة :
من رواية “جدائل متعَبة”:

في صباح هذا الأحد، أشعر بنوع من الخمول، لا أستطيع رفع رأسي من فوق الوسادة. كانت ليلة أمس حافلة بالتوتر و الإرهاق. لم أغلق جفنَيَّ إلا وعين الشمس تُطل من النافذة.
ساعة الهاتف تسجل الواحدة بعد الزوال، وصلتني للتو رسالة من خولة.
“صباح النور مَرْيومْتي أتمنى أن تكوني بخير”
استطاعتْ رسالتها أن ترمم الشروخ التي أحدثها تهوّرها في الماضي. وأعادتني إلى الفاصلة التي وقفنا على حافتها، لتكتمل الجملة الناقصة.
حركتْ أناملي أزرارَ الهاتف لتردَّ على الرسالة:
“صباحكِ سعادة. صاحبة السعادة
أتمنى أن تكوني بخير “.
وضعتُ باقة ورد جميلة مع الرسالة ثم كبستُ على زر الإرسال.
ومكثتُ عبثاً حتى وقت متأخرٍ، أرقبُ رسالة ثانية، تحمل موعداً أو أيّ إشارة عن رغبتها في رؤيتي مُجَدَّدا. فقمتُ أجرّ قدمَيّ إلى الحمّام، وبين ذراعيّ منشفة كبيرة وبعض ملابسي، حضّرتُ عطور الاستحمام ثمّ أسلمتُ جسدي للماء الدافئ، يجتاحهُ لمدة ساعةٍ كاملةٍ، فصلتْني عن خولة وعن العالم.
استيهامٌ آخر يسحبني بكل جبروته وأنا طيّعة منساقةٌ، لا سبيل لمقاومته، إنها قهوة أمي. تلك المحمّصَة مسبَقا مع بعض قرون القرنفل، الزنجبيل الطري وأعواد القرفة، مع نكهاتٍ أخرى لا أستطيع حصرها. يكمنُ فيها سحر يدينِ مباركَتين. أتناول فنجاني بمتعة، مباشرة بعد حمّامي، فتنفتح عينايَ وينشُط دماغي. ومرة أخرى أعود إلى التفكير في أحداث الليلة الماضية، أبتسمُ متذكِّرةً جنون خولة وشغبها.
بَيْنَا أنا في هيامي ذاكَ، إذ بهاتفي يعطي إشارة ورود رسالة جديدة.
إنها من خولة كانت مقتضبة جدا: ” أنتظركِ الآن”. ثم رنة أخرى تعلن عن رسالة جديدة تحمل عنوان إقامتها. قمتُ من مكاني دون أن أشرح شيئا لأمّي. دخلتُ غرفتي، غيرتُ ملابسي، ثم غادرتُ مرفرفةً على جناح السرعة، إلى بيتِ صديقتي. لا أعلمُ هل من شوقٍ أتوق إلى هذا اللقاء أم من فضولٍ مواربٍ؟
لم يأخذ بحثي عن سيارة أجرة وقتا يُذكَر، ولا المسافة بين بيتنا وإقامتها وقتا يفوق ربع ساعة من الزمن. استقبلتْني في تمام نشاطها وكامل زينتها. عروسٌ جميلة. تبحث عن سعادتها المفقودة. استغربْتُ بادئ الأمر حين وجدتُها بمفردها في ثاني يوم من زفافها. سألتُها:

