التجنيس والنوع الادبي…بقلم الكاتب ـ باسم عبد الكريم الفضلي

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 7 فبراير 2019 - 6:04 صباحًا
التجنيس والنوع الادبي…بقلم الكاتب ـ باسم عبد الكريم الفضلي

— { التجنيس والنوع الادبي } ——–
دراسة تحليلية لنص ” ضجيج ضوء ”
للشاعر و القاص المغربي ـ حسين الباز ـ

النص ( ضجيج ضوء )
**********”*********
..أسدل عليه الستار،،يحب النور معاقرة الظلام لينطفئ،ضجيج مكرومغناطيسي يتسرب لأذنيه ، كان شعاع ضوء خافت يعبر شق نافذته،، أخذ يتقلب بين الروح والجسد، فقد البوصلة إلى روحها..!
_تعري لأراك موطني..! (قال لها)
_ لا موطن بصدرك لجسدي.!(ردت عليه)
..العشق جسد ممتد على سرير، يأوي الرعشة، ينبض القلب،يطيل عمر الوقت، دائم
العطش، يهوى الهمس و اللمس …!
.. ضوء متسرب لضميره،، خفقان أشرعة العرف تتدلى،، يجذف للريح بأجنحة متكسرة ، على رضابه انتحر الكلام موجة لليم،، أضاع شفاهها..!
..غرف سرمدية بنوافذ للأمل مشرعة،، و لا يبزغ منها غير ضجيج أمس،، كل الأقدار
مترصدة، واقفة دونما كلل،لا تعبق باليائس، بالمنتحر، بالفاشل، تقف له سدا منيعا،،
تقلب مواجعه، تفتح الأبواب غرة،، يمر من يمر، و تقفل..!
..ما يعكر صفو الضمير فهو ضجيج،، و لو كان خرم ضوء من عتمة إبرة..!
_حسين الباز/المغرب_
………………………………
الدراسة :
********
القراءة الأولية لهذا الأثر الأدبي ، تكشف لنا عن خصائص بنيته الفنية التالية :
1 ـ توفر عنصر الموضوع : وهو مستمد هنا من ثقافة الكاتب
2 ـ وجود فكرة : اساسها وجهة نظر الكاتب وموقفه من الحياة بما فيها من متناقضات ومشكلات انسانية متعددة ( فكرية ، سوسيولوجية ، سياسية .. الخ ) ، يريد الكاتب ايصالها للمتلقي
3 ـ سردية الاسلوب، ببنية لغوية متعددة العناصرمثل/ التكثيف الوصفي والصوري، أنسنة الأشياء، الخيال ، الرمز ،الإيماء والتلميح
4 ـ وحدة الحدث ، والمكان والزمان ،
5 ـ تحقق عنصر الحبكة ، وان بنوعها ( المفكك ) فلهذا قصدٌ دلالي كما سأوضحه لاحقاً
6 ـ وجود عنصر الصراع ، وهو هنا داخلي ( معتمل في اعماق الشخصية المحورية في النص )، وهو صراع ادّى بتشابكه الى خلق ( عقدة ) ، مهيمنة على عموم النص ( عقدة ممتدة) / بلا حل ( نهاية مفتوحة ) ، لغاية سأتطرق اليها لاحقاً ايضاً
7 ـ وجود شخصية / بطل القصة : المشار اليه بضمير الغائب المتصل مرةً ، كما في
( عليه ، أذنيه ، نافذته ،ضميره ، رضابه ، له ،مواجعه ) ، والضمير المستتر بتقدير/ هو، مرةً اخرى كما في الفعلين ( اخذ ، فقدَ )،
7 ـ وجود الحوار ( وان كان يتيماً ) المكثف الاشارات وبازاحات حادة
8 ـ سطح النص متعدد المقاطع ، بأطوال مختلفة / تعددية الايقاعات البصرية

ان توفر كل هذه الخصائص الفنية ، في هذا الاثر الادبي ،تجعله متقاطعاً لغةً فنية
وبنيةً اسلوبية مع هذه الاجناس الادبية :
* قصيدة النثر فهي بإيجاز : قطعة نثرية موجزة ، موحّدة، ، بإيحائيه غير محدودة ، لها إيقاعها الخاص وموسيقاها الداخلية، والتي تعتمد على تتابعية الألفاظ ، وتكاملية الصور .
