أوبة أسير..قصة قصيرة بقلم الكاتب: أحمد سليمان

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 4 سبتمبر 2020 - 1:06 مساءً
أوبة أسير..قصة قصيرة بقلم الكاتب: أحمد سليمان

قصة قصيرة:


أوبة أسير
ترك مقاعد الدراسة رغم أنه كان الأول على دفعته ،والتحق بالجيش فتخرّج جنديًا يقبض راتبه كل شهر ويسلّمه لوالده الذي كان يعول ثمان بنات،بعد مرور عام من انتظامه في سلك الجندية بُعث في متحرك إلى أتون الحرب الأهلية التي كانت مستعرة في تلك البقعة الخضراء من أرض الوطن، لقد عشق تلك الأرض الساحرة رغم وعورة أحراشها، وكثرت أهوالها.وعاش فيها بصبر وجلد وهو يأمل في أن يكف أبناء الوطن الواحد عن قتال بعضهم البعض، ويعم السلام بينهم، ويعود ورفاقه إلى ذويهم سالمين. ولكن هيهات لقد جرت الرياح بما لا تشتهي السفن يوم أن بُعث في سرية ودار بهم المتمردون دورة سقطوا من بعدها ما بين قتيل وأسير وكان هو من بين الأسرى الذين اقتادوهم إلى معسكراتهم الحدودية في الدولة المجاورة التي كانت تناصرهم وتمدهم بشيء من المؤن والعتاد،فحبسوهم هناك في نفق تحت الأرض كانوا يسمونه(سجن الانتقام).
وبعد مضي شهر على حبسهم، دخل السجانان عليهم عشية ليلة في محبسهم فاقتربا منهم ومد كل منهما يده إلى طرف السلسلة المثبت في الجدار الذي يليه فانتزعه من مكانه، ثم قادوهم إلى خارج المحبس حتى وصلوا بهم إلى صخرة جاثمة على مقربة من خيمة أحد القواد فشدا طرفي السلسلة إليها وتركوهم مكانهم ومضيا إلى داخل الخيمة. وبعد وقت قصيرة عادا إليهم برفقة ذلك القائد الذي ما أن رآهم حتى هاجت في صدره أحقاد تلك العدواة التي يضمرها لكل أسير يقع في قبضته،فتحدث إليهم بكلمات مقتضبة بأن من يكون هادئًا يسلم وإلا سيكون مصيره الهلاك، مكث ورفاقه في ذلك المعسكر قرابة العام، وفي ذات يوم من الأيام لفتت انتباههم حركة مريبة وتوتر واضح على وجوه المتمردين، ثم ما لبثوا أن رأوا الجنود يجدون في تفكيك خيام المعسكر وجمع عتادته ومؤنته،ولمّا تحروا الأمر عرفوا أن نظام الدولة المضيفة قد سقط، وأنهم سوف يرحلون إلى داخل أرض الوطن في المناطق التي تسمى محررة، وعند شروق شمس اليوم التالي حُمّل الأسرى فوق روؤسهم صفائح مملؤة بالذرة الشامية،وساروا بها على الأقدام مع الجيش المتمرد ثمانة عشر يوما تحت وابل المطر المتواصل،حتى أن الذرة في جزئها الأعلى نبت واستوت على سوقها. وصل الركب إلى معسكر في المناطق المحررة مشيد من مجموعة من الأكواخ ومحاطًا بسياج من الأشجار الكثيفة.. وهناك كانوا في عمل دائب طوال إقامتهم ما بين جلب الماء والاحتطاب، وقطع الأخشاب وتحميلها في عدد من سيارات النقل لتسويقها في دول الجوار، أما في يوم راحتهم فيقومون بسحن الذرة الشامية في رحى كبير ومن ثم غربلتها وتعبئتها في جولات صغيرة ومن ثم تخزينها في مخزن وسط المعسكر.هذا العناء المتواصل دفع بهروب بعضهم طلبا للخلاص، ولكن هيهات فلقد جدّت سرية من المتمردين في طلبهم حتى سقطت عليهم سقوط القضاء في جنح ليلة من ليالي الظلام، فقادتهم جميعا إلى المعسكر، وكانت نهايتهم أليمة بأن سيقوا والبقية الباقية كشهود إلى سفح جبل كبير، ثم بُطحوا على صخرة ضخمة ومن ثم أُطلق عليهم الرصاص بلا رحمة ولا شفقة ولا إنسانية،وكل ذلك تحت مرأى ومسمع إخوتهم، في إشارة إلى أن كل من يفكر في الهرب هذا هو مصيره المحتوم،ثم تُركت الجثث للسباع والضباع والغربان والنسور التي كانت تدور حول المكان وهي التي تبدو أنها قد عهدت هذا المشهد كثيرًا وألفته والرصاص عندها أصبح مصدر إشعار لوليمة لا خطر يهددها.
وجاء اليوم المأمول، يوم أن دب الخلاف بين زعيم التمرد ونائبه ثم تصاعدت الأمور بسرعة وما أن زالت الشمس عن كبد السماء حتى دارت المعركة بين الطرفين داخل المدينة التي نقلوا إليها بعد حادثة الهروب بأيام قليلة، وفي وسط ذلك الجو المضطرب تمكنوا من الهروب الحقيقي في أول الليل..لقد ساروا يتجشمون القيعان وأحراشها والآكام وأدغالها، ويردون آجن الماء وصفوه، ويقتاتون يابس الثمار ورطبها، وإذا ما اطمأنوا إلى ظل شجرة أو شاطئ غدير أووا إليه فاستراحوا بجانبه قليلا ثم عادوا إلى شأنهم. ولما كان يومهم الثالث والليل قد بدأ يرخي سدوله على الكائنات، ويضرب عليها سرادقًا من وحشته وكآبته، وقع نظرهم علي قرية بين الأدغال فدنوا منها وصاحوا بأهلها الذين ذُعروا وارتاعتوا وصاحوا هم أيضا قائلين لهم: من أنتم؟ ومن أين جئتم؟
ولما اطمأن الجانبان لبعضهم البعض، رحب بهم أهل القرية وأكرموا وفادتهم ثم أخبروهم بأن مدينتهم التي يطلبونها على بعد نصف يوم فقط من قريتهم هذه.
هبطت الطائرة في أرض المطار،وزف الخبر السعيد إلى الوالد المكلوم الذي ابيضت عيناه حزنًا على وحيده وزاد جسمه حرضا على حرض،عندما جاء الخبر الحزين قبل أكثر من عامين بأنه قد قتل،غالب الأسى وامتنع عن تلقي العزاء، لكن رده الأهل بأن الموت حق، وأنه معذور ومفجوع في فلذة كبده، ولكن هو إحساس الأب بأن ابنه سوف يؤوب يومًا،أما الأم التي كان شأنها بكاء ولدها بكاء يعقوب ولده، وكاد أن يذهب بصرها ذهاب بصره، عادت البسمة إليها وقد تبدد حزنها بوصول الخبر السعيد،وابتهجت البنات اللائي لطالما أدمى الأسى قلوبهن على وحيدهن وسندهن في مقبل الأيام..


بقلم الكاتب: أحمد سليمان

تعليقات الفيس بوك

التعليقات

رابط مختصر