الرئيسية / لقاءات حوارية / الشاعر أحمد دحبور وحوار حصري لجريدة كتُاب وشعراء العرب

الشاعر أحمد دحبور وحوار حصري لجريدة كتُاب وشعراء العرب

Spread the love

 

السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته أحباب و قراء جريدة “كتاب و شعراء العرب”

لي كامل الشرف أن أستضيف هذه المرة ضيفا مميزا جدًا صاحب أخلاق رفيعة المستوى و علم فاق الوصف و مناضل منذ نعومة أظفاره و ناقد معلم و شاعر و كاتب بارع.جاءنا من قرية خريثا من أرض فلسطين ولد عام 1960 م حمل على كاهله هموم الوطن. ضيفنا اليوم هو الناقد و الكاتب و الشاعر و السياسي الفلسطيني الكبير أحمد دحبور

عاصر النكسة المشئومة عام 1967 م و كان من القيادات الطلابية المميزة حيث نال شرف الاعتقال لحمل وسام السجن لمواقفه البطولية داخل سجون الاحتلال. و عام 1982 م تطوع ليقاتل العدو الصهيوني في لبنان و نال وساما آخر حيث جرح أثناء القتال في صدره. تزوج من سيدة فاضلة مناضلة مغربية أكملت معه مشواره النضالي و الثقافي. حاول العودة إلى وطنه الأم فلسطين عدة مرات لكن سلطات الاحتلال منعته.

 *** أستاذنا الكبير البطل أحمد دحبور يسعد جريدة “كتاب و شعراء العرب” أن تكون ضيفا كبيرا مميزا عليها و فخورين بمعرفتك و التعرف إليك عن قرب فأهلا و سهلا بك أستاذنا الكبير .

*** في بداية حديثي معكم , لا يسعني إلا أن أتوجه بشاهق محبتي واحترامي وفيض تحياتي إلى سعادة \ رئيس مجلس الكتاب والأدباء والمثقفين العرب \ الشاعر والكاتب والأديب الكبير الدكتور جهاد أبو محفوظ , وإلى كل أعضاء المجلس الكرام وإلى جريدتكم الموقرة .. منارة العلم والمعرفة : جريدة كتاب وشعراء العرب , وأثني على جهودكم المتواصلة والنيرة في خدمة ورفعة الثقافة العربية , والسهر الدؤوب على على احتضان الأدب والشعر العربيين ورفع رسالتهما إلى سدرة الرقي لتكون منارة الفكر والمعرفة في تنوير أجيال الأمة , وأخص هنا بالشكر والتقدير إلى الأستاذة والشاعرة الأديبة بنت الأطلس  نجاة تمسمانيعلى ما تقوم به من خدمة الأدب العربي ورفع ساريته خفاقة في ربوع الوطن العربي الكبير

 *** أستاذنا الكبير  أحمد دحبور , أهلاً بكَ ضيفاً عزيزاً وكريماً على صفحات جريدة ” كتاب وشعراء العرب ”  سؤالي التقليدي حتى يتسنى للقرَاء الأفاضل أن يتعرفوا عليك من قرب 1 ) متى شعرت بعشقك إلى الكتابة والشعر ؟ وما هي الدوافع لذلك ؟