*الخاطرة الشعرية لانها : تعبير عما يجول في خاطر الكاتب ورَوعه من مشاعر وعواطفَ خاصة بالكاتب ( انفعالاته الوجدانية ) ،في شكلٍ أدبي يكثر فيه استخدام التزويق اللفظي والتصوير المكثف ، والايحاء ، فهي وليدة لحظتها، حيث انها تُكتبُ عند حدوث الشيء أوبعده بقليل . والغاية منها التأثير على مشاعر المتلقي ، لذا فانها
يمكن ان تُلقى منبرياً لإحداث ذلك التاثير بصورة اسرع واوسع.
* الأقصوصةً : كونها غاية بالقِصَر في الغالب ، لاتتجاوز كتابتها سطراً
واحداً او اسطراً قليلة ،فهي أشبه بالومضة ،الخاطرة او اللقطة القصصية ، وعناصربنيتها الأسلوبية : الإيحاء ، شدة التكثيف و الأختزال .
غائية مضمونها ، يغلب عليها طابعَا السخرية ( الهجاء اللاذع و الفكاهة السوداء ) والمفارقة ( جمع المتضادين / النقيضين )، ليشكلا اهم مركبات بنية رسائلها الخطابية المنتقدة للظواهر والاحداث (العامة / الخاصة ) السلبية والاستلابية للمعاني الانسانية .
لوجود كل هذه التقاطعات البنيوية و الخطابية ، فإن التجنيس الأدبي لذلك النص هوانه ( قصة قصيرة )
وبغية التعرف على نوعها سأقوم بتحليل نصها اعلاه وتفكيك اشاراته وبنيته الدلالية :
وسابدأ بعتبة القصة / عنوانها ( ضجيج ضوء ) :
القراءة السطحية للجملة بدلالتها النحوية تشير الى / شبه اضافة ، فالمفردتين نكرتين تولَّدَ من تقاربهما معنى شبه معلوم ، فالضجيج غير معروف المصدر ولادرجة شدته وكذا الضوء ،الذي جهلنا لونه بالاضافة لما سبق ، كما ان هذين المتضايفين لم تنشأ بينهما اية علاقة معرفية ، تاريخية او آلية ، مما يحققها التضايف الحقيقي ، كما ان حذف (المبتدأ) من جملة ( العتبة )..زاد من ضعف تخصيص الخبر ( ضجيجُ ) بما بعدها ( ضوء ) ،اما الدلالة المعنوية للاشارتين / ضجيج ، ضوء فتفكيكهما :
ـ ضجيج : دال مدلوله اللغوي : جعجعة ، ضوضاء عالية من الأصوات غير المفهومة
غير مرغوب فيها ، وهي اشارة إحالية خارجية ( خارج السياق النصي ) ، سياقها
العلمي / علم البيئة يحدد دلالته : انه من ملوّثات البيئة / التلوث الضوضائي
المقاربة الدلالية : فوضى / عدم اتساق صوتي يثير النفرة والانزعاج
ـ ضوء : دال مدلوله : النور ، فضوء الشمس : ما يشيعُ منها من الانبلاج حتى المغيب
وهي اشارة احلية خارجية ايضا ، سياقها العلمي / الفيزياء يعرفه :
هو طاقة مشعة تجعل الاشياء مرئية ،اي انه مسؤول عن حاسة الإبصار.
المقاربة الدلالية : انتظام / اتساق اشعائي يُسبب الرؤية ( لولا انتظام الاشعاع لما حدث الابصارالواضح )
بتجميع الدلالات المتحصلة من التفكيك :
فوضى / لااتساق صوتي مسموع + انتظام / اتساق اشعائي مرءٍ = تقابل نقيضين
المعنى الظاهر للعتبة : لا دلالة معنوية لها / لغة بيضاء
اما تاويل المعنى العميق لها :
الضجيج والضوء مثيران متباعدان ، لحاستين مختلفتين / السمع والبصر ، شبه تضايفهما في العتبة ، اخرجهما لغةً من السياق الدلالي المعنوي ، الى لاسياقية ايحائية ، رسَمَ / شكّل صورةً ( صوت مرئية ) خيالية منفلتة من منطقية الوعي ، بإحداث تداخل ( تراسل ) حسي ، بين اشارتين مختلفتي الدلالة مما يجعل العتبة ميتاواقعية القصد ، عبثية الرسالة ، لاتمثل مفتاحية نصية للقارئ ، مما يوحي اليه انه سيدخل عالم قصة مختلفة موضوعاً وفكرة مع ما عرفه سائداً من مضامين ورؤى فيما قرأه من قصص قبلها ،وان البنية الدلالية لهكذا عنوان ( ضجيج ضوء ) متقاطعة مع المألوف ، لغةَ ، اتساقاً دلالياً و تركيبيا ،و مارقةً من حدود جمالياتها الفنية ، و هذا التركيب العبثي للعتبة وما تبعثه من ايحاء هو من خصائص القصة السريالية ،فهل نحن امام قصة من هذا النوع ؟ سأعرض ادناه ،على عجالة، الخصائص الفنية لبنية القصة
السريانية ، ومن ثم اقوم بعقد المقارنة بينها وبين الخصائص الفنية لقصتنا التي ستحددها قراءتي اياها لاحقاً . فان تحقق التقارب بينهما ، فهذا يعني ان القصة سريالية ، وان لم ، فسيكون لقصتنا تصنيف نوعيٌّ اخر .
