الرئيسية / المقالات الأدبية والثقافية / * الموت في أدب نجيب محفوظ *

* الموت في أدب نجيب محفوظ *

Spread the love

(الموت في ادب نجيب محفوظ)..

مثلما كتب عن الحياة , كتب عن الموت.. ومثلما كتب عن تفاصيل هذا العالم , كتب عن نهاية هذا العالم ..ولان الموت هو الحقيقة المطلقة التي لايختلف حولها اثنان فقد افرد له نجيب مساحة واسعة , في رواياته , وعلى السنةابطاله وشخصياته, في فكرهم ووجدانهم , فجاءت حياتهم صقيعا دائما حينا , وصحراء قاحلة احيانا.. لان الموت كان بالنسبة لهم هو الفراق المروع الفظيع الذي لايخفف من بلواه شيء , وهو الاحزان التي لاعزاء لها , و المخاوف التي لاشفاء منها
ومع انه ومثل كل الذين سبقوه لم يقدم جديدا عن ماهية الموت وحقيقته, الا انه رسم صورة رائعة له في طقوسه , ومتعلقاته ,وادواته..
(ومضى عبدالعظيم الى القبر المفتوح , فوقف عند رأسه مذعنا لقوة غامضة اقوى من الخوف الذي لم يصده , كان القبر ذا منامتين , واحدة للرجال واخرى للنساء , وارسل طرفه الحائر نحو منامة الرجال.. رآهم صفا متراميا الى الداخل على راسهم ابوه الذي استدل عليه بموضعه و بكفنه الكموني المقلم , تلاه اخوه ثم جده , وثقل قلبه جدا , وضغط الانقباض على اضلعه ضغطا غير محتمل , ولكن عينيه تحجرتا فلم تذرفا دمعة واحدة , وامتلأت خياشيمه برائحة ترابية نافذة وكانما تصدر عن الفناء نفسه.. ومرت لحظة مات فيها كل شيء فلم يعد لامر قيمة ولامعنى وشعر بيد توضع على كتفه فرآى الحاج وهو يشير اليه بالتخلي عن مكانه للدافنين وسرعان ماتراجع )
ان حزن عبدالعظيم هنا قد اقترن بامر اخر هو التفكير بالموت وبهذا المصير الذي ينتظره هو نفسه
ان عبدالعظيم في( دنيا الله) مثل صابر في( الطريق) حينما ماتت امه
فصابر ينظر لامه بعينين مغرورقتين بالدمع. لقد رحلت وتركته وحيدا في هذا العالم رحلت بعد ان افترسها المرض في سجنها (شد ماهزلت يااماه)
اما (سعيد مهران )(اللص والكلاب) فانه ينفعل لمرآى المقبرة انفعالا واضحا ذلك انه التجأ اثناء المطاردة لبيت يطل على المقبرة فهو ينظر اليها مرسلا بصره من اقصاها الى اقصاها وكأنه لم يعد له من عمل الا مراقبة هذه المدينة الساكنة محدثا نفسه ان الموت هو نهاية المطاف ونهاية طريق قد يحفل بالسعادة او الشقاء وقد يمتد او يقصر ولكنه حتما هو النهاية التي سيؤول لها كل شيء( ياللعد العديد من المقابر الارض تمتد بها حتى الافق رافعة اياديها في تسليم وان يكن شيء لايمكن ان يهددها.. مدينة الصمت والحقيقة.. ملتقى النجاح والفشل والقاتل والقتيل.. مجمع اللصوص والشرطة حيث يرقدون جنبا الى جنب لاول ولآخر مرة في سلام )
ان سعيد مهران لايبكي حبيبا او شقيقا ولكنه يفكر بالموت فحسب انه يختلف عن صابر وعبدالعظيم لانه يفكر بالموت بطريقة فلسفية لايرقيان اليها , فهو يعود ويتأمل المقبرة من جديد (لايمر يوم الا وتستقبل القرافة ضيوفا جددا وكأن لم يبق لك من غاية الا ان تقبع وراء الشيش لترى الموت في نشاطه الدائب) وحين تخبره صديقته المومس انها لاتخشى شيئا يتساءل وهو يومىء بذقنه الى القرافة: حتى الموت؟
على ان محفوظ قد راوح بين حالتين..الحزن للموت والتفكير به..فعندما تحدث عن الموت في( زقاق المدق) في الرواية التي كتبها شابا , كانت الغلبة للحزن..فسليم علوان اصابته نوبة قلبية ولكنه لم ينظر للموت على انه فناء مطلق ولذلك تراه مغرقا في الحزن ومتمنيا لنفسه ميتتة هادئة كان يموت بالسكتة القلبية