*** أشكرك أختي نجاة على أنك فتحت لي نافذة من خلال منبركم الحر على القرَاء العرب في كل مكان وأنك أتحت لي الفرصة لأن أتحدث معكم ومع قرَاء جريدتكم عن قرب .   تشكل مرحلة الطفولة مصدراً مهماً لعوالم الشاعر وذاكرته , وتكمن أهمية تلك المرحلة في التشابه الكبير بين شروط الإبداع في اتكاء كل منهما على ( الحلم والتخيل ) اللذين يكونان حافزاً للبحث في مناطق مجهولة تعيد الشاعر إلى ذاكرة الطفولة التي تتغذى بالخيال والحلم لإزاحة الواقع نحو لحظة الضوء والجمال , هي لحظة تتداخل فيها الذاكرة والمتخيل والواقع في نسيج يشبه المتاهة , التي تنتج عن تجادل النص والأحداث والمكان , ومناخات الواقع الفلسطيني في صراعه مع العدو الصهيوني ومناخات المنفى التي تنطوي على قلق الارتحال , فالبداية كانت عفوية في وقت مبكر في مرحلة الإعدادية من خلال قراءاتي لإشعارمحمود درويش وتوفيق زياد وإبراهيم طوقان وفدوي طوقان واحمد شوقي وأبو القاسم ألشابي ومن خلال مطالعتي للروايات العربية فكنت اعشق مواضيع الإنشاء والتعبير وأحرر الإذاعة المدرسية الصباحية في المدرسة وأترأس المجلة الثقافية بما فيها من مقالات أدبية وإخبارية وكنا نقيم السجالات الشعرية , وهناك مسألة طريفة إنني كنت اشتري الصحف الوطنية والعربية التي كانت تدخل الضفة الغربية وخاصة المصرية وابدأ بقراءة الجريدة وخاصة الملحق الأدبي وسط المارة دون إن اصطدم بأي أحدٍ من المشاة وظلت ترافقني هذه العادة في شوارع الرباط وبيروت وعمان حتى وقتنا الحاضر, أما الدوافع فكانت القضية الفلسطينية التي أخذت كل تفاصيل حياتي وساعات أيامي , ولم تغب عن بالي وظلت تلاحقني في كل مكان وما يرتبط فيها من حب وخيال وحلم

***  أين تابعت دراستك اللغوية ؟ لماذا اتخذت المغرب مكاناً لدراستك ؟ هل هي محض صدفة ؟ أم اختيارك المغرب الشقيق هو من كون فضائي الأيديولوجي والشعري والنقدي ؟

* ** أدين للمغرب بالعرفان , فهو الذي منحني زاداً في الفكر , ومنحني زوجة مناضلة واكبت مشواري النضالي والإبداعي : مينة الوردكان , وسمحت لي فضاءات المغرب الفكرية والثقافية مجالات أوسع في عالم الأدب , وهذا ما جعلني اشعر دائماً بأن للمغرب والمغاربة حق علي في امتلاك ناصية الجمال الإبداعي النقدي والشعري , وهذا ما جعل الموقف بيني وبين المغرب في علاقة حميمية وتلاحميه , وهو من أثر على فضاءاتي النقدية من خلال نخبة من الأساتذة والنقاد المغاربة الذين تتلمذت على علمهم وفكرهم وذلك بسبب المناخ المغربي الغني بالتنوع الثقافي والحضاري مما ساعدني في تخفيف حدة المنفى ووجعه , وهذا ما عمق في داخلي الإحساس الأدبي وفتح أمامي سماء واسعة جعلتني أحدق في ذاتي بأنني جزء من جماعة عربية تحب وتعشق فلسطين وتتوحد معها في الهم والقضية , لذا أعتبر هذه المحطة من أخصب وأغنى مراحل حياتي الأدبية التي وضعت أدوات الكتابة والنقد بين أصابعي وداخل فمي واتسعت أرض لغتي وتطورت فظاءاتها لأنه ليس هناك حل للقضية الفلسطينية ضمن حل فلسطيني وإنما الحل عربي على الرغم من تبعثر الوضع العربي الحالي , أما اختياري للمغرب فكان بمحض الصدفة ورب صدفة خير من إلف تخطيط واختيار