خصائص بنية القصة السريالية :
1 ـ مواضيع القصص السريالية وهيكليتها الفنية :
تدور حول ابراز التناقض في الحياة الواعية ، و التحرر من سيطرة العقل ومنطقية احكامه وقياساته الفكرية ( الايديولوجيا ) في التعاطي مع الاخر الموضوعي ، لذا فليس هناك (مواضيع) وفق ماهو محدد في الفن القصصي المعروف ، وعناوينها لا تمت بصلة اليها ( عتبة اللاعتبة ) فهي هذيان ، في عوالم غرائبية منفلتة الخيال ، كاسرة لحدود الواقعي / اللاواقعي ، لاهيكلية فنية لها ، اذ لاوجود لوحدة العمل الادبي ، ان هو إلا مزاج انفعالي يسود فضاء القصة، ومقدمتها / المطلع ، منقطع عما بعده ولايمهد له ، لانهاية ، عموم الشكل فوضى بنائية لايفهم منها شيئا الا بتأويل اشاراتها و رموزها انطباعيا بعيدا عن كل منهجية تحليلية
2ـ افكار واحداث القصة :
البحث عن ( الحقيقة)، باللجوء الى اللاوعي / اللاعقلانية ، فهي عندهم مكبوتة في اعماق النفس البشرية قابعة في العقل الباطن للفرد وأحلامه وذاكرته ، و إبعاد اي وجود للعالم الخارجي / الآخر( الجمعي والافكار الموروثة) ، فهي افكار منغلقة ، لاتواصلية ، لامعنى لها غرائبية الاشارات والدلالة فهي مثلا تؤنسن غير العاقل و الفاقد الحياة ، وبالعكس ، وتُنطقُ ما لاينطق ، الخ
3ـ اللغة وبنيتها الفنية :
تلقائية آلية دون تدخل الوعي ، متدفقة بلا منطقية او انتظام سياقي لغوي او دلالي فهي خارج نطاق الجماليات والاخلاقيات وضوابط الرقيب الداخلي ( الانا العليا ) او الخارجي ( الاحكام والقياسات المؤسساتية ) الممثلة بالقواعد والمعجمية اللغوية ، لذا فهي ترفضها وتثورعليها من خلال افقادها معناها، وهدم سياقاتها الزمكانية والصوتية ( لاايقاعات منتظمة وفوضوية نبرية / صوت الحروف في الكلمة) وغيرها ، وكسر علاقة الدوال بمدلولاتها
ومن خصائصها الدلالية :
العبث، الفوضى،الهدم، العدمية،التضاد ، اعتماد التداخل الحسي والخروج بالواقعي الى مافوق الواقعي وبالعكس ، لرسم صورها
4ـ بؤرة ثيمة القصة السريالية ( موقفها من الاخر ) : رفض العالم و النظام الاجتماعي
لانهما يصادران ( الحقيقة ) ويكبلان الوجود الفردي باغلال أحكامهما وقياساتهما العقلية الاخلاقية القامعة لحريته الكاملة
قراءة بنية القصة بقصد تحديد خصائصها الفنية :
تبدأ القصة بجملة فعلية مبنية للمجهول :
* “أسدل عليه الستائر”
القراءة السطحية لبنيتها النحوية :
الاشارة الفعلية / أُسدل : دالة حدثية ماضوية البدء مستمرة الحضور انياً
دلالة على تواصل الاثر وديمومة حدوثة /
المقصود بإشارة (الضمير المتصل / الهاء ) مؤجل الهوية ، غير محدد الملامح
قراءتها العميقة ( التحتانية ):
مطلع او مقدمة القصة غير مفهوم ، غامض ، لايمهد او يؤسس لبناء توقعٍ ما، لما
سيلي من احداث/ بداية توحي بالتمرد على هيكلية البناء القصصي المتعارف عليها .
