امرأة غامضة ..قصة قصيرة بقلم نعيمة بوزوادة

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 25 سبتمبر 2020 - 11:05 مساءً
امرأة غامضة ..قصة قصيرة بقلم  نعيمة بوزوادة

قصة قصيرة

امرأة غامضة ….

كان بامكانها أن تراجع حساباتها قبل أن تعود إلى نقطة البداية؛ أشار عليها الكثيرون أن تجد لنفسها غير السبيل الذي كانت تتبعه بعد النكبة التي تعرضت لها، تظن نفسها قوية بما يكفي حتى تتجاوز المرارة التي علقت يوما بحنجرتها حين تعرضت لأسوأ موقف في حياتها؛ خانتها الأيام والأنفس والأحلام وخانها قلبها وعقلها والأصدقاء، حتى صحتها لم تسلم من خيانتها؛ كم هو صعب أن تقف إمرأة مثلها وسط عاصفة جارفة وتبقى راسخة كالجبل، منذ صباها كانت تعتمد على نفسها في كل شيء بل كان يُعتمد عليها أكثر من أي شيء، هي الآن في الثلاثين من عمرها؛ شبيهة بمدينة الصلاة الجميع يسمع الآذان في قبابها؛ يلجأ إليها من أجل الدعاء فإن وجد استجابة لرغباته رحل عنها ونسي الصلاة فيها بعد ذلك،
تتحدث عن نفسها فتقول : كم طاب لي المقام في أرض الحرمين حين زرتها؛ هناك ضاعت نفسي في هواها، وجدت راحتي وتخلصت من أعباء ما عشته طوال حياتي، تخلصت من الألام والأحلام المزيفة؛ تخلصت من ثرثارات البشر و نظراتهم الحاقدة عليّ فقط لأن الله وهبني ما لم يهبهم من النعم؛ إلا أنهم لم يكونوا يعلمون حجم المعاناة التي كنت أعيشها أنذاك.
لم تكن مجرد سيدة بل كانت جديرة بالاحترام؛ روت مرة لي قصة من قصصها، قالت : لم يكن أبي من المرموقين والمعروفين بل كان رجلا بسيطا جدا، يعمل بيده ليطعمنا حلالا طيبا؛ كان يصل الأمر به أحيانا أن تتشقق يداه فتنزف دما، كنا أحيانا لا نأكل طعاما في ذات اليوم بل نكتفي باحتساء القهوة فقط؛ لتقوم أمي بتوزيعها علينا بالتساوي صباحا وتحتفظ بالباقي لأمسية ذاك اليوم لتكون كوجبة بديلة عن العشاء؛ كنت حينها في المرحلة الثانوية كان عليّ أن أعيل إخوتي وأقف إلى كتف أبي فأساعده في تربيتهم؛ فخطرت فكرة ببالي أن أعلم صبية الحيّ وأساعدهم في حل التمارين وشرح الدروس التي يتلقونها في أقسامهم رفقة معلميهم مقابل دنانيرلعلها تسد حاجة ما؛ كنت أقوم بوضع تلك الدريهمات في علبة من الكرتون فوق خزانة الملابس؛ لألجأ إليها حين أريد أن أشتري علبة قهوة أو كيس حليب أو بعض الخبز، وأحيانا يكون لسائق الحافلة أو الطاكسي نصيب منها؛ فغالبا ما كنت أنهض باكرا لأتوجه إلى الثانوية التي كنت أدرس بيها بنعل قديم تآكل أمشي على قدماي وأصادف بعض الخنازير الصغيرة تقطع الطريق؛ لكنها لا تؤذي أحدا كأنها تعلم أن أبناء القرية التي أقطنها يعيشون بعيدا عن العالم وفي ظل المآسي همهم الوحيد الخروج من بؤرة الفقر والحاجة، نعم كنت حينها بين الطفولة والشباب، يهفو قلبي لنيل قطعة حلوى كي أشتريها لكن أتذكر أن ثمنها سينقص من تذكرة الحافلة التي ستقلني فأتراجع، لأن حلمي كان أكبر من لمجة؛ طموحي في أن أكون يوما ما سيدة لها صيت وهدف تصل إلى القمة رغم العقبات.
تحققت جل أحلامي بقي بعض منها؛ لن أتراجع يوما ولا هنيهة عن قضيتي، سأكون مثل عابر سبيل مشى على نهر جار كانت بيده فسيلات أينما اغترف غرفة بيده ليشرب ترك أثرا وغرس شجرا؛ الحياة ظاهرها حلو وباطنها مرٌّ.
أعلم أن الكلام عن سيرة تلك السيدة يحتاج إلى الكثير من العبارات والكثير من الأوراق للطباعة والكثير من أقلام اللباد لرسم وجهها المنثور على مشارف الصفحات؛ ونظراتها الحادة المتوهجة التي تحمل عبارات الحب والحنين والطهارة، كأنها فاتنة تربعت على عرش المعاني الساميات.
هي إمرأة توقدت فيها الكرامة و الزعامة؛ فيها من كل المتناقضات لكن للجمال منها موطن لم تمتلكه أغلب السيدات ولا حتى بعض الرجال.
بقلم الأستاذة نعيمة بوزوادة

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

رابط مختصر