***  هل يمكنك أستاذنا أن تعطينا نبذة عن بعض الشعراء الذين قدمت لهم قراءات أدبية ؟

* ** كثيرة هي قراءتي النقدية للأدباء العرب فأول كتاباتي النقدية كانت عن السارد والمسرود السردية في روايات : غسان كنفاني وأميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ورشاد أبو شاور, كانت اهتماماتي الأولى في الثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم متجهة نحو عالم الرواية ومن ثم أوليت اهتمامي للشعر فكتبت عن درويش ونزار والسياب وتوقفت عن الكتابة وحين دخلت عالم التواصل الاجتماعي ( الفيس بوك ) وخلال الأعوام 2012 و 2013 و2014 كتبت حوالي 20 دراسة نقدية طبعت منها أكثر من 10 تتضمن الصفحات الأولى من دواوين الشعراء العرب فكتبت أولها لشاعر مغربي اسمه نور الدين قبة في ديوانه الأول ومن ثم إلى الشاعرة ‘إحسان السباعي والشاعرة رحيمة بلقاس والشاعرة نعيمة خليفى والشاعرة أمينة الصيباري ونشرت دراستي في أكثر من 12 جريدة وصحيفة مغربية وكتبت للشاعرة الاردنية \ الفلسطينية نهلة اسيا والشاعر الفلسطيني عيسى ابو الراغبوتبادلت همسات مع الكاتبة الاردنية \ الفلسطينية : اعتماد سرسك وكتبت للشاعر الفلسطيني المقيم في بيروت : احمد الشيخ والشاعرتين اللبنانيتين : مريم الترك و فلورا – قازان – نبوءة المطر وكتبت قراءات نقدية لشعراء فلسطينيين أهمهم : إيمان مصاروة واحمد أيوب وشيرين مصاروة وأخيرا كانت آخر قراءة لي للخبز الحافي لرواية الكاتب المغربي الراحل : محمد شكري بالإضافة إلى العديد من الخواطر والإشعار التي تتسع لأكثر من 5 دواوين ومشاركة عديدة في المنتديات الأدبية والشعرية والنقدية

 *** كاتبنا المتألق : احمد دحبور \ ما هي عدد إصدارتك الأدبية والشعرية ؟

*  أنا لم اصدر إلا الكتاب النقدي الذي أشرت إليه وهو نقد في الرواية الفلسطينية وعندي مسودات لصدور 5 دواوين شعرية وخاطري و3 كتب نقدية ولكني لست شغوفا  بالإصدار اكتب فقط من اجل الترويح عن النفس .

* ** شاعرنا المبدع \ أحمد حبور , لكل شاعر طقوس معينة حين يشرع في إبداع قصائده .. أود , كما يود القراء التعرف عن قرب على الطقوس التي تصاحب ميلاد القصيدة , وما يسبقها من إرهاصات , ومخاض لهذا المولود الشعري ؟

 *** أنا كائن ناشئ – ولا اعد نفسي شاعرا وما زال التجريب لغتي الشعرية المفضلة , لا أخشى شيئا وأنا أكتب وأنا في لحظة القصيدة أو الكتابة كلها , اجرب كما أشاء وأتعامل مع اللغة كأنها متطوعة لي , أنا من يخترع لها القوانين والشعراء أكثر الناس شعوراً بالتشظي وبالألم والغربة فالشاعر يشعر بكل هذا فيتجه للشعر بحثاً عن خلاص , ومن خلال ذلك تعرفت على ذاتي وعلى الآخرين وربما اكتشفت العالم وغصت في أعماقي واكتشفت ثغرات الروح ومآخذ القلب وبالكلمات وحدها أسير في طرق ملتوية ومليئة بالحفر والأسلاك الشائكة والأشواك الجارحة من دون أن أتعثر أو أقع , ودائما أتوكأ شعري وأنا أنظر للسماء من دون خشية أن أقع في حفرة أو مستنقع مما يكثر في شوارع الحياة , فالشعر حماني من الوجع وخفف عني وطأة الحنين للوطن والأهل ووضع لي خيمة دافئة جداً وواسعة الأرجاء , فأنا فعلا لا أعرف كيف يبدأ مخاض القصيدة , وكيف تنتهي ولا كيف كتبتها ولمن كتبتها , فهي من دون تحضير مسبق ومن غير أن اعرف الهدف من كتابتها , فالإبداع حالة ليست سكسونية , لأنه يشكل انزياح داخلي في نفس الشاعر قبل أن يتشكل كأزياح على الورق بعد خروجه إلى عالم الضوء والحالة الشعرية اشبه ما تكون بثورة بركان يقذف حمماً بركانية بعيدة وأخرى قريبة , فأنا اترك العنان للحالة التي أعانيها مع القصيدة لتسجل بذاتها شكل الجملة وشكل الإيقاع وشكل الصورة , ولكن لا ادع هذه العفوية على سجيتها , بل أعود إلى ما أفرزته تلك الحالة الصوتية , وانظر ملياً فيما سأنهي القصيدة , خصوصا إذا ما وجدت خللاً في البناء الشعري داخل النص بحيث يتضمن التوفيق بين الجمل الشعرية وبين الصور والإيقاع , وأنا مع اللاوعي حيث تبلغ التجربة عنفوانها وغايتها وتكون الولادة طبيعية في أوانها وزمانها ومكانها حتى لا تكون ولادة قيصرية أو اصطناعية في الأنابيب لأنها تتحول إلى صناعة , ولحظة الإلهام ليست دائما في متناول اليد والنص الجيد غالبا ما يكون وليد حالة شعورية طبيعية ليست مصطنعة فإذا ما حضرت هذه الحالة فأنني أعيشها وأنقض عليها , وولادة القصيدة تحتاج إلى شروط وأهم هذه الشروط هو المحرض الخارجي المحمل بمواقف الذات ضمن ظروف الحياة والقضايا الوطنية والقومية والإنسانية , كما ترتبط بوجود محرض داخلي متعلق بمدى استعداد النفس واستجابتها لحدث الولادة على أن يصاحب هذين الشرطين خلو النص من العوارض المقلقة التي لا علاقة لها بموضوع النص المنتظر ولا أعتقد أن هناك قصيدة مكتملة ولكن توجد قصيدة جيدة