مما يقربها من الخصيصة السريالية رقم /1 ( المقدمة لاتمهد لما بعدها )
ثم تأتي بعدها العبارة :
* “يحب النور معاقرة الظلام لينطفئ ”
فراءة سطحها :
الاشارتان / يحب ، معاقرة ، احاليتان خارجيتان ، سياقهما الاجتماعي ينسبهما الى جملة الافعال الانسانية ( مع اعتبار ان الانسان ارتقى بمفهوم الحب من مرتبة الحاجات
الغرائزية البحتة ،الى مصاف العواطف ، مما لم يغادره الحيوان )، الكاتب اذاً قام ( بأنسنة) ماهوغير حي / النور ، بجعله يشارك الانسان فعلَين من أفعاله الحصرية ( يحب ، معاقرة من / يعاقر ) ،
القراءة التحتانية : النور بدلالاته المتعددة يبحث عن الانطفاء /اي نقيضه ، عن طريق الهروب بالمعاقرة / عاقر : فعل تحولي من الواقع الى اللاواقع باللجوء الى وسيلة واعية ( تناول الخمر) ، الصورة هنا :
غير منطقية مركبة من ركنين متقابلين / لاواقعية المعنى
مقاربة القراءتين معنوياً :
لاعلاقة سببية او ارتباطية بين العبارتين السابقتين ، حيث لايوجد مسوغ لإعتبار ذلك الضمير المتصل يعود على ( النور ) ، فالإنسدال يكون على مصدر النور لا ( عليه )
وهنا تقارب ملموس مع ذات الخصيصة السابقة ( لاوجود للوحدة الفنية ) وكذلك مع
الخصيصة 2 ( انسنة غير العاقل او الحي) و3 ( الخروج بالواقعي الى اللاواقعي ، الهدم )
واذا ما حللنا سطح بنية العبارة الثالثة :
” ضجيج مكرومغناطيسي يتسرب لأذنيه ” .
نجد ان الاذنين تحولتا لجهاز استقبال اصغر موجات الاتصال ، يتسرب ضجيجها اليهما من لامكان !! مع مجهولية المصدر، و الفحوى ، مما يغرق العبارة بالغموض / خلل واضح في بُنيَتَيها النحوية والدلالية / افتقاد العبارة للجمالية التعبرية
كما أن علو صوت و نشازية وقع حروف مفردة ( مكرومغناطيسي ) ، لاسيما اصوات حروفها ( الكاف ، الغين ، الطاء ) في سياق العبارة الصوتي ،سبب نفور و فوضى ايقاعية مع صوت ( الجيم / اخر حرف في المفردة التي قبلها ) ،حيث طغى صوت الكاف على صوت الميم قبلها ، وكذلك التعثر النغمي الذي تستشعره الاذن عند الانتقال من الوقف عند اخر حروفها ( الياء الساكنة ) الى انسيابية الصوت عند تلفظ ( الياء ،التاء وسين / المتتاليات والمتحركات بذات الحركة / الفتحة ) في المفردة التي بعدها / يَتَسَرب
مع كثرة التوقفات الايقاعية الداخلية بين حروفها ( وجود الوقف بالسكون بين كل حرفين فيها وكما يلي بعد فك تشديد يائها قبل الاخير : مكْروْمغْناْطيْسيْيةْ )، هذه التوقفات المطفئة لإنسيابية نطقها تجعل بنيته صوتية ( اعني سلوب إيّاه )مضطربة الاتساق بشكل تمجه اذن القارئ / لاجمالية ايقاعية
القراءة العميقة :
لاجمالية تعبيرية + لاجمالية صوتية ( فينولوجية ) = تركيب دلالي صوتي مشوّه وغير مفهوم المعنى ، وصورة رسمها خيال منفلت من كل ضابط او مقياس جمالي او فني .
وهذه القراءة متقاطعة مع ذائقة المتلقي ،
هنا تقارب شديد مع الخواص 2( غرائبية الاشارة والدلالة ) و3 ( هدم السياق
الصوتي / فوضوية نبرية )
وتستمر قراءتنا لتصل العبارات المتتالية :
* ” كان شعاع ضوء خافت يعبر شق نافذته ” ،”أخذ يتقلب بين الروح و الجسد “،” فقد
البوصلة إلى روحها..!”