  • هل أنتِ بمفردك؟
  • نعم تخلصتُ منه لنستمتع بحديثنا.
    -أقصدُ الأهل أيضا. فأنتِ في ثاني يوم زواجك.
    -حبيبتي أنا في شهر عسل، فلا يمكن أن يكون معي غير زوجي.
    ضحكتُ من سؤالي الغبيّ. فقلتُ:
    -لا تؤاخذيني، فأنا أتحدث من موروثنا. بعض الأقارب كما تعلمين، يظلون مقيمين في بيت العرس أسبوعا أو أكثر.
  • نعم أعلم ذلك. ففي بيتنا الآن، ما زال بعضهم مُصرين على أن يؤنسوا ماما، و يملأواْ فراغي لبعض الوقت، حسب ادعائهم..
  • وأنتِ الآن مدعوة لملء نقاط حذفٍ كثيرةٍ، خلّفتِها حين اختفيتِ.
    قالت وهي تضحك:
  • ليس قبل أن تتفرجي على شقتي.
    قفزتُ وراءها بنزقي المعتاد، لتفرجني على مرافق الشقة الجميلة، ثم لتُدخلني إلى صالون، تتوسطه مائدة عليها صينية بصطيلة بلحم الدجاج، مع بعض الحلوى والفواكه.
    تقول وابتسامة تملأ وجهها الجميل: أظنكِ لم تتناولي شيئا بعد فنجان قهوتك.
    أضحكُ قائلةً: أ ما زلتِ تذكرين فناجين قهوتي؟
  • وأذكر كل الأشياء التي عشناها معاً..
    وأنا أمدّ يميني إلى قطعة كعك، قلتُ لأقلبَ الصفحة:
  • مائدتُكِ لا تُقاوَم يا صديقتي.
  • إنها من مطبخ ماما أنا فقط قمتُ بعملية التسخين في الفرن.
    ضحكنا طويلاً ثم تناولنا مواضيع مختلفة، ونحن نلتهم الأطباق بشهية مفتوحة.
    انتقلنا بعد ذلك إلى شرفة جميلة تُطل على حديقة فوّاحة بعبق الريحان. جلبتْ كوبَيْ عصير وألبوم صورٍ. كنا نعلق بنفس ملاحظاتنا القديمة، على الأشخاص الذين في الصور، ونربطهم بأشخاص من الماضي. كانت ضحكاتنا تصل إلى الخارج. ثم انتقلنا إلى موضوعنا. صمتتْ برهةً فقالتْ:
    ” سأبدأ من النقطة التي افترقنا عندها. ففي ذاك المساء، بعد حديثك معي عما يغتابني به الآخرون، خرجتُ دون أن أنتظركِ كالعادة، لألتقي نوفل في تلك الحديقة المشؤومة.
    صمتتْ محدّقةً فيما حولها، فقلتُ:
  • أستمع إليكِ..
    استطردتْ:
  • جلستُ أنتظره كالعادة.. مر وقت طويلٌ وأنا أنتظرُ.. لكنه لم يأتِ.
    -هل تأخر؟
  • قلتُ لكِ لم يأتِ. انتظرتُ حتى تفشّت الظلمة، و يا ليتني لم أفعلْ.
  • أخبريني ماذا وقع فقد أوقعتِ قلبي؟..
    قامتْ من مكانها، جلبتْ كرسيها لتجلس قبالتي:
  • طلبتُه عبثا في الهاتف يا مريم، لم أدر كم مرة كررتُ ذلك، وفي إحدى المحاولات ردّ عليّ. قال إن حادثا مفاجئا وقع لأمه ، نُقلتْ على إثره إلى المستشفى. لم أفتح فمي لأرد عليه، حتى لُطِمْتُ على خدي بقوةٍ أوقعتني أرضا..
  • من فعل ذلك؟
  • كانوا ثلاثة.
  • سرقوا الهاتف؟
    -سرقوا حياتي. الحديقة كانتْ فارغة إلا منا. بعض الوشوشات كانت تصلني من بعيد، لم أجرؤ على الصراخ. كانوا مسلحين بمُدية كبيرة. الأول الذي اعتدى عليّ كان يخفي وجهه بطاقية مثل أفلام الرعب، كان قصير القامة، قويّ البنية. الثالث كان فقط يصوّر. لم يلمسني. ولم أتبيّن شكله. كان مختفيا بين الأعشاب، كان شِبه مقرفِص.
    -والثاني؟
    -حاول، لكنه تراجع في آخر لحظة.
    لكنْ لاحظتُ شيئا لفت انتباهي بشدة قبل الحادث مباشَرة. فأثناء حديثي مع نوفل في الهاتف، كنت أسمع صدى صوته قريبا مني. بدا كأننا نتحدث مباشرة.
  • ماذا تعنين؟
  • لستُ أدري.. أكادُ أجن من التفكير. و كلما تكرر هذا الصدى بداخلي، أكاد ألمس طيفه داخل الكابوس الذي لا يبرحني. حتى عطره ذاك المساء الخبيث كان يملأ رئتيّ ..
    هذه تهمة خطيرة وفظيعة.. أما بلّغت عنهم؟
  • لا ، من برأيك يصدقني؟ لا دليل لدي. فقد اختفوا.
  • غلط . ما كان عليك السكوت. فجريمة الاغتصاب تتراوح عقوبتها سجنا من خمس إلى عشر سنوات أو أكثر..