*** نود التعرف على رؤيتكم للشعر العامي ( الزجل ) كما يطلق عليه بعض النقاد وربما بعض الشعراء ينكرون عليه صفة الشعر , والبعض يرى أنه لا يقل أهمية عن شعر الفصحى , في التعبير عن الوجدان الشعبي , ويعد سجلاً , أو أرشيفا , يمكن من خلاله التعرف على الذات الشعبي في الحقب التاريخية للشعوب , من خلال المفردات الشعبية السائدة في تلك الحقب , ولعلنا نذكر في هذا السياق بعض الأسماء مثل ( بيرم التونسي وصلاح حاجب , فؤاد حداد , أحمد فؤاد نجم ..) وغيرهم ؟

***  تختلف ساحة الشعر العامي عن الشعر الفصيح بمذاقات خاصة جداً وعلامات يمكن أن ترصدها ابتداء بيرم التونسي وصلاح جاهين ثم فؤاد حداد ثم الأنبودي وسيد حجاب وصولاً لأحمد فؤاد نجم إن مفهوم الإبداع بالعامية يتسع ليضم نخبة وثمية الشفاهي والكتابي الفردي والشعبي , هذا المفهوم المتسع يدعونا بداية لتأمل المشهد من جديد , إن أحد كليات بيرم التونسي البارعة هو ما يمكن أن نطلق عليه ظاهرة استلهام أحمد فؤاد نجم لبعض عناصر المأثور والتراث الشعبي , وهو ما يمكن إيجازه من المراوحة بين بلاغة العامة , وبلاغة العنف الثوري ونؤكد إلى التناص مع بعض عناصر الثقافة الشعبية بتنوعاتها , وآلات تشكلها في بيئة النص الشعري بحيث تعدو واحدة من الإستراتيجيات التي اعتمدها احمد فؤاد نجم دون قصد الاستلهام , لان استلهامه يأتي من صندوق الخبرة الحياتية , فهي ليست خبرة فطرية أو نزوي نحو استدعاء عناصر الفلكلور ليصبح شعبياً , فالعناصر تأتي بسيطة كأنها شعر الناس فشعراء العامية يقيمون حوارا مفتوحاً على نصوص أخرى , فأحمد نجم مثلا أحد البنادق الشعرية التي صوبت رصاصتها على القهر والظلم حيث تلمح في شعره روح مقاومة بن عروس وثورة بيرم التونسي ضد الانجليز والملك الخديوي وكذا في مواجهة للقاهر الاجتماعية والطبقية وقنديل احمد نجم كان الشيخ إمام في الغناء المصري الملتزم والبديل للأغنية التي أستلبها الهجر والحطام والفراق فالشعر صوت وكل شعر سواء كان بالعامية أم بالفصحى عبر عن الحالة الشعورية وشعر بت المتلقي بأنه من الشعر فهو شعر والشعر العامي مادة للغناء أكثر من الشعر بالفصيح