البنية الدلالية :
الاشارة / خافت متعارضة مع الاشارة / يعبر = ضعف البنية التركيبية / حبكة العبارة مهلهلة
فعبور ( شق ) يتطلب شدة الشعاع
الاشارتين / الروح ، / الجسد : معرفتان غير مخصوصتين ، فتعريفهما (بأل) لم يزل
مجهولية من يعودان عليه ؛ جسد وروح من ؟ مع فقدان الترابط الدلالي بين هذه العبارة
والعبارة التي قبلها / كسر الترابط الحدثي ،
الاشارتين / البوصلة ، روح : أحاليتان خارجيتان ،سياق الالى الفيزيقي متعارض مع سياق الثانية الميتا فيزيقي / الغيبي ( الروح مفردة افتراضية الدلالة،غيرعلمية )
الاشارة ( ها) / ضمير الغائبة المتصل : دال ( حَرْفي ) بلا مدلول / لااحالة داخلية ماقبلية ولا مابعدية ، تحدد ماهية الغائبة التي يعود عليها / ضعف البنية النحوية ، وانعدام الترابط الدلالي مع العبارة ماقبلها
العبارات الثلاث فيها تقارب بين مع الخصيصة 2 / لاتواصلية دلالية، لامعنى لها ،
والخصيصة 3( لا منطقية ، لا انتظام سياقي لغوي او دلالي / هدم / تضاد )
وما ان نستأنف قراءتنا حتى يباغتنا هذا المقطع الحواري :
_تعري لأراك موطني..! (قال لها)
_ لا موطن بصدرك لجسدي.!(ردت عليه)
فنتفاجأ ببنية لغوية عقلانية الاتساق ، مترابطة دلالياً مما يجعلها متعارضة مع لاواقعية بنى الحدث ، وعبثية الدلالات المعنوية ،في مجمل لغة المقاطع السابقة
فالاشارة ( المحاورة) تعني لغةً :
الديالكتيك / الجدل المنطقي ، بين طرفين ،يدافع كلا منها من خلاله عن وجهة نظره
في موضوع ما ، حيال الاخر، اي انها فعل عقلاني تشاركي غائي اختار الكاتب للتدليل عليه طرفين / اشارتين ، خارجيَّتي الإحالة / سياق معجمي ، هما :
ــ محاوِر(هو) / الاشارة( قال) : من فعل القَوْل وهو : الكلام / اللفظ ، قال به اللسان على ترتيب .
الترتيب = السياق / الانتظام العقلاني ، وهو مقابل الفوضى / فهو غير سريالي
ــ محاوِرة (الضميرالمستتر/هي) ، فاعل ( ردتْ على ) ،وهذه اشارة فعلية مركبة من:
ردَّ + تاء التأنيث + على
حيث تعدى الفعل بحرف الجر ( على ) الذي( حدد معناه) وجعله فعل اجابة ، لذا اصبحت دلالته :
رَدَّ ت عَليه : أجابَتْهُ
المقاربة الدلالية للمحاورة اعلاه :
جدلية منطقية غائية = هو / عاقل + هي / عاقلة ( لان إنتفاء صفة العقلانيه عن احدهما ينفي صفة المنطقية عن المحاورة) فتفقد معناها ،مما يعني ان الجدلية منطقية وليست سريالية.
فهل اراد الكاتب ان يختبر لاانطباعية قراءتنا، و موضوعية تحليلنا لمقاطع القصة ،
فجاء بهذا المقطع ككابح ، لنحد من سرعة تكوين قناعاتنا النهائية في تحديد نوع قصته
ومدى سريلتها من عدمه ، واذا ما فرغنا من قراءة مقاطعها اللاحقة ، وقد تحصلنا منها على ذات التقاربات مع القصة السريالية ( كما حصل مع المقاطع السابقة ) ،فهذا يستدعينا الى اعتبار ذلك المقطع ( بؤرةَ القصة ) / كونه يشكل اضيق مجالاًتعبيرياً يختزل بكثافة رؤية الكاتب ( الكاتب هنا حاضر في القصة بدور الراوي بدلالة استخدامه الضمائر الغائبة المتصلة والمستترة للمذكر والمؤنث كما تطرقتُ لذلك قبل قليل ) مما سيمكننا تحليلها / تفكيكها ، لاحقاً ، من توليد مقاربات دلالية تسهم ، من خلال تضادياتها / تواصليتها ، مع التقاربات المقطعية اعلاه، في تعرفنا على ملامح موضوع القصة والاستدلال على فكرتها ومعناها النهائي ، مما يجعلنا اكثر موضوعية عند تحديد نوعها .
