التّابعون – بقلم الشاعر الناقد المغربي نور حنفي أبوشامة

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 24 يوليو 2020 - 4:49 مساءً
التّابعون – بقلم الشاعر الناقد المغربي نور حنفي أبوشامة

التّابعون – 1 –

هم أولئك الذين يسمون أنفسهم زجالين و هم بالكاد متزاجلون ، لا ينظمون القصيدة إلا إذا باركها صنمٌ ، صنعوه بأيديهم و بنوا له تمثالاً من شمعٍ ، ثم وضعوه على قارعة الطريق في زمن الهاجرة تحت شمسٍ طائلة ، و قالو للعابرين : أنظرونا نعبد هُبلَنا ، و انظرونا نصفق له مراسيم فرحه و حزنه و سرائه و ضرّائه … هؤلاء و ما يعبدون لا يرسمون خارطة الفن ابدا ، و إنما يكررون المشهد الموبوء بالنقصان ، و الموسوم بالدونية ، لأنهم خلعوا عن ذواتهم الشاعرية الأصيلة عندما لم يعترفوا بأنفسهم و اعترفوا بغيرهم لا في معيار الجودة و الإبداع ، و لكن في معايير أخرى خارج سياقات الموضوعية و الأمانة العلمية ، كأن يقيسوا الشعر بالقبيلة أو بالعشيرة أو بالصحبة أو بالمشاركة الحانية ( نسبة إلى الحانة و ليس إلى الحنان ) … مثل هؤلاء ، يتم استدراجهم إلى طابور التابعين بجرة زرقاء يبصمها الصنم في مسكوكةٍ مثل ( رائع ) أو ( ماتع ) … فينبري الصغير مدفوعا بوهم الروعة فيما دبّج ، إلى الاعتقاد الصارم أنه وصل … و عندما تحدثه في شأن القيمة الشعرية ، يُجحّظُ فيك عينيه قائلا : أنا زجال كبيرٌ موسوم بإشارةٍ من الصنم الأكبر … و بالتالي يضيع الزجل في دواوين متسرعة تحب الطبع و لا تحب الطبع ، الطبع الأول من الطِّباعة و الثاني من الجِبِلّة و الأصل المنساب في شرايين الإبداع الجليل دون قسر أو تعسف … هكذا تنتشر دواوين لا لها في الزجل و لا لها في الشعر إن هي إلا كلام يشبه كلام العامّة يفتقر إلى خصائص الشعر . و لأنهم ظنوا الزجل لغةً عامية حسبوه حائطا قصيرا فكثر عليه النطّ و القفز و الاعتلاء … و لو علم هؤلاء أنهم في القادم من أزمنة العراء و الكشف و الفرز بين الشاعر و المتشاعر ، لأحرقوا دواوينهم الآن قبل الغد ، و سيعلمون أنهم يقدمون للثقافة خدمة جليلة و هم يرفضون النشر لأجل النشر ، و هم يرفضون التطبيل لاجل التطبيل و يتنزهون عن التبعية المقيتة لشاعر عدّوه كبيرا و هو في منظور الحق و الحقيقة جالس أمام مرآة محدّبة تنفخ في صورته نفخا مبينا و سرعان ما تنكسر فيظهر حجمه للناظرين صغيرا مثل حصية رمل … من هنا سأشفق على كل من يرى في الإبداع سيده و لا يرى فيه نفسه . و أقول له : كن أنت و لا تكن غيرك فكلنا مولودات تسعة أشهر .

التابعون – 2 –

النقادُ أو الناقدون أو النَّقَدَةُ أصناف متعددةٌ :
الأول ، صنفٌ تمجّه حالما تنظر إليه ، و فيه يكون الناقد شخصا منبطحاً يتوسّل الأعتاب و يستدر اللقيمات التي لا تسد جوعة . هذا الصنف يطلب من صاحب النص و بجرأة غريبة ، مقابلا ماديا رخيصا مهما على ثمنه . و الرّخص هنا يرتبط بغياب القيمة الإنسانية النبيلة و حضور القيمة المادية الرذيلة . و فيه تنتفي أيّ مقاربة علمية و تغيب ، مادام الأمر تعلّق بوضع الطلب في قائمة الانتظار … يتعامل هذا الصنف مع زبائن من نوع خاص ، يتسمون بالرغبة المرضية في الوصول و اعتلاء المنصات ليتم التصفيق عليهم و هم لم يتجشموا البتّة مشقّة الإبداع . و قد يبلغ بهؤلاء النقاد في حالات المحل و القحط الى قبول مبلغ زهيد لا يتجاوز المِأتَيْ درهما أحيانا .

و الثاني ، صنفٌ عجيبٌ ، يطلب مقابلا لاأخلاقيا ، و يختار زبائنه من فئة خاصة ، يتقرّب إليها و يلقي بشباكه في أوساطها ، و سرعان ما ترتمي الضحية على الطعم و تلتهم الصنارة بما فيها ، و يكون لها ما أرادت . و ما أرادته لا يعدو أن يكون وهما بالوصول عبر مقدمة في رأس الديوان أو مقاربة تزكي فبركة الديوان ، الذي عادة ما يكون مجموعة من النصوص المستوردة من هنا و من هناك .

و الثالث ، صنفٌ أغرب من الغرابة ، يبدو فيه الناقد قناصا من نوع آخر ، يقترب من مساحات الضوء فيشيد بنجوم المشهد المشعّ ، عالما كل العلم أنه سيحظى بواسطة مقارباته العصماء بشيء من هذا الضوء . و ما هذا الضوءُ إلا تقلّبٌ في اللقاءات و المحافل و المهرجانات . و ذاك هو أقصى ما يحلم به و هو الناقد المغمور الباحث عن شيء يشبه الاعتراف الذي خانه فيه تقديره للاعتراف . و ليس أبلغ من أن تعترف بذاتك أيها الناقد ، خطوةً أولى ليعترف بك الآخرون و تعتلي منصات التتويج على الرغم من أنوفهم ، لأنك تملك المباضع الحقيقية لتشريح الفعل الثقافي .

والرابع ، صنفٌ قبليّ عشائري لا يكتب إلا عن طينة بشرية تشبه طينته في الانتماء إلى تراب معين من أتربة هذا الوطن المتعدد و السعيد . فينبري إلى التعريف ، فقط ، و حصريا ، بأهل عشيرته من المبدعين و خاصته من بني عرقه و أرومته ، في شوفينية ضيقة لا تخدم المشروع الثقافي الوطني و إنما تنغلق على ذاتها في محاولات التطبيل للمحلية الأضيق .

و الخامس ، و السادس و السابع و هلم جرا … حيث لا يتسع المقام لرصد حالات أخرى من النقد و النقاد و المنقودين و المنقودات …

و الخلاصة ، كن ذاك الصنفَ المنزّه عن أي شبهة ، و المجرد من أي اعتبار إلا اعتبار العلمية و الأمانة ، الذي يُغري بالتتع و بالقراءة و بالتبني لما يحمله من أطايب الكلام المحلل و المشرح في مسؤولية علمية تتبنى المنهج المناسب و تروم تقديم المنتوج الفني تقديما موضوعيا يكشف عن طبيعة الرؤية الإبداعية من خلال رؤية نقدية أبدع ، و أنبل و أجدى بأن تكون هي الشعار و الفلسفة في أزمنة العبث و الخواء .
… يتبع …
نون حاء

بقلم الشاعر الناقد المغربي نور الدين حنفي ابوشامة

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

رابط مختصر