* هل تتفق حضرتك مع رأي البعض من ضرورة أن تتحمل القصيدة ( رؤية تفسيرية ) للقضايا المختلفة , سواء كانت فلسفية , أو كونية , أو اجتماعية , أو إنسانية , أم يكفي ما تحمله القصيدة من براعة الشاعر , في الوصف والتعبير وما تتضمنه قصيدته من قيم جمالية وإنسانية , تحقق للقارئ الإمتاع النفسي , والتهذيب الروحي فقط , دون تسليط الضوء الكاشف لكثير من القضايا والمشكلات التي تثير التساؤلات والتأملات في الكون والطبيعة والإنسان بشكل عام ؟؟

*** القصيدة في النهاية , ليست إلا محصلة لجهد الشاعر وتجسيداً جمالياً , حسياً لملكه الثقافي والذوقي والنفسي في لحظة حياتية ما , وبذلك لم يكن الشاعر باعتباره رائياً ومبدعاً وخالقاً للقصيدة , غايته التجديد , وشاغلاً من شواغله العميقة , بل كان في معظم الأحيان لا يتمتع إلا باهتمام جزئي , أو غير مخطط له . إن صلة الشاعر بالعالم المحيط إذن , ليست صلة نثرية , عاقلة , منطقية , بل صلة الحلم والرؤيا والتوحد , صلة الدهشة والافتنان اللذين يعصفا بالقلب والروح ويضفيان على فوضى الأشياء اليومية ورتابتها المتفجرة نغمة التجانس , ونشوة البكارة الأولى , إن الرؤيا في الشعر هي نفاذ الشاعر ببصيرة ثاقبة , فالقصيدة كل لا يتجزأ , وإن وحدة القصيدة ينبغي أن يكون في إطار وحدة الموضوع وتؤلف القصيدة بين الإيقاع الداخلي في النص الشعري والإيقاع الخارجي وهي التي تحتوي على جزر تربية في رحاب القصيدة , بقدر ما تحتوي على مدن شعرية حول تلك الجزر , هي تشبه اللوحة التشكيلية التي تتمازج الألوان فيها فتتكامل , ومنها أيضا يكون انتقال من إيقاع إلى آخر داخل القصيدة الواحدة , وربما تحتوي القصيدة على شعر خليلي , وشعر تفعيلة , وشعر منثور وومضات شعرية عالية معاً , المهم أن يكون صدق الشاعر مع النفس وأن يكون الإبداع الشعري نابعاً من خلجات نفس نقية مؤمنة , ومن ملكات إبداعية مؤهلة للتعبير

***  أ تفضل الشعر الحر ( المرسل ) بما يمنحه من حرية في التعبير , دون التقيد الصارم ببحور الشعر وأوزان الخليل , دون التزام بالقافية طبقاً لعلم العروض الذي أسس قواعده الخليل ؟

*** لم أكتب قصائد تفعيليه , وإنما قصائد ذات صوت ومضي وحر, فأنا أكتب الشعر من باب الشوق للجمل الشعرية والمختزلة والمعبرة والتي تقول أشياء كثيرة , أنا شاعر متمرد على قواعد الشعر التقليدية , إنا مع لغة شعرية تعني بالإيحاء والرؤيا , وبالإيقاعات الداخلية التي يمكن أن تقرب المتلقي إليها , هي لغة عالية أقرب إلى الشعر من حيث انزياح اللغة عن السياق التواصلي , فلم تعد القصيدة الحديثة في رأيي تستسلم لشروطها التاريخية فالشاعر الحديث استطاع ترويض عالمه الشعري وجعله أنيقاً ومنتشياً لحرارة الذات الشاعرة جاعلاً القصيدة تمارس حفرياتها بعضها في بعض في تضاريس المتخيل الشعري , وفي تراب الوهج الإبداعي , ففي قصائدي بعثرة أحيانا تكون موزونة وأحيانا أخرى غير موزونة , ففي القصيدة الواحدة وزناً مغايرا , للوزن الآخر , والقوافي استخدمها واستغلها حسبما ترتئي القصيدة في خلق الصورة الشعرية وهنا أدعو إلى رفع رافعة الوزن عن كاهل القصيدة الحديثة فنرفع بذلك كيس الرمل الثقيل عن عنق الشاعر المعاصر

***  ماهي المعايير الهامة التي يجب على الناقد وضعها في الحسبان , للحكم على القصيدة , وتقييم مستواها الفني والإبداعي – من وجهة نظرك – أرجو بيانها مع توضيح مدى أهميتها في الحكم على القصيدة وتقييمها ؟؟