و سأقوم بقراءة مقاطع الجزء مابعد البؤري ادناه ، قراءة يصح معها تعميم نتائجها
ومقارباتها الدلالية والمعنوية ، على باقي مقاطع القصة ، لتشابه البنى اللغوية والاسلوبية بينها ، الا ماتقتضيه الحاجة للاستشهاد ببعض فقراتها في القسم الاخير من الدراسة :
(..العشق جسد ممتد على سرير، يأوي الرعشة، ينبض القلب،يطيل عمر الوقت، دائم
العطش، يهوى الهمس و اللمس …!) :
“لسهولة الاشارة لكل مقطع ساقوم بترقيمه بوضع/ حرف م ورقم يدل على تسلسله في هذه
القطعة كما يلي : المقطع الاول : م1 / الثاني : م2 ….الى اخر مقطع / م6”
اولا – القراءة التحليلية للبنى الدلالية :
أ – م1
تفكيك الاشارة / العشق :
هو دال حسي فرعي ( مُنتَج ) ، يوحي بدال اصيل ( منتِج ) له مركب :
عاشق + معشوق
له اكثر من مدلول منها :
*مدلول لغوي فرعي معناه : شعور جارف بالمحبة نحو ( محبوب ما ) ، يوحي بمدلوله اللغوي الاصيل : الحب بعنف وشدة
دالة الحب = شعور تشاركي ( متبادل) بين المحب والمحبوب معاً ، كل منهما ينتجه ( يولّده ) في وجدان الاخر
المقاربة المعنوية :
العشق مُنتَج عاطفي ( انفعال شعوري ) ينتج عن:
مثير / باعث له ( معشوق )+ مستجيب / مستلم له ( العاشق )
*مدلول إحالي خارجي / سياق علمي ( سايكو ـ بايولوجي ) :
يُعرَّف علمياً: هو توتر انفعالي داخلي في الذات الانسانية ( تولُّدُ إثارةً الغريزة الجنسية تزيح الاستقرار/ باعثة للتوتر) بسبب شدة شهوة (حاجة شديدة لاشباع تلك الغريزة ) عاشق/ مثار جنسياً ، لنيل المراد ( بلوغ الاستقرار الداخلي المزاح)
من خلال اتصاله ( مواقعته جنسياً ااشباع حاجته تلك ) بالمعشوقة / المثيرة / المسببة لاثارته بعينها الدلالة المعنوية : عاشق (محب ) + معشوق (محبوب) = عشق (شعور مفرط بالمحبة )
– المعنى المكوَّن من اعادة تركيب الدلالات المتحصل عليها من التفكيك :
هناك خلل في بنية الدلالة التركيبية للمقطع المذكور ( م1 )، مردّه عدم تناسقية مدلول
( العشق ) الفرعي والاصلي الخارجيين ( الخارجي ( شدة الشهوة لنيل المراد ..) وكذلك مقاربتهما المعنوية ( نيل المراد من المعشوق / دوام السعي واستمرارية المحاولة للوصول لحالة الاشباع الغريزي ) ، مع الاشارتين ( ممتدّ / متمطٍ : خمول وكسل ) و ( سرير / الانطفاء الحركي )
المذكورتين في سياق هذه البنية ، فهما متضادتان .

ب – من / م2 … الى / م6 :
– لاملامح للبنية الزمنية ، ماخلا مراوحة اشارات ( الآن) / يأوي ، ينبض ، يطيل ، يهوى) بدلالات ماقبلية المعاني، بجمودية ايحائية / لارمزية ، وانعدام الزمن في / م1
– لا ايحائية اشاراتية ، خواء الدلالات اللغوية ،
ثانياً ـ عدم اتساق البنية الدلالية السياقية :
اللاتماثل / لاتقارب الدلالي بين اشاراتها ، كما في :
العشق ( حسي غير مرءٍ ) / جسد ( مادي مرءٍ)
العشق ( اشارة لحركة مستمرة ) / ممتد ( اشارة للكسل والخمول )
العشق ../ يأوي الرعشة = لارابط دلالي ، علاقة كيفية بين اشارتين متباعدتي
الدلالة تضادية مع الاحالة الخارجية السياق العلمي المذكور اعلاه :
العشق / الرعشة = فعل / نتيحة : العشق يسبب الرعشة عند التعبير عنه جنسياً
ثالثاً – فوضى البنية الصوتية :
الايقاع النبري للحروف المهموسة الاكثر تكرارا في مفردات المقاطع الستة وهي: ( س ، ق . ش )
ليس على نسق نغمي منسجم مع ايقاع تلك المجهورة :
( ل ، ، د ، ط ، ع ، ر )
على سبيل الاستشهاد : كما في ( العشـ/ق/ /جـ/ـسد ) توالي ( القاف ـ الجيم ) وقْعٌ صوتي ثقيل ممجوج ،
مع خنق الصوت ( قمع الاسترسال وتوالي الايقاع ) بكثرة الوقف بالتسكين :
لو كنبتا مفردات ستة المقاطع كما نافظها ( تكرار الحرف المشدد وحذف همزة الوصل وكتابة نون ساكنة بدل حركة التنوين ) فستظهر تلك الوقفات المقطعة للسياق الصوتي لغاية عبثية لاتخدم الترابط ( الصوت معنوي ) للمفردة ، وعموم سياقها المقطعي ، وتهدم جمالية تعانق البعدين ( المرئي / المسموع ) لصورها المتخيلة ،وهذا ما ستوضحه كتابة تلك المفردات كمايلي :
(..الْعِشْقُ جَسَدُن ممْتدُدُنْ علىْ سريْرِنْ، يأْوِرْ رَعْشَهْ، ينْبضُلْ قلْبْ،يطيْلُ عُمْرلْ وقْتْ،
دائمًلْ عَطشْ، يهوَلْ همْسَ ولْ لَمْسْ …!)