    .-خشيتُ افتضاح أمري، لن يرحمني الآخرون، وقد يستغلون الحادث للاعتداء علي من جديد. نظراتهم أكبر اعتداء يا مريم.. أكبر تجريح..
  • ماذا تقولين؟ هناك جمعياتٌ..
    تقاطعني قائلةً:
    -جمعيات؟ وهل تصدقين هذه الأحاجي.
  • لا تقولي ذلك، هناك جمعيات تدافع في المحاكم وتؤازر المعنَّفات و..
    تقاطعني من جديد:
    -مجرد كلام يا مريم. ليس من يده في النار كمن يده في الماء.
    شعارات ترددها نساء يسعين إلى تحقيقها، لكن لا تتجاوز حناجرهن وأوراقهن. الإنجازات محتشمة جدا. لأن المسألة أكبر من نداءاتهن..
    -المهم التحسيس
    تصرخ : وهل التحسيس يردُّ ما ضاع مني؟.. هل يردّ براءتي؟ كرامتي؟ إنسانيتي؟ حتى نفسي ضاعتْ يا مريمُ. أنا أغلي برغبة الانتقام.
    قلتُ وأنا أذرف الدمع:
  • هوني عليكِ يا صديقتي. ستجدين من يؤازركِ فلا تيأسي..
  • تهْذين يا مريم.. فقد ضاع كل شيء. أنا مجرد فراغٍ يمارس تنفسا اصطناعيا في هذا الكوكب الفظيع.
    الهواء الذي أتنفسه ملوَّثٌ يا مريم. لا أستطيع أن أحب زوجي، ولا أي رجل في العالم. حتى أبي لو كان على قيد الحياة لكرهته هو أيضا.
    -ونوفل؟
    -ينتابني إحساسٌ مختلفٌ حين أتذكره.
  • نفس الإحساس السابق؟
  • لا أظنّ.
    -أفهمُكِ. لكنْ هو الآن بعيد. ربما شق طريقه في مكانٍ ما فوق هذه الأرض. انسيْه، فلن يفيدكِ.
  • بل سيفيدني جدا. المهمّ أن ألتقيَ به.
  • هل تشكّين في تورّطه في ما حصل؟
  • غشاوة أحتاج إلى من يُجليها.
  • حبيبتي ، نساءٌ كثيراتٌ تعرضن لِما تعرضتِ إليه.
    -ونسينَ الأمر.. أليس كذلك؟
    -منهنّ من يعانين مثلكِ في صمتٍ .. ومنهن من أخذت العدالة بعض حقوقهنّ.
  • “بعض حقوقهنّ”.. عميقة هذه العبارة.
    -نعم أعترف أنْ لا شيء يرمم ما تصدّع في المرأة المُعتدى عليها.
    تنهدتْ طويلا ثم بكت بحرقة.. وبكيتُ بحرقة أيضا.. بكيتُها وبكيتُ فيها كلَّ نفسٍ كسيرة الخاطر مَهيضة الجناح .
    سألتُها: كيف كان ردُّ عائلتك؟
    رفعتْ إليّ عينين ذابلتين جابت بهما تقاسيم وجهي قبل أن تقول:
    -تعلمين أنْ لا عائلة لي هنا، غير أمي وبيت عمتي. أخي الوحيد هاجر مع زوجته الفرنسية وتركنا.
    قلتُ بصوتٍ لا يكاد يتجاوز شفتيّ:
    -ما كنتُ أعلم أن أخاكِ قد هاجر.
    تستأنف:
  • ألقى بنا خلف ظهره مثل شجرة تتخلص من أوراقها الذابلة. أمّ أرملة ضعيفة وأخت في الحادية عشر.. حتى أبي علمتُ بعد اختفائه أنه مات. كيف ومتى؟ لست أدري…
    وكأن انتباهي توقف عند غياب أخيها قلتُ:
  • كنتُ أظنه هنا. لا لا، ما كان عليه أن يترككما.
  • لم يعُدْ يسأل عنا منذ زواجه من تلك الأجنبية.
  • إن هذه ليستْ حرية شخصية، إنه تصرف غير مسؤول واستهتار ذريع بواجبه نحوكما.
  • لو كان معنا لما استطعتُ حينها التأخير خارج البيت. ولما كنتُ كما أنا الآن.
  • إني أشعر بالغضب لأجلك صديقتي.. ثم خفضتُ صوتي وأنا أهمهم في استسلام:
    هكذا همْ حتى الأزواج .. يرمون الأولى في مزابلهم، ويجْرون خلف أخرى إلى أنْ يتعبوا، فيعودوا منهوكين إلى شِبه رمسٍ يضمّ عجزهم الأخير…
  • ماذا بك يا مريم؟ أراكِ سرحتِ..
  • لا تهتمي، تذكرتُ أبي (الله يرحمه) و غزواته النسائية. هذا ما كانت تقوله أمي المسكينة، كلما سألتها عن غيابه المستمر..

سعدية بلگارح

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

عن SAAMEAA altarabishy

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قُدسُنا نفْديكِ..عمودية بقلم أنوار أومليلي

Spread the loveقصيدة عمودية على مجزوء الرمل .. . قُدسُنا نفْديكِ: . ...