*** دورا لناقد ومعايير الناقد كدور الطبيب؛ يتفحص كامل أعضاء، ومفاصل القصيدة، ويفككها، ويعيد صياغتها، وتركيبها بعين الطبيب النفسي، والباحث الاجتماعي، والعالم اللغوي، في إيقاعات النص، وموسيقاه، وتراكيبه، ودلالاته… وأهم معايير النقد هي الشفافية والصدق، وعدم المحاباة، ورفع مستوى الجانب المعنوي لصاحب القصيدة، والإمساك بيده حتى يصل بالأدب، والشعر، والنثر، والرواية إلى مستوى الرفعة، والسمو. ويستخدم كل معاول، وأدوات النقد القديمة، والحديثة؛ البنيوية، والسميائية، والتحليلة، والبلاغية. ويبحر في نسيج النص وعمقه، ويقرأه بحرفية ودراية عالم الآثار، وهو يحفر في صخر القصيدة، وتعرجاتها، وتربتها ليخرج منها الدرر، ويكشف ما فيها من سوء وضعف لغوي، وتركيبي، وشعري، ودلالي.

*** عبر مسيرة الشعر العربي , في مراحله المختلفة , نظم الكثير من الشعراء قصائد مدح وهجاء , فتناولت بعض أصحاب النفوذ والسلطات , والسلطان , وذوي الجاه , فضلا عن قصائد المناسبات والتي تستهدف الترويج لمذاهب أو أنظمة بعينها أو أحزاب أو فئات معينة ما رأي ناقدنا , هل أضافت هذه القصائد قيمة تذكر للتراث الشعري العربي أم أثرت سلباً ؟؟؟

*** الالتزام لا يعني أن يتحول الشاعر إلى بوق لأيديولوجيا معينة أو سلطة معينة بغض النظر كانت دينية أو قبلية أو اجتماعية أو سياسية , بل يعني الصدق مع الذات ومع النفس أولاً وحمل هموم الوطن والقضايا القومية والشعور بعذابات الإنسانية ثانياً لكن للأسف الالتزام تحول في نظر الشعراء والمؤسسات إلى تسويق تجاري لشعراء بعينهم باعتبارهم ينتمون إلى إيديولوجيات مرتبطة بأولئك الشعراء وتلك المؤسسات وتحول الوسط الشعري إلى ,, شللية ,, قاتلة فأنا مع المبدع الحقيقي , ومع الكلمة النظيفة , ومع الإبداع الحق من غير النظر إلى الأيديولوجيات أو الانتماءات القبلية والحزبية فللمناخ الاجتماعي والقبلي والسياسي في العصرين الجاهلي والأموي خصوصيته حيث صعود القبيلة في حياة الناس في تلك الحقبتين ولم يكن ينفصل عن طبيعة الذوق العام في في هذين العصرين مع بروز الكتل السياسة وشعراء الأحزاب من شيعة وخوارج وقدرية وجبرية بني أمية في جعل الشعر والشعراء حاضنة للمدح والهجاء للخصوم السياسي ومنها حنين لقيم العروبة في العصر الجاهلي في ظل دخول النحل والأجناس وتعظيم قيم المدح بالكرم والشجاعة والحلم والمروءة والنجدة من اجل تدعيم سلطتهم الدينية والسياسية وكان الشعر بمثابة المنبر الإعلامي الأول كالإذاعة والتلفاز وأجهزة الاتصال الالكترونية الحديثة

*** من هم من الشعراء المعاصرين الذين تأثرت بهم , أو أثروا في إبداعك وتكن لهم التقدير والإعجاب بإبداعاتهم ؟

*** دعيني أقول لك إنني لم أتأثر بشاعر معين ولكنني مدين لكل شعراء العرب من جاهليين وأمويين وعباسيين ومعاصرين ومن مختلف بلدان الوطن العربي لا يعني ذلك انه لم يكن لأحد من المعاصرين بصمته على فضائي الشعري كنزار قباني ومحمود درويش والبياني والسياب وأبو قاسم الشابي وعبد اللطيف اللعبي وصلاح عبد الصبور وادونيس وحافظ إبراهيم وجبران خليل وسعدي يوسف