نجد تقارب البنى اعلاه مع خصائص اللغة القصية السريالية التالية :
– خصيصة رقم ا : التحرر من سيطرة العقل واحكامه المنطقية / لاوحدة فنية للعمل الادبي / لاهيكلية فنية
– خصيصة رقم 2 : غرائبية الاشارات والدلالة / لامعنى
– خصيصة 3 : اللغة لامنتظمة نحوياً ولاسياقياً / خارج نطاق المعجمية المعنوية ، والجماليات البلاغية / لاسياق زمكاني / فوضوية بنيتها الصوتية
وهذا التقارب مع مضمون وهيكلية القصة السريالية وبنيتها اللغوية ، سيجده القارئ
في باقي مقاطع القصة حتى نهايتها المفتوحة المنسجمة مع لامضمونها و( لاعتبة) عتبتها ،
وهذه التقاربات هي ذات ماتحقق مع المقاطع السابقة ،
قراءة تفكيكية تكميلية لبؤرة القصة :
عطفاً على ماتوصلت اليه ، فيما تقدم ، من مقاربة دلالية لحوارية البؤرة ،
ساقوم بتفكيك بنية اشاراتها ومن ثم اعادة تركيب الدلالات للحصول على مقاربات معنوية تساعدنا في تحديد معناها التحتاني ، مما سيمكننا من التعرف على ملامح موضوع القصة والاستدلال على فكرتها ومعناها النهائي ، وهذا سيجعلنا اكثر موضوعية عند تحديد نوعها
كقصة قصيرة : .

[ ــ تعرَّي لأراكِ موطني..! (قال لها) ]
(هو ) / وفق قراءة تحليلية لتلك البؤرة :
اشارة لأي غائب ( الغياب هنا مقصود لغرض التعمبم وعدم حصر القصد بمخاطب محدد )
– التعري : خلع الملبوس / مايحجب الجسد ، التجرَّد منه . التخلَّصَ .
وهو اشارة للتخلي عن شئ ملحوظ او محسوس / التخلي عن خلق او عادةٍ ما
– ضمير المخاطبة / الكاف ، له دلالة رمزية بدليل تعدد اشاراتها :
هي عارية = وطن مرءٍ
اذاً / هي محجوبة = وطن محجوب
بازاحة المتغير والابقاء على الثابت بكون معنى الرمز:
هي = وطن
لكن / هي ضمير يعود على كائن حي وهو زائل (بالموت) غير دائم ، على العكس من الوطن
لذا ( هي ) هنا = قيمة مطلقة وبما انها لاترى الا بالتخلي عما يحجبها ( وهذا الفعل يحتاج ارادة بالتخلص من الحجاب ) فالمقاربة الدلالية تكون :
هي = ثورة
القراءة بالارتكاز على هذه المقاربة
( هو ) يبحث عن وطن عارٍ عن كل ما يحجبه عنه ، ومن مرادفات هذا الفعل / يمنع ، يصد ، يَحْرم
فمن يمنع هذا الغائب عن الوطن ويحرمه منه ؟ هنا تتولد مقاربة دلالية اخرى :
هو العاشق لوطنه = مثيرباعث لقلق ( اخر ) فيحرمه من معشوقه/ يُغيّبه عنه
ومن يملك ارادة التغييب عن الاوطان لابد ان يكون سلطوي / زعيم اوحاكم طاغٍ ( فهو يحارب عشاق الوطن والوطن في عرفه ملك له وحده )
بإختزال المقاربة :
هو = دعوة للثورة على الطغاة
فتكون المقاربة القرائية لماقاله ( لها ) :
هو ( يدعوها ) لخلع جلباب الخنوع والخور ، والثورة على حكامٍ طغاة يذلون الوطن
والناس ، ويطبل ويزمر لهم اعوانهم و اتباعهم ويعلون ضجيج (المفردة العتباتية الاولى ) زعيقهم مسبيحين بإسمه ، مهللين لملاحم بطولاته وامجاده ، فهو ضوء( المفردة العتباتية الثانية ) الحق والعدالة ، يشع امناً ومحبة ، فيبدد ظلمات الخوف
