الرئيسية / قصص / * العقد *

* العقد *

Spread the love

العقد
******

لفتَتْ إنتباهَهُ حين دخلت مكتبه أولَ مرة٬ كان هو المدير، رجل تجاوز الخمسين ببضع سنوات، يحظى باحترام وتقدير كل من عرفه، ملتزم بعمله، مثابر٬ دؤوب٬ منضبط، تقلد مناصب الشغل عن طريق الخبرة٬ وكان ذو سمعة جيدة لا تشوبها شائبة

وكانت هي فتاة في مقتبلِ العمر، حباها الله نصيبا من الجمال والفطنة والذكاء، تخرجت لتوها من الجامعة٬ لم تنتظر فرصة تعيينها كبقية زملائها بل أنزلتها مظلة هناك. لم يكن يبدو عليها أنها من عائلة مرموقة أو معروفة رغم ملابسها الغالية، واسمها العائلي لم يُوحِ له بشيء، ولا صديقه الذي أوصاه بتعيينها أخبره عنها شيئا مميزا، كل ما قاله له أنها قريبة أستاذ جامعي صديقه. فتم تعيينها بأمر منه في تلك الإدارة بموجب عقد قابل للتجديد
.
لم تكن للفتاة أية خبرة سابقة في العمل الإداري٬ فكيف لها ذلك وهي متخصصة في مجال آخر… فعزم على مساعدتها حتى لا يسخر منها زملاؤها أو تتسبب في عرقلة العمل٬ فطلب منها أن تستشيره إذا ما واجهها أي مشكل٬ واستغلت الفرصة، فبدأت تختلق الأعذار حتى تذهب إلى مكتبه يوميا. وبدأت تستعطفه فتنسج أكاذيب عن صعوبة وضعها العائلي ومرض أمها التي تحتاج إلى رعاية خاصة وعلاج مكلف فكان يساعدها ماديا ومعنويا٬ فتمادت في شكواها واستمر هو في مَدِّ يَدِ العونِ لها، حتى أنه صار يعبئ هاتفها برصيد يوميا ويوصلها أحيانا إلى مكان قريب من سكناها.

كان ينصحها ويهتم بها كأب لابنته من باب المساعدة وفعل الخير ليس إﻻ. لكنه كان يلاحظ غيابها إذا ما غابت٬ ويلاحظ وجودها إذا حضرت ٬وحزنها وضحكها٬ مرضها وعافيتها. كان يتتبع كل صغيرة وكبيرة في حياتها. يتغاضى عن تأخرها وغيابها٬ ويسمح لها بالإنصراف مبكرا حتى صارت ﻻ تستأذنه في ذلك. فبدأ الموظفون يلاحظون اهتمامه بها وترددها على مكتبه٬ وكثر الحديث حولهما وصارا محور النميمة اليومية.
استمرت حكايتهما حديث الكل لمدة غير بسيطة٬ وازداد الهمس والغمز حولهما إلى أن كان المدير يوما يمشي في الرواق وانتهى إلى مسامعه كلام الموظفين في أحد المكاتب يتكلمون عنه وعن اهتمامه البالغ بها، وكان بعضهم يراهن على أنه سيعينها موظفة دائمة في الإدارة.

صدمته المفاجأة٬ فما سمعه كان فوق طاقة تحمله، ولم يكن يتصور أن يكون أضحوكة وأن سيرته ستكون علكة في أفواه الناس. عاد مهرولا إلى مكتبه وأغلق خلفه الباب ورمى بنفسه على الكرسي من ثقل ما ألم به وهول ما سمعه٬ لأنه لم يكن يتصور أن يذهب تفكير الموظفين إلى أن يظنوا به السوء وهو الرجل المحترم الذي يَحسب لتحركاته ألف حساب … كيف ذلك؟ فهي في مثل سن ابنته الكبرى٬ وفي منزلتها٬ ويخاف عليها كما يخاف على أبنائه٬ ويهتم بها كما يهتم بهم٬ و… و …

حمل معطفه وخرج مسرعا من مكتبه كأنه هارب من شبح٬ وركب سيارته وانطلق بها إلى خارج المدينة٬ إلى حيث الفضاء الواسع٬ والهواء النقي. لأنه كان يحس باختناق٬ وصعب عليه التنفس في المدينة كأنها أطبقت على صدره وكتمت أنفاسه حتى ضاقت عليه بما رحُبَتْ … كان عليه أن يستوعب ما يحصل٬ أن يحسب تصرفاته٬ أن يفسر مشاعره بينه وبين نفسه دون رقيب أو حسيب لأن الحقيقة فاجأته فاختلطت عليه كل المفاهيم٬ وارتبكت أحاسيسه فشَلَّت تفكيره.