وفي( خان الخليلي) يتوقف نجيب عند موت( رشدي) فيصف مرضه اولا ثم رقوده في المشفى ثم وفاته.. واخيرا يصف اهوال ذلك اليوم في ذهن احمد ( شقيق رشدي) فاحمد يذكر هذا اليوم لحظة بلحظة انه يذهب الى البائع لشراء كفن لاخيه فيتذكر في اللحظة نفسها مااشتراه له بالامس من متاع الدنيا.. انتقى له اجمل الالوان لما عهده به من حب الاناقة.. وحين ياخذ البائع بقطع الكفن ولفه ينظر الى يدي البائع بذهول وانكار ثم يتذكر ذهابه الى المركز الصحي لاستخراج تصريح دفن , فيسأل عن اسم المتوفي , فيجيب وهو يود الا يسمع صوت نفسه: رشدي عاكف.. ثم يقول لنفسه بذهول: رشدي عاكف مات افظع بها من حقيقة
ويمضي نجيب محفوط بحديثه عن الموت في كل رواياته اللاحقة وكانه يرسم صورة عملاقة للموت فيتحدث عن النعوش والجنائز والرحيل الابدي..
حتى اذا التقيناه بعد عقد من السنوات ونصف كما في( اللص والكلاب) وجدناه يفكر بالموت لمجرد ان يحل الظلام( بغض النظر عن الاسباب الخاصة والمختلفة) او يرى المقبرة. (هيهات ان يدري احد عن احاديث الظلام عن رعب الظلام عن الهاوية التي ليس لها قرار.. في الظلام تطمس معالم كل شيء الا الموت.. الموت وحده يرى بلا ضوء.. وهو كالظلام لاشيء يؤخره عن ميعاده , واذا جال بالخاطر فقد كل شيء قيمته وحقيقته ومعناه ويتساءل وهو يسمع تردد انفاس زوجته :ماذا يطلب من الحياة في الايام الباقية.. ويجيء الجواب لاشيء.. وهنا يستوى كل شيء ولاشيء.. ولكن النفس تابى التسليم وتخشى الفراغ وتتعلق بالاوهام ..يرى انه لم يعد زوجا ولا ابا..)
ثم تاتي مجموعة( شهر العسل) التي كتبها في اولى مراحل الشيخوخة فنراه ينظر الى الموت على انه مأساة فردية تخص الفرد , ذلك ان المرء يعلم ان الموت اذا اتاه فانه يذهب وحيدا كما ولد وحيدا فلا غرابة بعد ذلك ان يقف الانسان مفكرا في هذا العالم الذي لن يكترث لوفاته( الموت اكبر كارثة في الوجود اكاد اجن كلما فكرت ان هذا العالم سيمضي في طريقه عقب اختفائي وكأنني لم اعايشه لحظة واحدة..)
تلك هي مأساة الوجود الحقيقية عند محفوظ.. ان يذهب وحيدا دون ان يكترث به احد , وقد ضاعف من حالته الوجدانية تلك ومن سلبياتها انه كان فاقدا للايمان الحقيقي الذي يتحلى به المؤمن الصادق فلم يكن يرى هناك بعثا ولا حياة اخرى , وكان هذا شيئأ مفزعا ومثيرا للرعب بحد ذاته ..
ولم يكن له من عزاء الا في شيء واحد هو الذكريات..ان يعود بذاكرته الى الوراء..الى ايام اكثر جمالا واكثر امنا..هي ايام الشباب
فعندما كان يدهمه شبح الكبر او العجز او الموت يهرع الى ذكريات الحارة والفتوات والحب القديم( خمارة القط الاسود): لتهنأ الذاكرة بما حفظت من اسماء قليلة نادرة ولكن مفعمة بحيوية خارقة تتحدى الزمن, لا يذكر من زينب الا اسمها , ولا يذكر من جمالها الا سحره الباقي كعبير مستحيل الوصف, وانها كانت كبيرة بالقياس الى اعمارهم وقتذاك. وقد احبها في العاشرة كما يحب ابن العاشرة.. ثم يتساءل بعد ذلك عن مصيرها هل طواها الموت.. انه لايعرف عن مصيرها شيء.. ولعلها اليوم في الثمانين ان تكن معدودة من الاحياء او لعل النباتات والهواء قد امتصت مخلفاتها من نيتروجين وعناصر اخرى..
ولكن حين لاتنفعه الذكريات ويرى الموت اقوى من كل شيء ,
فانه يقرر ان للموت ايجابيات , فحينما تتبدد احلام المرء في المال او الوظيفة او يفوته الزواج فعندئذ يكون الموت مريحا يحن اليه الانسان وهذا ماحصل لعثمان بيومي في (حضرة المحترم) ذلك انه اشترى قبرا لازهدا في الحياة ولكن احتقارا بعد ان ذهبت ولم تعطه شيئا.. اشترى القبر وكان يمضي لزيارته مستمتعا بسكونه ومطمئنا نفسه في ذات الوقت بانه الان على الاقل قد اصبح مالك قبر ولن تضيع عظامه كما ضاعت عظام والديه
(ومن عجب ان القبر قد نال رضاه تحت ضوء الشمس)


 تحرير  عادل  ذيابات 

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

عن محمد صوالحة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لأني أحبك

Spread the loveولأني أحبكَ .. ألِفْتُ شوقيَ الجائع على بابِك يتسولُ خبزاً ...