*** كيف ترى المشهد الإبداعي في الوطن العربي ؟

*** يقف المشهد الإبداعي العربي المعاصر أمام ما يشبه التكلس في مفاصله، فالكتابة بدأت تتحول إلى تكرار حول صيغ جاهزة، فصارت الكتابة جزءا من السلطة، أو بحثا عنها وفيها، وتحولت بالتالي إلى عالم يعيش فوق التجربة الاجتماعية التاريخية وتحتها. – “دور المبدع”: في الأعمال الكبرى التي تأتي كشكل للتجربة التاريخية يغيب الكاتب في النص، ويتحول النص إلى إمكانيات تأويل لا حدود لها، لأننا اليوم نشهد موت الكاتب – الشاعر.. من يستطيع أن يعبر أو يلتقط هذا الركام ؟؟ من يستطيع أن يبحث عن موضوع، أو عن فكرة، أو إطار لكتاباته ؟؟ والمواضيع مكدسة في طرقات المدن، والمخيمات، والقرى، والسجون، وفي عيون الكادحين والمسحوقين والمقهورين.. والكتابة عاجزة أن تكون شكلا، والكاتب ضائع بين أن يعيش في ماضيه، حيث أحلام أو أوهام الكتابة هي في أن تكون مبشرا وداعية، وبين أن يعيش هذا التراكم المدهش والقاتل لكثافة التاريخ المعاش ومأساويته، وكأننا أمام الأزمنة وهي تختلط وتتهيأ لتعلن شيئا آخر لن نألفه، وكأننا أمام الفوضى التي نعيش فيها في عالمنا العربي والتي يبدأ منها كل شيء، ونصبح نعيش اللحظة التي تقع بين الوعي واللاوعي، بين الممكن واللاممكن، والمحتمل بين الواقع والحلم، هي اللحظة التي تعلن الشهادة ونكتفي بإعلانها..

***  أود , كما يود قرٌاؤنا الأعزاء الاستمتاع بقراءة أحب القصائد لقلب شاعرنا ؟

 

 *** أمرغ شفاهي باسمكِ تفوح مروج القصيدة وحدس الرضاب يطارح نون النسوة على سرائر الخيال سخي هذا المحال وساطع كشمسٍ مزقت قمصان الغيم تجدرت دفئا ونبشت تحت ظل صخور الشوق فضحت أسارير النشوة وأحداق الحنين قوّمت اعوجاج المسافة مرتين كي تلين وارتطمت بعفوية في شغاف اللهفة يا امرأة الياسمين يا نسيماً يرطب منافذي ويترك إرثا يتحرش بالصبابة كل حين يا أحجية تاء التأنيث وسر المد والجزر في عمر البحار خالطي عناويني لجوءاً اقتحمي كل الأسوار

**   كيف ينظر الأستاذ احمد دحبور أحوال العالم العربي مستقبلا؟

***  تعد الثورة التونسية الأكثر,, سلمية ,, على الرغم من سقوط 300 شهيد , بالقياس إلى موجة الثورات العربية التي اجتاحت الوطن العربي عام 2011 من شمال إفريقيا حتى دول الشرق الأوسط هي سلمية بالمقارنة مع الحرب الكارثية التي أصابت ليبيا وذهب زهاء 50 ألف شهيد أو بما يجري في سوريا التي حصدت أكثر من 150 ألف شهيد وشردت أكثر من مليونين لاجئ ودمرت الممتلكات والبنية التحتية للقطر السوري , ولكنني أرى ما حصل من ثورات في الوطن العربي لم تعد ثورة بمقياس الثورة الفرنسية بل هي بذور ثورة في طور التكوين نعم سقطت رموز الدكتاتوريات وبقيت أنظمة النظام بكامل هياكلها في اليمن ومصر وتونس على الصعيد السياسي والأمني والاقتصادي والثقفي والمواقع المدنية والإدارية وما زالت عجلة التغير بطيئة وخرقاء وغير مرئية ولم ترتق إلى حلم الجماهير التي قامت بهذه الثورات بل أصيبت بارتدادات عكسية ومضادة وما زالت المنظومة القديمة سائدة على المنظومة الجديدة في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمشروع الوطني والقومي الاستراتيجي في النهوض والتنمية وتبادل السلطة وحرية التعبير وما زالت الثورة الاجتماعية والثقافية تراوح مكانها وما زالت القضية الفلسطينية رأس القضايا القومية العربية في أحلك مراحلها وقوى الشد العكسي المرتهنة إرادتها لقوى الطغيان والاستكبار الامبريالي والصهيوني تتسيد على الموقف العربي