فتجيبه متعجبةً ( ! ) بقصد استفزازه :
[ ـ لا موطن بصدرك لجسدي.!(ردت عليه) ]
النفي يقلع اليقين من جذوره بالحرف ( لا ) الذي ينفي جنس المنفي بعده ( موطن )
فهي تشك ان يكون قادراً على حمايتها ( من الدلالات المقابلة للتعري / التجرد مما يقي الجسد) ،فهو ( غائب ) / الغياب مكافئوه الدلالي : ترك المكان
ولانه عاشق مثير لحنق من امتلك الوطن ( المقاربة الدلالية اعلاه ) ، فغيابه كان اضطراراً لا اختياراً .. لكنها … عدَّته هروباً :
المقاربة الدلالية /
عاشق تخلى عن معشوقه = خذلانه وخيانته اياها
الشاهد النصي (فقدَ البوصلةَ الى روحها )
فان تعرت له عما يحجبها ، وبانت لعينيهِ بكل تفاصيل اسرارها ، لن يكون مؤتمناً على عهدها، فعشقه ( الاشارة اليه : صدرك / مستودع المشاعر) غير جديران يكون دريئةً وملاذاً لها يمنع عنها من يصادرها ويستبيحها ، فهو عشق لايجيد القُبل / مقاربته :
ترجمة الشعارات الى افعال :( على رضابه انتحر الكلام …..، أضاع شفاهها..! )
لتبقى اسيرة زنازين سماسرة عهر الطغاة :
(..غرف سرمدية بنوافذ للأمل مشرعة،، و لا يبزغ منها غير ضجيج أمس،)
وبين ( قال .. ) و ( ردت عليه ) تستمر جدلية الثورة المؤجلة ، وتظل ابواب الرهان على قدوم بروميثيوس ، لاتُفتح إلا لمن ينهش جسدها في تلك الغرف الزنزانية :
( تفتح الأبواب غرة،، يمر من يمر، و تقفل..! )
تحديد نوع القصة :
علينا الاقرار ان الكاتب تعمد زرع تلك ( البؤرة ) في جسد قصته المتشظي دلاليا ، اللامنتمي لعقلانية وهيكلية الفن القصص ، وجماليته الفنية ، ليرسم لها ملامح نوعٍ قصصي جديد ، اميل الى تسميته ( القصة مابعد السريالية ) ، فهي بسائر عناصرها الفنية ، و ادواتها التعبيرية وبنيتها الاسلوبية ، ترتدي لبوس السريلة للنفاذ من حواجز الرقيب الذي يُخدع بعبثية مظهرها الخارجي ، وجنون ثرثرتها اللغوية، المفككة عبارةً ، الممسوخة دلالةً ، المقطعة سياقاً، الآفلة زماناً وتزمناً ، على متون خرائب هيكلها الفني ، فيرفع لها عارضة ممنوعاته، لتجتاز حدود محرماته بهدوء ، دون ان يجد حاجةً لتكليف عيونه بتقصي سجل حُسنِ ( سيرتها وسلوكها ) ، ولاتدقيق اوراقها الثبوتية ، فلا خوفاً من مضمونها ولا افكارها على المؤسسات السلطوية ، او شمولية الحكام ، فدوالها شاردةٌ مدلولاتها من المعاجم ، عدمية المعنى ،عبثية ، منغلقة ، لاتواصلية ، مضيَّعَةُ العنوان فلا عتبة لها، لابداية ولانهاية ، تنفذ بأمان .. لتدخل الوعي فتبوح له بسرها الرافض لكل ما في الحياة من زيف وخداع ، ومصادرة للاوطان والانسان .

ـ باسم عبد الكريم الفضلي االعراقي ـ

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

رابط مختصر