أوقف سيارته ونزل منها وجلس على صخرة كأنه يريد أن يحس أنه يلامس شيئا صلبا بعد الزلزال الذي هز كيانه. اتضحت أمامه الحقيقة عارية من الزيف والتفسيرات الغير منطقية. لم يكن اهتمامه بها مجردا من عاطفة كانت مختفية وراء الإحسان وفعل الخير٬ فقد ملكت تلك الفتاة قلبه وسلبت تفكيره٬ فلم يكن يفكر في سواها٬ كان يفرح إذا ابتسمت٬ ويعبس إذا تجهمت. كان صوتها يدغدغ شغاف قلبه٬ ووجودها يملؤه فرحا٬ وضحكتها تبعث فيه روحا جديدة تجعله يبتسم مهما كان شجنه وغضبه وعصبيته٬ فكان يختلق الأعذار ليطلبها إلى مكتبه يوميا. كان يغار عليها من الموظفين لدرجة أنه يحدد لها مع من تتعامل في تحضير الملفات فيختار لها زميلات ويبعدها عن الزملاء. كان يسرع إلى مكان تواجدها إذا سمع ضحكتها ليرى مع من تضحك٬ وكان يغضبه وجودها في جماعة فيها ولو رجل واحد.

لم يكذب الموظفون إذن… بل هو من كان يكذب على نفسه. نعم أحَبها.. هام بها… ملكت قلبه … سلبت لبه … أفقدته وقاره… أنسته رزانته ولم يعد يرى غيرها مصدرا للراحة والسعادة. قضى أياما ولياليَ طِوال وهو يفكر في الموضوع فلم ير بدًا من أن يبقيها قربه ولا سبيل إلى ذلك سوى الزواج بها. لم يكن يفكر سوى في … “هي” و “هو” … أما الباقي فسيقنعهم ويقتنعون، أو يجبرهم ويضعهم تحت الأمر الواقع فيرضخون، وإلا فذنبهم على جنبهم… فكيف يفرط في سعادته … وفي من أعادت لحياته طعمها الحلو الجميل؟

ازدادت الرهانات بين الموظفين مع اقتراب موعد تجديد عقد عملها وانقسموا ما بين ساخر وثائر٬ وكان المدير يلاحظ عليهم تصرفاتهم ويستنتج أنه هو المقصود بأكثرها لكنه كان يقول في نفسه إنهم سيغلقون أفواههم إلى الأبد حين يعلن عليهم المفاجأة. ستكون المفاجأة حديثهم لأشهر لأنهم لم يتوقعوها أبدا…

لم يطل به التفكير كثيرا٬ إذ كان عليه أن يبادر حتى يسكتهم أو حتى لا تسوء سمعته إذا ما كثرت الإشاعات٬ فحسم أمره وتوجه إلى مكتبها ليفاجئها بقرارين سيغيران مجرى حياتيهما معا، قرار تعيينها كموظفة دائمة وقراره طلب يدها… توقف لحظة أمام باب مكتبها حين سمعها تتكلم٬ وكانت في حديث هاتفي مع إحدى صديقاتها٬ فلم يشأ أن يقاطعها وفضل الانتظار هناك حتى تنهي مكالمتها… وكانت المفاجأة … كانت تتكلم عنه… عن غيره؟! … لا .. بل عنه …

كانت تتكلم عن المدير المتصابي الذي وقع في غرام فتاة في سن بناته فصارت تديره كالخاتم في إصبعها٬ عن إرتباكه أمامها٬ عن الإنصياع لتصرفاتها ولملاحظاتها٬ عن وقوعه في فخها٬ عن ذكائها الذي سيمكنها من ضمان تجديد عقد العمل…

عاد إلى مكتبه وكله وجوم ودهشة وذهول … وفي رأسه تدور جملة واحدة لا يستطيع نسيانها … “أنا يا حبيبتي حطيت المدير في جيبي٬ صار كِـي الخاتم في صباعي٬ والعقد مضمون” … كان يظن أنه يسكن قلبها فإذا به لم تتعد منزلته جيبها.

بعد بضعة أيام حان موعد الحسم في أمر تجديد العقد فاستدعى المدير الفتاة إلى مكتبه وسلمها القرار مبديا أسفه على عدم تجديد عقد عملها متمنيا لها النجاح في وظيفة أخرى…

وكانت المفاجأة … وعم الذهول والوجوم وجوه الجميع … فكان سيد الموقف.

ملاحظة
ـ أنزلتها مظلة: تم تعيينها بالواسطة
ـ صار كِـي الخاتم في صباعي: صار كما الخاتم في أصبعي

بقلم :  فاطمة الزهراء

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

عن محمد صوالحة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لأني أحبك

Spread the loveولأني أحبكَ .. ألِفْتُ شوقيَ الجائع على بابِك يتسولُ خبزاً ...