***  من هو أحمد دحبور كيف تعرف عن نفسك لجمهور القراء ؟

*** مَنْ أكون” أحمد دحبور، إنسان بسيط.. فلاح لم تغادره طفولته.. أتعبه المنفى.. يحمل هم وطنه، وهم قوميته، وقضايا الحرية والتحرر في كل مكان.. خريج الجامعات المغربية، هذا البلد الحبيب الذي أكن له الحب والعرفان؛ ففيه انصقلت هويتي الفكرية والنقدية.. منذ طفولتي عشت تجربة المنفى , وعشت تجربة السجن أيضا وهو منفى في المنفى الداخلي حاولت أن اخفف وطئتها من خلال الانخراط في صفوف الجماهير المناضلة ضد الاحتلال الصهيوني الغاشم وفي المنفى الخارجي واصلت النضال بالكلمة والسلاح وصارت أخيراً الكلمات طريقا وجسراً للعودة إلى الوطن بوصفه منبع الإلهام وطفولة اللغة , فهذا الابتعاد عن الوطن والأم هو امتحان عسير للقدرة على اختراع لغة جديدة وسلاح جديد واختراع صداقة جديدة مع الحياة , لقد احتلني الوطن في المنفى واحتلني المنفى في الوطن فأنا الكنعاني المتوحد مع أحلامه وأوجاعه , نازفاً دوماً لجرحي الفلسطيني والعربي : جرح الأرض والإنسان … أنا منفتحٌ – عقلاً وروحاً – على ثقافات الغير والقيم الإنسانية والعالمية عامة , إنا الحالم والمقاتل انشد أن أكون مشروع شهيد حاولت في معارك الكرامة والنضال أن أنال هذا الشرف ولم يكتب لي يبدو أن السماء تأبى أن نميتني خارج أرضي وداخل تربتي التي أشبه لونها … إنني ارفض الخيانة ايً كان لونها , أحاول أن أحقق نوعاً من التوازن الداخلي والخارجي في حياتي بطريقة مجازية …… فها أنا أحاول تحقيقها من خلال أولادي الثلاث حزم وبيسان وهيثم ومن خلال كتباتي النقدية والشعرية واعمل أن أعود لكتباتي السياسية والفكرية التي كانت في التسعينيات من القرن المنصرم .. أعيش بين ماضٍ يبتعد وحاضر يهرب ومستقبل غامض لي ولقضيتي ولوطني الصغير والكبير فأنا رغم الوجع والجرح فأنني على المستوى الذاتي متصالح مع ذاتي وضميري ومرتاح مما قدمته لوطني ولعائلتي رغم أن هذه الراحة تعتريها تعرجات وصعوبات جمة , ولكن إيماني الراسخ بعدالة قضيتي تجعل من نفسي في حالة توازن واستقرار ولن أكون حراً إلا إذا تحرر وطني فلسطين وتحررت أوطاننا العربية من الجهل والاستبداد والتبعية ورسمت لها ولأوطانها مكانة رفيعة تحت الشمس

*** أشكرك أستاذ احمد جزيل الشكر و قد استفدنا من خبرتك و دراستك القيمة ..باسمي و باسم القائمين على الجريدة و باسم أعضاء المجلس نوجه لك تحية الامتنان و الشكر و الود و التقدير لشخصكم الراقي و إلى لقاء آخر بإذن الله

إعداد وحوار 

أ / نجاة التمسماني 

حقوق النشر والطبع محفوظة

لجريدة كتاب وشعراء العرب

الصادرة عن

مجلس الكتاب والأدباء والمثقفين العرب 

1551651_510335939081585_1817273656_n

 

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

عن نائب رئيس التحرير سلوي أحمد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

زيت بذور اللفت الأكثر فعالية للحفاظ على القلب

Spread the loveتوصلت دراسة طبية، إلى أن زيت بذور اللفت يمكن أن ...