* الارمد *

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 19 أكتوبر 2014 - 1:04 مساءً
* الارمد *
قصة قصيرة: صيام المواجدة

كانت ليلةً من ليالي تشرين الباردة، طرقات البلدة التي لم تصلها خدمة الكهرباء آنذاك زاد من عَتْمها في وجدان ابن السنوات السِّت ما عشعش على جفنيه الرَّقيقين من آثار الرَّمد الذي أصاب عينيه كما حال الكثيرين ممَّن هم في سنِّه من أبناء القرية، رياح الخماسين التي تعوي حيناً وتصفر حيناً تزيد من كآبة الأجواء، أصواتٌ تنبعث من الخارج يختلط فيها احتكاك أغصان الشجر وما يتدافع بين يدي الريح من علب معدنية فارغة أو صناديق كرتونية لم يعد للناس فيها حاجة.

الدِّثار الثقيل الذي أودعته أُمُّهُ تحته ريثما تعود من زيارتها لأختها التي تسكن في الشارع ذاته على بعد أربعة منازل لم يفلح في إبعاد الرهبة المتسللة إلى قلبه الصغير، ينسلُّ من فراشه فيذرفه الباب الخارجي إلى الشارع، يتلمس جدران البيوت المتلاصقة طمعاً في أن يسعفه عدُّ الأبواب التي بات من الصعب رؤيتها وسط ظلمات ثلاث، يبتغى اللَّحاق بأمِّه بحثاً عمَّا يمنح الطمأنينة لقلبه الصغير، شعاعٌ ساطعٌ يداهم عينيه، يصحبهُ صوتٌ قوي يعرفه جيداً، فلطالما سمع صوت ابن عم أبيه ينهر الصبية حين يراهم يلعبون في الشارع …

– ابن مين انت ؟
– أنا صيام ابن الحج عبدالحميد.
– شو بتعمل برَّا البيت في الليل ؟ جيل مش مربّى !!!

وقبل أن يجيب الطفل على السُّؤال المباغت يتلقى صفعةً على وجهه تستدرُّ الدَّمع لينزَّ من عينيه المقطّبتين، يعود أدراجه متلمساً حجارة الجدران تأخذ بيده حتى تلقي به إلى حيث خرج.

يستفيق على صوت الإمام: صلاة الجنازة أربع تكبيرات …
أخلصوا له في الدعاء …

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

رابط مختصر